ذو الفقار دوغان
يونيو 06 2018

هل يدفع أردوغان المحكمة الدستورية إلى إلغاء الانتخابات؟

بدأ الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، زعيم حزب العدالة والتنمية الحاكم، في كلماته وخطاباته التي دأب على إلقائها في الآونة الأخيرة خلال البرامج التي يشارك فيها سواء في الميادين أو في محطات التلفزة، يبتعد بعض الشيء عن مهمته التي حرص دائمًا عليها في تحديد مضمون الأجندة السياسية للبلاد.

وكما لا حظنا مؤخرًا فإن محرم إينجه، المرشح الرئاسي عن حزب الشعب الجمهوري، الذي دأب أردوغان على استحقاره بوصفه بـ"المسكين"، بدأ مع مرور الوقت يصبح ذلك الاسم الذي يحاول أردوغان نفسه أن يسعف حاله للإجابة على مزاعمه في جزء كبير من خطاباته وكلماته.

ومن ثم نجد أن أردوغان في كلمته التي ألقاها بمناسبة التعريف بمرشحي مدينة إسطنبول عن حزب العدالة والتنمية لخوض الانتخابات البرلمانية في 24 يونيو المقبل، قد خصص ثلثي الكلمة للحديث عن محرم إينجه. 

قال الرئيس التركي أثناء قدحه في شخص إينجه في تلك الكلمة "ويا ليته شخص له قيمة أو اعتبار يجعلني أتخذه ندّاً لي"، في شكل سافر من الكبر، ومع هذا تراه هو نفس الشخص الذي يضطر للرد على كافة مزاعم وانتقادات محرم إينجه له. 

يجد أردوغان رغما عن عنجهيته نفسه مضطرًا للدفاع عن نفسه، بل واضطر ليقول في كلمته "هل تعرف (مخاطبًا محرم إينجه) أنني أتقابل مع ايلون (في إشارة إلى ايلون موسك رجل الأعمال الكندي الحاصل على الجنسية الأميركية والمولود في جنوب إفريقيا الذي استقبله أردوغان في وقت سابق العام الماضي)".

وفي معرض رده على اتهام محرم إينجه له بأنه التقى فتح الله غولن، وحصل منه على إذن لتأسيس حزب العدالة والتنمية، قال أردوغان إنه التقى بالرجل بالفعل مرتين أو ثلاثة، وإنه لم يأخذ الإذن منه، ثم يقوم بعد ذلك برفع دعوى يتهم فيها مرشح الشعب الجمهوري، وطلب تعويضًا قيمته 100 ألف ليرة تركية.

لكن أردوغان ظل صامتًا حيال كثير مما قاله محرم إينجه، إذ قال الرجل إن "أردوغان يحاول مجاراتي ليلاحق الرد على كل ما أقوله؛ لكنه لا يخوض في أي موضوع على الإطلاق، بما في ذلك موضوع شهادته الجامعية (حيث تتهمه المعارضة بتزويرها). كما أنه دائما ما يردد على مسامعنا قائلا – هم (في إشارة لقوى خارجية بحسب أردوغان) يريدون أن يعلمونا الأدب بالدولار – ومع هذا هو من طلب من الشعب قبل ذلك تغيير وصرف الدولار والذهب، كما أنه هو ذات الشخص الذي ربط المرور من فوق الجسور، والطرق، ومن المطار الثالث المزمع بإسطنبول بالدولار، بل هو من ضمن من خلال الدولار واليورو أيضًا للمقاولين عند إنشاء الطرق والمطارات والمستشفيات، عدد السيارات التي ستمر، وأعداد المسافرين والمرضى".

ولا جرم أن الحديث عن نقطة المؤهل الدراسي أثر في أردوغان بشكل كبير، لدرجة أنه في آخر خطاباته طلب من الناخبين "اختياره رئيسًا للبلاد، ومنحه شهادة دراسة في الحذاقة".

وفي إحدى التجمعات الانتخابية قام أردوغان بتشغيل مقطع فيديو للكلمة التي ألقاها محرم إينجه حينما كان مرشحًا لرئاسة حزب الشعب الجمهوري، الكلمة كانت في المؤتمر العام للحزب المذكور، وكانت موجهة ضد رئيس الحزب كمال كليجدار أوغلو، وقال أردوغان معلقًا على الفيديو موجهًا كلامه للحضور "انظروا كيف ينتقد رئيس حزبه، انظروا ماذا يقول عنه".

