اومت كرداش
نوفمبر 27 2017

"هل هناك مَخرَجٌ من الصدمة المجتمعية التي سيستغرق علاجها عدّة سنوات؟"

 

في كثير من قضايا الإرهاب المسلح التي تنظر حالياً تحت اسم " FETÖ-PDY: فيتو- ب د ي: منظمة فتح الله الإرهابية/الكيان الموازي" يوجد عشرات الآلاف من المواطنين الأتراك، بينهم صحافيون وكُتَّاب أعمدة وأكاديميون ورجال أعمال وقضاة وأعضاء في النيابة العامة، ورجال جيش وشرطة ومدرسون معتقلون، وتجري محاكمتهم بتهمة الانتماء إلى منظمة إرهابية مسلحة.
ومن الملاحظ بصفة عامة في لوائح الادعاء الواردة في القضايا المرفوعة ضد هؤلاء المعتقلين أنها تخلو من أدلة قوية تكفي لإصدار هذا القدر الكبير من الأحكام عن التهم المُلصقة بهؤلاء، بل إن هناك أمورًا يستحيل أن تعتبر دليلًا لمجرد الاتهام قد وردت في لوائح الإدعاء كأدلة إدانة.
ويتضح سوء الوضع حين يُضاف إلى ما كل تقدم التعمد الواضح في إطالة فترات الاحتجاز، وتأخير النظر في كثير من القضايا، أو عدم نظرها أصلًا، والقيام بإجراءات غير قانونية ولا عادلة تتسبب في المصادرة الشاملة.
هناك صدمة مجتمعية سوف يستغرق علاجها سنوات طويلة قد حدثت نتيجة تأثر عائلات عشرات الآلاف من المواطنين والمحيطين بهم وتعرضهم للظلم والقمع والهوان، وفي ظل هذا يتعرض السلم المجتمعي للخطر والتدمير.
وحين ينضم إلى ما تقدم فقدان الثقة بالقضاء نتيجة ما ذكر آنفًا، وعدم قيام المحكمة الدستورية بعملها بشكل فعلي وحقيقي، وفقدان المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أيضًا تأثيرها، يصبح من الطبيعي أن يشعر المواطن بالقلق والهم والخوف، ويتضاءل أمله ويضعف في وجود حلّ.
إنّ الأحكام التي تصدرها المحاكم، ولا سيما محكمة النقض (المحكمة العليا)، بشأن التصدي لمظاهر الظلم والقمع الجارية أحكام مهمة للغاية.
والأمر المهم بالنسبة لمن يحاكمون في هذه القضايا هو تحديد التاريخ الذي سيعتمد تاريخًا للجريمة، فيما يتعلق بوجود قصد ونية خاصة تشكل عنصرًا معنويًا للجريمة المزعوم ارتكابها، وتحديد نوعية أفعال المتهمين السابقة على ذلك التاريخ بحيث لا تشكل ولا تعتبر جريمة من حيث القصد الجنائي.
وقد أعدت اللجنة الأوروبية للديمقراطية عن طريق القانون، والمعروفة اختصارًا باسم "لجنة البندقية" تقريرًا بشأن حالة الطوارئ المفروضة في تركيا. نشر هذا التقرير في 12 ديسمبر 2016م، وكان يحمل عنوان "الرأي بشأن قانون الطوارئ رقم 667-676 الذي تمّ اعتماده في تركيا عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016م"،  وقد احتوى على العبارات الآتية:

"متى تحوّل الكيان المسمى "حركة غولن" إلى تنظيم، وإن كان هذا قد حدث بالفعل فلا بدّ من إثبات ذلك استنادًا إلى براهين وأدلة موضوعية، ولا بدّ من تحديد تاريخ يتم اعتبارًا منه فرض العقوبات على المنتسبين لهذا الكيان بسبب الفعاليات والأعمال التي نفذوها." 

 

وبحسب لجنة البندقية فإنّ هذا الغموض الذي يخيم على الموضوع يفتح الطريق أمام معاقبة الأشخاص والمواطنين بشكل غير عادل وبسبب حركاتهم في الماضي، وهو ما يخالف "مبدأ عدم سريان الجرائم والعقوبات بأثر رجعي".
ونص التقرير على أن المحاكم هي المسؤول الوحيد عن تحديد التاريخ الذي سيتم اعتماده كأساس في هذا الشأن، وذلك بعد انتهائها من عملية تحليل الأدلة والوثائق، أما الأفراد فيمكن مساءلتهم على علاقاتهم التي تستحق التسجيل والإثبات عليهم وبالنسبة لما فعلوه بعد التاريخ المذكور، والذي ينبغي أن يتم تحديده اعتمادًا على معايير موضوعية تمامًا.
ويمكن إدراك أهمية ما أكدت عليه لجنة البندقية من خلال مطالعة آراء "نيلس مويزنييكس(Nils Muiznieks) " مفوض مجلس أوروبا لحقوق الإنسان؛ والتي نشرها تحت عنوان: "تقييم التدابير والإجراءات المطبقة خلال مرحلة تنفيذ حالة الطوارئ في تركيا عقب أحداث 15 يوليو 2016م"، وقد وردت آراء "نيلس مويزنييكس" في مذكرته المسماة "مذكرة حول مدى تأثر حقوق الإنسان سلبيًا من التدابير التي تم اتخاذها بموجب حالة الطوارئ في تركيا (CommDH(2016)35)"، وفي هذه المذكرة يجري تقييم الآثار المترتبة على قانون حالة الطوارئ من "زاوية قانون العقوبات".

"مما لا شك فيه أن هناك العديد من المنظمات أُغلقت عقب أحداث 15 يوليو، وكذلك العديد من المؤسسات التابعة لها، والتي كانت تواصل ممارسة أنشطتها وفعالياتها بشكل واضح وقانوني حتى ذلك التاريخ."

 

وثمة قناعة عامة حول صعوبة وندرة ألا يكون لأي مواطن تركي علاقة أو اتصال بهذه الحركة بأي شكل من الأشكال.
ويؤكد المفوض الأوروبي على أن التقييمات الواردة أعلاه لا علاقة لها بكيان فتو/ب د ي أو دوافعها، وبينما يقبل بأن الانتماء إلى هذه المنظمة أو تقديم الدعم لها جريمة؛ فإنه يشدد على ضرورة التفريق والتمييز بين المتعاطفين مع الحركة دون أن يدركوا أنها على استعداد لممارسة العنف والمشاركة في أنشطة غير قانونية، أو الداعمين لها أو الأعضاء في الشخصيات الاعتبارية والكيانات الشرعية التي تأسست بشكل قانوني ولها صلة بالحركة.
كما يشير سكرتير عام المجلس الأوروبي إلى هذه النقطة أيضًا.
ويصرح المفوض الأوروبي بأنَّ مجرد الانتماء أو العضوية بالمؤسسات العاملة أو المنشأة قانونيًا حتى وإن كانت مرتبطة بحركة فتح الله غولن لا يكفي لإثبات المسؤولية الجنائية، ويصرح بأن الاتهام بالإرهاب لن يطبق بأثر رجعي على الأعمال التي وقعت قبل 15 يوليو، ويدعو السلطات والمسؤولين إلى التخلص من تلك المخاوف والهواجس.
ومع أن القرار الأخير الصادر عن الدائرة الجنائية السادسة عشرة من محكمة النقض (المحكمة العليا) لم يأتِ بشرح لطبيعة الأفعال التي لن تشكل جريمة من ناحية القصد الجنائي قبل تاريخ معين، إلا أنه بمثابة بارقة الأمل بحدوث تطور في هذا الموضوع.
وقد ورد في القرار: "أنَّ الإجراءات والتصرفات مثل: شعور الشخص بالتعاطف تجاه المنظمة أو تبنيه أهدافها وقيمها وأيديولوجيتها، أو قراءته الكتب المتعلقة بالمنظمة أو امتلاكها لتلك الكتب، أو احترامه زعيمها لا يكفي لإلصاق التهمة به وإثبات التهمة الجنائية بحقه، وينبغي لإثبات الجريمة أن يتحرك الشخص قاصدًا أن يكون عضوًا ومدركًا أن المنظمة كيان تأسس بهدف تنفيذ أعمال يجرمها القانون والدستور."
بالإضافة إلى ما تقدم يشير القرار المذكور إلى ضرورة أن يوضع في الحسبان أن المنظمة الإرهابية "FETÖ/PDY" التي تبين أن هدفها النهائي هو تغيير النظام الدستوري للدولة باستخدام العنف والإكراه قد ظهرت في أول الأمر كمنظمة أخلاقية وتربوية، وأن قطاعًا عظيمًا من المجتمع ينظر إليها هكذا، وأنها ترى كل الطرق مباحة للوصول إلى الهدف، ولكنها تحرص على ألا تصبح إجرامية علانيةً إلى أن تصل إلى القوة الكافية، وهي تُصدِّر انطباعًا بأنها اكتسبت مشروعيتها من الدين على الصعيد المدني، ومن القانون على الصعيد الشعبي.
ومن الواضح مدى أهمية هذه النتيجة بالنسبة للنية والقصد الجنائي. وثابت في تاريخ التشريع التركي أنه لا يمكن اعتبار أي تنظيم تنظيمًا إرهابيًا مسلحًا إلا بصدور قرار نهائي من هيئة المحكمة. غير أنه في هذه الحالة قد تنشأ مسؤولية جنائية بشأن من لا زالوا يحافظون على علاقاتهم وصلاتهم بهذه المنظمة. 
ومع ذلك فيمكن القول بأن محاولة الانقلاب التي وقعت في 15 يوليو 2016 قد أوجدت وعيًا لدى المجتمع للحيلولة دون حدوث ظلم وإجحاف بأي شكل من الأشكال. ولذا فإن القرار الذي ستصدره محكمة النقض بشأن ضرورة ألا تُعتبر الأفعال السابقة على التاريخ المنتظر تحديده دليلًا على القصد الجنائي قرارٌ مهم وحساس.
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: