Ergun Babahan
يونيو 01 2018

هل يرحل الديكتاتور بالانتخابات؟

وسائل الإعلام في قبضة رجل واحد، والقضاء كذلك أيضًا، ومثلهما جميع المؤسسات الأمنية التابعة للدولة..
إنه الحاكم المطلق على دنيا الأعمال. والمنظمات ومجموعات رأس المال الكبيرة التي كانت مؤثرة في كل من إدارة الدولة وإدارة الاقتصاد حتى وقت قريب أصبحت كلها معطلة تمامًا.
هناك ضغط لا يصدق تتم ممارسته على الأكراد. والرؤساء المشاركون والنواب ورؤساء البلديات وقادة الأحزاب وشبابهم ورجالهم ونساؤهم قيد الاعتقال. إنهم يحاكمون بمطالبات بالسجن لمئات السنين.
المرشحون الرئاسيون أيضًا في السجون. إنهم يديرون حملاتهم الانتخابية من السجون..
لا يسمح لهم بالاتصال عبر البث التلفزيوني عن طريق الهواتف الثابتة المدفوعة مقدمًا.
كما يتم التصنت على مكالمات المعارضة، ومراقبتهم واحدًا واحدًا، وتُقتحم اجتماعاتهم، فيُطعن بعضهم، ويُنقل بعضهم إلى المستشفيات. إنهم لا يستطيعون مواصلة فعالياتهم وأنشطتهم إلا عبر التجمعات المفتوحة ووسائل التواصل الاجتماعي..
يتم نقل الصناديق، ودمجها مع بعضها البعض. والأهم من ذلك هناك قانون حالة الطوارئ قيد التنفيذ. تتجه البلاد إلى إجراء الانتخابات في ظل ظروف قانون الطوارئ. وكما تعلمون هناك ظروف الفاشية تتوارى تحت مشهد التعددية في الأصوات...
كانت هناك لوحة مشابهة لهذا في 12 سبتمبر، ولكن حكومة 12 سبتمبر كانت تستعد لتنصيب حراسها في منصب رئاسة الجمهورية، ثم الرحيل.
وكانت عملية تنصيب كنعان أفرين رئيسًا للجمهورية وإجلاسه على كرسي الرئاسة، وقد تم تزويده بصلاحيات واسعة، يُنظر إليها وكأنها حلت مشكلة بقاء الدولة.
لقد استمر الوضع هكذا حوالي 30 سنة..
بعد ذلك تفاقمت القضية الكردية على نحو أكثر ..
وجاءت انتخابات 7 يونيو لتعلن انتهاء النظام الذي أسسه كنعان أفرين.
أصبحت نسبة الـ 10 في المئة غير كافية لإبعاد الأكراد من المجلس وعن الحكومة. لقد دخلوا البرلمان بـ 80 نائبًا.
تكون "معسكر سلام" كبير الحجم بحيث يستحيل تجاهله.
ودقت الدولة ناقوس الخطر. وتدخل في الأمر الفريق المؤثر المعروف حينها وعلى رأسه دنيز بيقال؛ فأُلغيت إلغاء الانتخابات أولًا، ثم تم إجراء انتخابات 1 نوفمبر في جو حربي.
وبعد هذه الانتخابات تدخل في الأمر دولت بهجلي نسخة دنيز بيقال في حزب الحركة القومية، وطرح فكرة النظام الرئاسي. وتم الانتقال إلى هذا النظام عبر استفتاء مشبوه وشراكة خجولة من حزب الشعب الجمهوري.
وكي يحقق أردوغان هذا التغيير تحول عن طريق الاتحاد الأوروبي إلى طريق "منظمة أرغنكون". وبدلًا من حلف الناتو وأميركا حول المقود إلى محور روسيا-إيران- الصين الذي تحدث وأعلن عنه تونجر كيلينج.
ولقد كان لعملية الفساد التي اكتشفت في 17-25 ديسمبر دور كبير في الوصول إلى هذه النقطة. لقد اقتنع أردوغان بأنه تعرض لمحاولة للإطاحة به من قبل الجماعة التي تعتبر أقوى أداة في يد الإدارة الأميركية، وغير حلفاءه:
لقد اختار منظمة أرغنكون..
لم يصل إلى هذه النقطة التي وصلها اليوم بأعمال وممارسات يمكن أن تفوز بجائزة نوبل للسلام.
لقد وصل إلى هذه النقطة مرورًا بمرحلة بدأت بادعاءات حول وقوع أعمال فساد، وامتدت حتى أعمال هدم وتدمير ومذابح في المناطق الكردية ومحاولة الانقلاب في 15 يوليو، كما شملت أحداث متنزه غيزي.
أجل، لم يُحاسب في هذه البلاد أي زعيم أو شخصية سياسية على الإطلاق حكمت فيها، وقامت بحماية "كل من أطلق الرصاص باسم الدولة"، وأَثْرَتْ نفسها وعائلتها في عمليات فساد بينما كانت تقوم بهذا. وتاريخ تركيا مليء بأمثلة كثيرة على هذا.
ولا سيما تاريخها الحديث..