وعلى إثر ذلك جاء الرد من محرم إينجه بمقطع فيديو أيضًا قام بعرضه على شاشة عملاقة في تجمع انتخابي له بولاية "قرشهر"، وكان هذا الفيديو لنجم الدين أربكان، حينما كان زعيمًا لحركة "مللي غروش" أو "الرأي الوطني"، وكان هذا الرجل ينتقد أردوغان في كلامه. وأثناء عرض الفيديو علّق محرم إينجه موجهًا كلامه لأردوغان وقال له "نعم ترشحت لرئاسة حزب الشعب الجمهوري، لكن لم أقل عن رئيس حزبي إنه لص، أو خادم الصهاينة والاستعماريين، فهذا هو الكلام الذي قاله رئيسك السابق أربكان بحقك".

ولا شك أن إعلان المحكمة الدستورية اعتزامها إعادة النظر في الطلب المقدم إليها من الشعب الجمهوري بخصوص إلغاء التعديلات التي أجريت على قانون الانتخابات بموحب الاتفاق المبرم بين حزبي العدالة والتنمية، والحركة القومية، جعل من هذا الموضوع مثار جدل، ونقطة ارتكاز تعتمد عليها الخطابات التي يلقيها المرشحون للانتخابات الرئاسية في الميادين.

وفي الوقت الذي تذهب فيه وسائل الإعلام والصحف المقربة من السلطة إلى القول بأن من المحتمل أن يتم إلغاء الانتخابات المقبلة أو تأجيلها، نجد على الجانب الآخر استطلاعات الرأي، ونتائج سبر الآراء، تؤكد وتعزز الدلائل التي تشير إلى أن معدلات التصويت لصالح "تحالف الجمهور" بين العدالة والتنمية والحركة القومية، في تدنٍ مستمر. وهذا التدني تسبب في ظهور مزاعم تفيد أن النظام الحاكم طلب من المحكمة الدستورية إلغاء التعديلات الخاصة بقانون الانتخابات، بل والانتخابات ذاتها.

الكاتب عبد القادر سلفي الذي يعد أحد الكتاب المقربين من النظام الحاكم، الذي قال في إحدى مقالاته إنه إذا رفضت المحكمة الدستورية طلب الشعب الجمهوري، فإن هذا يعني أن الانتخابات البرلمانية والرئاسية ستجرى في الموعد المحدد لها، أما في حالة ما قررت المحكمة إلغاء المواد المتعلقة بقانون الانتخابات التي اعترض عليها الشعب الجمهوري، فكتب قائلا "هل تسألون أمن الممكن إلغاء الانتخابات المقبلة؟ كل من سألتهم بهذا الخصوص قالوا لا لن يتم إلغاؤها، لكن نحن هنا في تركيا، وهناك فائدة في متابعة الأمر بشكل جيد".

ويزعم محرم إينجه أن أردوغان، وحزب العدالة والتنمية لما أحسّا في الميادين أنهما سيخسران الانتخابات بدأا يطلبان من المحكمة الدستورية إلغاء قانون الانتخابات المعدل،بل وانتخابات 24 يونيو. وذكر إينجه أن أردوغان هو من عدل وغير قانون وقواعد الانتخابات، وهو من حدد الموعد الجديد لتلك الانتخابات وقدمها من سبتمبر 2019 إلى يونيو 2018، وقال موجهًا كلامه للرئيس التركي متسائلًا "ما دام الأمر هكذا، فلماذا تبحث عن طريق للهرب من الميدان؟".

وفي سياق متصل نجد أن رئيس اللجنة الدستورية بالبرلمان التركي، النائب عن حزب العدالة والتنمية، مصطفى شن طوب، قال إنه في حال ما إذا قبلت المحكمة الدستورية اعتراض حزب الشعب الجمهوري على مواد قانون الانتخابات المعدلة، فإن الانتخابات المقبلة لن تتأثر من ذلك، وإنها ستجرى في موعهدها المحدد يوم 24 يونيو.

تجدر الإشارة أن حزب الشعب الجمهوري الذي يتزعم المعارضة التركية، كان قد رفع في وقت سابق دعوى أمام المحكمة الدستورية، طالب فيها بإلغاء ووقف العمل ببعض المواد التي شملتها التعديلات الدستورية التي أجريت على قانون الانتخابات، والتي ألغت شرط حاجز العتبة الانتخابية بالنسبة للأحزاب التي تشكل تحالفًا ما، والتعديلات التي طلب الحزب إلغاءها كالتالي:

أولاً، التعديل المتعلق بـ"إعداد القوائم الانتخابية بشكل مختلط، ودمج المناطق الانتخابية، ونقل الصناديق الانتخابية من مكان ما إلى أقرب منطقة انتخابية، ودمج مناطق الصناديق، وذلك بناء على طلب من الوالي أو رئيس اللجنة الانتخابية بالولاية، حال وجود ضرورة أمنية لذلك، على أن يكون الطلب في هذا الصدد قبل موعد إجراء الانتخابات بشهر على أقل تقدير". (وبعد سلسلة من الطلبات في هذا الشأن، قررت اللجنة العليا للانتخابات في البلاد نقل صناديق انتخابية يقدر عدد المصوتين فيها بـ144 ألف ناخب، موزعين على 19 ولاية. وقد اعترض حزب الشعوب الديمقراطي على هذا الإجراء بدعوى أنه استهدف المناطق التي يكون فيها التصويت بأغلبية لصالح الحزب، لكن اللجنة العليا للانتخابات رفضت اعتراضه". 

ثانيًا، التعديل المتعلق بـ"طريق وإجراء تحديد رئيس لجنة الصندوق الانتخابي" (ووفق التعديل الذي أجري فإن رئيس لجنة الصندوق يتم اختياره من بين موظفي الدولة في المحافظة أو البلدة التي ستكون فيها اللجنة الانتخابية، على أن يكون الاختيار من قبل القاضي الذي يترأس اللجنة الانتخابية).

ثالثًا، التعديل المتعلق بـ"إمكانية تسجيل الناخبين المقيمين في ذات البناية، في مناطق صناديق انتخابية مختلفة شريطة أن يكونوا مقيمين في نفس المنطقة الانتخابية".

رابعًا، التعديل المتعلق بـ"وضع أوراق الاقتراع الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية، والنواب في نفس المظروف".

خامساً، التعديل المتعلق بـ"حق الناخبين في استدعاء الشرطة أو قوات الدرك للوقوف على رأس الصندوق الانتخابي، وهو تعديل ألحق بالمادة التي تتضمن تعديل الإجراءات المتعلقة بالصناديق الانتخابية، فيحق للمواطن العادي أن يبلغ الشرطة والدرك بذلك دون إذن من رئيس لجنة الصندوق، والموظفين الموجودين في اللجنة". 

سادساً، التعديل المتعلق بـ"بالاعتداد بالمظاريف التي يوجد عليها ختم لجنة الانتخابات بالبلدة، والعلامة المائية للجنة العليا للانتخابت رغم عدم وجود ختم لجنة الصندوق، وكذلك الاعتداد بالمظاريف التي عليها وصمة أو حكة ولم يتضح بشكل قاطع السر وراء وضع هذه العلامات، أهي لتكون علامة خاصة لشيء ما أم لا". (تجدر الإشارة أنه الاستفتاء الدستوري الذي شهدته البلاد في 16 أبريل عام 2016، قررت اللجنة العليا للانتخابات الاعتداد بالمظاريف وأوراق التصويت غير المختومة، ولا زالت حالة الجدل دائرة بخصوص ارتكاب تجاوزات في ذلك الاستفتاء بسبب قرار تلك الجنة. وبهذا التعديل سيتم الاعتداد بالأصوات والمظاريف غير المختومة. ولا شك أن قيام اللجنة العليا للانتخابات بطبع 355 مليون استمارة تصويت مقارنة بـ59 مليون ناخب هو العدد الإجمالي للناخبين، أمر يعزز من الآن مزاعم النية المبيتة لارتكاب تزوير في الانتخابات المقبلة).

وفي تقييم لموقع "أحوال تركية" حول هذه التطورات، قال البروفيسور، نجدت باسا، كبير مستشاري رئيس نقابة المحاميين الأتراك، "في حالة قبول المحكمة الدستورية الطلب الخاص بحزب الشعب الجمهوري بشأن إلغاء المواد التي عليها جدل من قانون الانتخابات المعدل، فإن الانتخابات المقبلة لن يتم إلغاؤها".

وأضاف باسا في ذات السياق قائلا "الدعوى المقدمة من الشعب الجمهوري لم تتضمن طلبًا بخصوص إلغاء تعديلات مثل إعفاء الأحزاب المشاركة في تحالف من شرط تجاوز العتبة الانتخابية. فالتعديلات المطلوب إلغاؤها في الدعوى المذكورة، تلك المتعلقة بشكل الانتخابات، وليس بجوهر الناخب. أي المتعلقة بعدة نقاط مثل الصناديق الانتخابية، وأوراق التصويت، والمظاريف، وعملية دمج الصناديق،وأمن الانتخابات، وخلافه. وبالتالي فإن المحكمة الدستورية إذا قررت إلغاء تلك المواد، وإخراجها من حيز التنفيذ، سيتم تطبيق المواد القديمة، وبالتالي سيتم إجراء الانتخابات في موعدها المقرر في 24 يونيو بشكل يتواءم مع مواد قانون الانتخابات السابقة التي كان معمولًا بها قبل التعديلات الأخيرة". 

البروفيسور باسا شدد في السياق ذاته على أن المحكمة الدستورية إذا قررت استخدام سلطة "المراجعة المنفردة" لقانون الانتخابات بأكمله، فإن الوضع من الممكن أن يتغير. واستطرد قائلا:

"ففي العام 2008 سبق وأن فعلت المحكمة الدستورية ذلك، وثمة قرار سابق اتخذته آنذاك يمكنها أن تقيس عليها في الحالة الراهنة. هذا القرار كانت له علاقة بالتعديل الدستوري الذي ألغى الحظر الذي كان مفروضًا على ارتداء الحجاب بالجامعات، ولما استخدمت المحكمة سلطتها الخاصة منفردة، أصدرت قرارًا بإلغاء ذلك الحظر. وكأن المحكمة الدستورية بالسلطة المنفردة هنا تقول (أنا معنية ومخولة بتحري مدى توائم كافة مواد قانون الانتخاب – حتى تلك التي لم يتضمنها طلب حزب الشعب الجمهوري – مع روح الدستور وجوهره).

وإذا كان النظام الحاكم يريد إلغاء الانتخابات المقبلة، فهناك مزاعم تقول بإنه يقوم بإملاء المحكمة الدستورية بشكل غير مباشر لتصدر قرارًا في هذا الاتجاه. وبالتالي فإن الجمعية العامة للمحكمة ستعطي لنفسها حق استخدام السلطة منفردة لمراجعة كافة التعديلات التي أجريت على قانون الانتخابات، ولن تتقيد فقط بتلك التي ذكرها حزب الشعب الجمهوري في طلبه المقدم لها، وربما تشمل مراجعتها أيضًا موضوع تكوين تحالفات انتخابية. فكما تعلمون أن عدم سريان شرط تجاوز العتبة الانتخابية لدخول البرلمان، بالنسبة للأحزاب التي تشكل تحالفًا ما، فيه غبن وظلم كبير للأحزاب التي لم تدخل في تحالفات مع أحد، وهذا قد تعتبره المحكمة المذكورة تعارضًا مع مبدأ المساواة الذي ينص عليه الدستور.

وبهذا الشكل إذا قررت المحكمة الدستورية مراجعة كافة مواد القانون، وإلغاءه، سيترتب على ذلك إلغاء الانتخابات. وبالتالي ستدخل المواد القديمة تلقائيًا حيز التنفيذ، وستجرى الانتخابات في 3 نوفمبر 2019، وفق القانون القديم. لكن بحسب قناعاتي هذا احتمال ضعيف. غير أن أردوغان إذا كان يعتقد بأن الانتخابات المقررة في 24 يونيو تمثل خطرًا على حكمه هو وحزب العدالة والتنمية، فبالتأكيد سيدفع المحكمة إلى اتخاذ قرار بإلغاء تلك الانتخابات المبكرة.

تجدر الإشارة إلى أن زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهجلي كان قد شن في العام 2002، حملة لإجراء انتخابات برلمانية مبكرة، لتجرى الانتخابات المبكرة بالفعل، وتتم الإطاحة بالائتلاف الذي كان يحكم البلاد آنذاك بالكامل بما فيه حزب الحركة القومية، ويصبح خارج البرلمان. والآن أردوغان، وحزب العدالة والتنمية يحكمان البلاد منذ 16 عامًا. ومن الممكن أن يطلبا من المحكمة الدستورية فعل كل ما يصب في مصلحتهم.

يمكن لأردوغان أن يطلب ذلك من المحكمة الدستورية، لأن هيكل أعضائها يسمح بذلك، فمعظم أعضائها عينهم الرئيس التركي. لذلك فإن هناك شكوكاً وجدلاً كبيرين يدوران حول قرارات المحاكم العليا في تركيا بما فيها المحكمة الدستورية. لكن لأؤكد هنا أنني أرى هذا الأمر احتمالًا ضعيفًا. فالمحكمة الدستورية من الممكن أن ترفض طلب الشعب الجمهوري برمته من البداية. ويمكنها أن تلغي المواد التي تضمنها الطلب. وفي الحالتين لن يكون هناك عائق يمنع إجراء الانتخابات المقبلة في 24 يونيو".

والآن ونحن على بعد 18 يوما من الانتخابات المزمع إجراؤها في 24 يونيو، فإنّ كل العيون مسلّطة على القرار الذي ستتخذه المحكمة الدستورية بشأن طلب حزب الشعب الجمهوري.


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/erken-secim/erdoganin-ince-ayari-bozuldu-aym-ittifak-yasasini-resen-inceler-mi &nbsp
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.