Ergun Babahan
أبريل 06 2019

هل هناك صراع بين أردوغان والدولة!

إن توجه تركيا إلى صناديق الاقتراع التابعة لنظام رجل واحد هكذا، وفي ظل الظروف القانونية والسياسية والاقتصادية التي تمر بها، أمر معقد يستحيل تفسيره من خلال النظريات السياسية. تمامًا مثل بنية المجتمع التركي.

وعندما وضعت صناديق الاقتراع أمام الشعب التركي أظهر مرة أخرى أنه يمتلك القدرة على استخدام الإرادة الحرة، مهما كان قمع الدولة واحتكارها لوسائل الإعلام.

دعونا نرجع إلى الانتخابات وإلى ما حدث في تلك الليلة.. السؤال الذي يجب الإجابة عليه هو: لماذا تحرك النظام الذي ظل واقفًا لساعات طويلة، ما الذي حدث حتى أن رئيس اللجنة العليا للانتخابات الذي لا يستطيع الذهاب إلى المرحاض دون إذن من أردوغان خرج أمام الكاميرات، واستطاع أن يعلن أن "أكرم إمام أوغلو" أتم الانتخابات وهو في المقدمة. هذا سؤال مهم لأن إجابته إن كانت مثلما نعتقد فقد تكون لها نتائج مهمة.

ووفقًا لرأي أنا مقتنع به فإن الدولة قلقت وتخوّفت من أن يأخذ حزب الشعب الجمهوري الانتخابات منها في إسطنبول، وأن يقوى تدريجيًا التضامن الذي بدأ في صناديق الاقتراع بين الشعب التركي والكردي العلماني.

لقد رأت الدولة أن الحركة الكردية التي يمكنها، حتى في وضعها الحالي، التأثير على العملية الانتخابية تمثل خطرًا وتهديدًا بحيث تستطيع أن تكون أكثر تأثيرًا في تحديد نتائج الانتخابات في المستقبل القريب من خلال تحالف كهذا، فأرادت القضاء على هذا التهديد الذي يمثل خطرًا بالنسبة لها.

إن تسليم إسطنبول إلى حزب الشعب الجمهوري لن يظهر لقاعدة الحزب وسكان الحضر الذين يمثلون أهمية كبيرة بالنسبة لمستقبل البلاد، أنه من الممكن تغيير السلطة من خلال الطرق الشرعية، بل سيفيد أيضًا في ضمان تبادل السلطة وتغير النظام بين أيدي أحزاب النظام الحاكم أيضًا. وهذا أساسًا هو الهدف الرئيسي للانتقال إلى النظام الرئاسي.

ولذلك فإن القوة التي أنطقت رئيس اللجنة العليا للانتخابات في تلك الليلة وفتحت شاشات وكالة أنباء الأناضول ليست هي التقاليد الديمقراطية والقانونية في تركيا، فمن المؤكد أنها سلطة من داخل الدولة وأغلب الظن أنه القصر الرئاسي.

من المهم ما سيحدث حتى الــ 13 من أبريل الجاري. من الواضح أن هناك صراعًا جرى في حزب العدالة والتنمية وفي القصر بين قطاعات ترغب في الفوز بإسطنبول مهما تكن النتيجة، وأخرى راغبة في القبول بنتائج الانتخابات كما هي. وهذا يكشف عن أنه ستترتب على قرار الإلغاء عواقب اجتماعية وخيمة لا بد من شرحها وكشفها للقصر ولتلك البؤر.

من الواضح تمامًا حاليًا أن هذه الرسالة لم تصل. ومن البيَّن أن هناك محاولات لاغتصاب نتائج الانتخابات من جانب، وسعي لمحو الملفات والقضاء عليها من جانب آخر... ما يجري فعله الآن يمكن اعتباره محوًا لماضٍ وتخلصًا منه في أنقرة وفي إسطنبول على حد سواء. فحزب العدالة والتنمية في عجلة من أمره للقضاء على عناصر الجريمة التي وقعت في بلديات سيطر عليها منذ 25 سنة. هذا أمر ظاهر ومحسوس بشكل واضح.

من ناحية أخرى أيضًا فإن كل فريق حزب العدالة والتنمية، وعلى رأسه القصر، يبدو مصممًا على اللجوء إلى جميع الطرق، بما في ذلك غير القانونية، كي لا يفقد إسطنبول. فإسطنبول ليست مجرد شهرة بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، وإنما هي ولاية مهمة تدعم العديد من فعالياته وعلى رأسها وسائلها الإعلامية. وهذا هو السبب الواضح لأن يبرز كل من قناة "آخبر(Ahaber)" و"صباح" منذ الليلة الأولى في هذه المسألة.

ما يثير الاهتمام هنا هو الموقف الذي ستتخذه مؤسسات الدولة وصناع القرار التي تضمن لأردوغان تحقيق كل ما يريده حتى اليوم. والتصريح الذي أدلى به رئيس اللجنة العليا للانتخابات ليلة الانتخابات كان واعدًا وباعثًا للأمل بالنسبة لحزب الشعب الجمهوري والديمقراطية.

ومع ذلك إذا ضغط أردوغان بكل قوته يمكنه تغيير النتيجة؛ فنحن باعتبار النتيجة أمام كيان اعتبر في اللحظة الأخيرة حتى بطاقات الاقتراع غير الممهورة بالأختام بطاقات صالحة.

ليس هناك إنسان عاقل يحب وطنه ويرى الضرر الذي سيُلحقه مثل هذا القرار بمستقبل تركيا القريب وباقتصادها وبنيتها المجتمعية يتمسك بهذا القرار، بل إن مثل هذا القرار لا يمكن أن يخطر بباله. سنعيش وسنرى لأنه لم يعد في هذا البلد شيء يُحيرنا ويفاجئنا.

يمكن لحزب العدالة والتنمية أن يغتصب بلدية إسطنبول، ولكنه لن يؤدي إلى أية نتيجة سوى زيادة إضعاف قاعدته من الناخبين التي تتلاشى بسرعة. لقد كانت أصوات الأكراد المنتشرين في ربوع البلاد هي ما يجعل حزب العدالة والتنمية قويًا، وقد فقدها تمامًًا. ولا يستطيع مواصلة البقاء دون دعم كردي، بشكل فعال على الأقل.

أيًا كان الرجال الذين يعينهم حزب العدالة والتنمية والدولة، ومهما كانت هندسة المجتمع التي يتجردون لها، فقد تأكد مرة أخرى وبشكل واضح أن الأكراد قوة ديمقراطية في السياسة التركية باعتبارهم حقيقة لا مفر منها.

 الأكراد الذين ساندوا حزب العدالة والتنمية في عملية الاتحاد الأوروبي ضد أحزاب الوصاية العسكرية لم يترددوا هذه المرة في دعم المرشحين الذين اعتبروهم ضروريين لخسارة حزب العدالة والتنمية. لأنهم هم أول من رأى أن حزب العدالة والتنمية الذي يترأسه أردوغان لن يجلب الديمقراطية والقانون والازدهار لتركيا.

من الواضح أن النظام الرئاسي الذي تم تطبيقه من أجل تعطيل الأكراد لن يكون سبيلًا يمكن النظام من الخروج من مأزقه؛ فحزب العدالة والتنمية الذي ستنهكه المشاكل الاقتصادية سوف يتراجع تأييده سريعًا إلى مستوى 30 بالمائة، وحركة المعارضة التي يمكن أن تخرج منه قد تساهم في تدني هذه النسبة أكثر.

من المحتمل أن تعود تركيا إلى نظام يحكمها فيه ثلاثة أو أربعة أحزاب يحصل كل منها على حوالي 20-25 في المائة من الأصوات مثلما كان الحال قبل العام 2000، وسيدعم الأكراد من يرونه قريبًا منهم، مثلما فعلوا مع حزب العدالة والتنمية في الماضي القريب. فلا شك أن النهر يشق طريقه كلما جرى...

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/yerel-secimler/devlet-ile-erdogan-arasinda-kavga-mi-var
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.