وبعبارة أخرى فإنه حتى وإن خسر أردوغان السلطة فليس في هذه البلاد كيان ولا تقاليد قانونية، ولا عقل دولة يسأل أردوغان ويحاسبه على أفعاله. ومن يزعم خلاف ذلك فليس واقعيًا.
إن قادة التاريخ الحديث الذين غرقوا في الجريمة والفساد حتى بلغتا منهم الحلقوم يُعاملون في تركيا الآن معاملة السياسيين المحترمين المعتبرين..
ولكنه حتى وإن خسر أردوغان السلطة فليس هناك أي خطر عليه من وجهة نظره شخصيًا. فبالنظر إلى النتيجة يوجد في ملفه جرائم ارتكبت باسم الدولة، مما يجعله يحظى بالحصانة.
ولكنه وبالرغم من ذلك لا يمكن أن يخسر أردوغان السلطة.
لقد أصبح رقمًا موجودًا مع السلطة ملازمًا لها.
علاوة على أنه متمسك ومفتون بها.
هذا في جانب، بينما البحث عن المشروعية والاحترام في جانب آخر. إن العجز عن تحمل ولو أبسط قدر من النقد، والحديث عن الذات وكأنه عن شخص ثالث مؤشر واضح على البحث عن العظمة والاحترام والاعتبار. إن البلاد تتجه إلى الانتخابات لأن هناك رغبة في أن يعتبر رئيسًا مشروعًا.
وتشير استطلاعات الرأي بصعوبة فوزه حتى بانتخابات تجرى في ظل ظروف قانون حالة الطوارئ.
المشهد واضح: يبدو أن أردوغان دخل انتخابات لا تتوفر فيها إمكانية الفوز بها بشكل مشروع حتى في ظل قانون حالة الطوارئ. غير أن كل استعداد أجراه، وكل خطوة خطاها إنما من أجل حمياته سلطته ونفوذه. العالم مليء بزعماء سرقوا الانتخابات، وهؤلاء لا يخلقون أية مشكلات طالما أن لديهم علاقات اقتصادية قوية مع الغرب.
المشكلة تكمن في التوتر الموجود داخل الدولة. إذا ما فاز أردوغان بأية طريقة فمن المؤكد أن تركيا ستدخل في أكبر أزمة اقتصادية في تاريخها. من الوارد أن تقع تركيا في مواجهة مباشرة مع أزمة عاصفة من شأنها أن تهدد كيانها الموحد. ستتعرض بنوكها وشركاتها للخطر، حتى إنه سيكون من المحتمل ألا يتسنى دفع معاشات المتقاعدين.
هل ستدخل تركيا أزمة كهذه بإدارة غير مشروعة وغير عقلانية، لقد تم التوصل إلى نقطة الاعتراف بالحقوق الأساسية للأكراد حتى وإن لم يكن لهم نفس الحقوق، هل ستواصل ذلك مع عقل مستعد للجلوس على الطاولة، سوف نشاهد هذا.
لقد شاهدنا جميعًا الأضرار التي ألحقتها بالاقتصاد وأسعار صرف العملات الأجنبية تصريحات النهج غير العقلاني التي صدرت في لندن. إن تركيا التي تعاني في قبضة إدارة أردوغان مكان غير مأمون بالنسبة لصناع الأسواق، وهي بلد سوف تستخدم بشكل صارخ من أجل أغراض المضاربة.
هذه الإدارة غير العقلانية ستقود البلاد إلى مصيبة؛ وستضع الكيان الموحد الذي سعت إلى الحفاظ عليه في مهب الخطر. الأمر واضح تمامًا إلى هذا الحد.
لهذا السبب فإننا نشاهد نزاعًا بين جناحين في الدولة؛ ومحاولة لجر تركيا إلى أحد طرف طرفين قطبين مختلفين في تركيا، كما هو الحال منذ أكثر من 200 عام من تاريخها، وذلك يجري تحت مسمى الانتخابات.
أجل، إن أمثلة القذافي وصدام حسين وبشار الأسد تظهر أن الديكتاتور لا يرحل من خلال الانتخابات. غير أنه ينبغي ألا يُنسى أن هذه هي تركيا. 
حيث إنها منطقة جغرافية يمكن حدوث كل شيء فيها، وحيث أن نظام وتقليد الدولة لا يزال قويًا.
إن المعارضة كلها قوية وموثوقة وتتمتع بالمصداقية لدى الدولة رغمًا عن أردوغان، وذلك باستثناء حزب الشعوب الديمقراطي. إن القدرة على إصلاح تبديل اللاعبين ربما يمنح الفرصة لإعادة ترميم مؤسسات الدولة المنهارة.
أجل، إن لأردوغان ميليشياته وشرطته ومجموعاته، ولكن لا تنسوا أنه لا أحد لديه قوة الدولة وسلطتها.
وخلاصة القول إن الأمر لن ينتهي في صناديق الاقتراع فحسب..

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: