جيمس راين
نوفمبر 27 2017

هل هناك شيء يؤيده إردوغان في إرث أتاتورك؟

في خطابه السنوي بالذكرى السنوية لوفاة مصطفى كمال أتاتورك، أبدى رجب طيب إردوغان تأييده الكامل للإرث الذي تركه مؤسس الجمهورية، ووجه انتقادا حادا للمعارضين الحاليين والسابقين لنظامه الذين لطخوا ذكراه.

لكن بالنظر إلى تاريخ إردوغان في الحفاظ على مسافه بينه وبين أتاتورك العلماني، فإن لهجته القوية لاقت استغرابا ومزاعم بأنه ينافق.

قد يكون صحيحا ما يراه الكثير من الناس من أن هذا الحب الجديد المكتشف تجاه أتاتورك مفاتحة نحو القوميين المتحمسين في تركيا الذين قد يؤيدون حزب الشعب الجمهوري "الكمالي" أو الحزب الصالح القومي قبل انتخابات 2019.

يجدر هنا السؤال هل يوجد غرض آخر خاصة وأن قبضة إردوغان على الناخبين في خطر كما شمل الخطاب تأكيدات بشأن مزاعم عدد من الأحزاب السياسية عن ذكرى أتاتورك. إذا كانت هذه المشاعر مخلصة، إذا فإن الخطاب يلمح إلى الاتجاه الذي قد يسلكه الانتقال الاستبدادي في تركيا حاليا.

تعامل إردوغان مع أتاتورك وأرثه المتمثل في الحزب الذي أسسه وهو حزب الشعب الجمهوري يحمل دلالة كبيرة. فبدلا من انتقاد زعيم حز ب الشعب كمال كليجدار أوغلو وجه إردوغان سهام النقد إلى الرئيس التالي لأتاتورك وهو عصمت إينونو.

تولى إينونو رئاسة الوزراء طوال فترة حكم أتاتورك في العشرينيات والثلاثينيات وتولى الرئاسة بعد وفاة أتاتورك في عام 1938 حتى هزيمة حزبه أمام الحزب الديمقراطي في عام 1950.

في خطابه قال إردوغان إن "حزب الشعب الجمهوري الذي يزعم أنه يحمل إرث أتاتورك قطع علاقته بمصطفى كمال في 10 نوفمبر تشرين الثاني 1938" زاعما أنه بعد وفاة أتاتورك سعى إينونو إلى توجيه الحزب حسب رؤيته.

وفي بعض النواحي هذا زعم تحريضي.

صعد إينونو إلى الشهرة بقتاله ببسالة بجانب مصطفى كمال في حرب الاستقلال وكان جنديا مخلصا في ثورة أتاتورك العلمانية وبعد عام 1938 وضع أسس الإرث الذي مجد أتاتورك طوال ثمانية عقود.

لكن موقف إردوغان يحمل في باطنه سابقة تاريخية. ففي أواخر 1937 عندما تدهورت صحة أتاتورك، خسر إينونو استحسان أتاتورك وأزاحه الرئيس من منصب رئيس الوزراء في أكتوبر تشرين الأول 1937 ليحل محله جلال بايار مؤسس أحد أكبر البنوك التركية.

بينما كان المزاج العام يؤيد دوما إينونو خليفة لأتاتورك، إلا أنه يتردد منذ فترة طويلة أن بايار كان الخيار المفضل لأتاتورك وأن معارضي إينونو تآمروا لإزاحته من البرلمان قبل وفاة أتاتورك كما ترددت شائعات تفيد بأن أتاتورك أصدر وصية سرية حذر فيها قائلا "لا تنتخبوا رئيسا بخلفية عسكرية".

أذعن بايار لعصمت إينونو في انتخابات رئاسية عقدت في البرلمان في أعقاب وفاة أتاتورك وظل رئيسا للوزراء في العام التالي قبل أن يترك الحكومة بسبب خلافات مع إينونو.

عصمت إينونو وجلال بايار
عصمت إينونو وجلال بايار بعد وفاة أتاتورك

ما يريد إردوغان تأكيده بشأن إهمال الحزب (حزب الشعب) لأتاتورك هو فكرة أن بايار كان سيواصل ثورة أتاتورك بنفس الطريقة التي كان يراها دوما.

هذا زعم له ما يبرره، لأن الخلافات بين بايار وإينونو كانت أكثر من مجرد خلافات شخصية. أيد بايار سياسة اقتصادية أكثر ليبرالية وأكثر تأييدا لعالم الأعمال وأيد "الحزب الجمهوري الليبرالي" في انتخابات إقليمية عام 1930 رغم عدم استمرار الحزب طويلا.

أما إينونو،  كان أشد المدافعين عن تطوير اقتصادي تقوده الدولة وذلك خلال توليه منصب رئيس الوزراء.

صاغ علاقة اقتصادية مع الاتحاد السوفيتي ونفذ خطة خمسية ودافع بشراسة عن التصنيع الذي قادته الدولة في وجه الحزب الجمهوري الليبرالي وغيره من المعارضين داخل البرلمان.

كان بايار أيضا أبرز مؤسس للحزب الديمقراطي المؤيد لاقتصاد السوق وخدم رئيسا للبلاد في الفترة بين عامي 1950 و1960.

الدليل ليس قطعيا، لكن يبدو مفهوما أن أتاتورك أراد أن يكون من يخلفه صاحب عقل ليبرالي ليقود فترة أكثر ديمقراطية بعدما استكمل ثورته الثقافية ولذلك ربما فضل بايار لكي يواصل مسيرته.

بالحديث ضمنا عن أن سياسات أتاتورك أيدت مستقبلا اقتصاديا حرا لتركيا فإن المرء قد ينظن أن إردوغان يشير إلى العودة إلى نموذج التحرير الاقتصادي الذي أيده حزبه العدالة والتنمية في سنواته الأولى.

هذه العودة ستكون خادعة ولن تساعد على الأرجح في تحقيق رؤيته الانتخابية في المدى القريب.

لكن ما تدل عليه هو أن إردوغان يرى وعوده بالتشجيع على اقتصاد سوق حر ، وربما وعوده بشأن الديمقراطية وحقوق الإنسان أيضا، هي الغايات وليست الوسائل في انتقاله الاستبدادي.

بهذه الطريقة ربما يكون أقرب المشابهين لأتاتورك الذي كانت سياساته تقدم "رفع مستوى الحضارة" على بسط الديمقراطية في جميع المناحي.

في ثنايا المراجعة واسعة النطاق للمؤسسات الثقافية والسياسية والقانونية التركية، يبدو أن حزب العدالة والتنمية الذي يرأسه إردوغان ليس فقط مهتما بإسكات المعارضين السياسيين ولكن بإعادة تشكيل المجتمع عن طريق تغيير المناهج الدراسية وتمكين المؤسسات الدينية والحد من حريات المجموعات المهمشة.

ربما كانت ثورة أتاتورك الثقافية في طريقها لتكون أكثر علمانية لكن يعتبر التنفيذ الكامل لهذه الثورة، مثل ثورة إردوغان، شرطا أساسيا لأي انتقال إلى نظام ديمقراطي ليبرالي.

يشتهر عن إردوغان أنه أشار إلى الديمقراطية باعتبارها "قطار"ينبغي لتركيا أن تنزل منه عندما تصل إلى محطتها.

في هذه الأيام يبدو أنه قد تغير اسم القطار وأصبح له مسارا جديدا.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا: