علي عبادي
أبريل 17 2019

هل يعبّر مسلسل "الحفرة" عن الواقع التركي

إذا لم تكن مهتما بالمسلسلات التلفزيونية التركية على وجه الخصوص، فمن المحتمل أنك لم تشاهد مسلسل "الحُفرة"، لكن ربما سمعت عنه، فهو من أشهر المسلسلات في هذه الأيام. والواقع أن أحداث هذا المسلسل تشبه تركيا من نواح كثيرة، ولن نبالغ إذا قلنا إن "الحفرة" يعبر عن نمط الحياة في الشارع التركي.

غير أن مسلسل "الحفرة" ليس بقصة جديدة تماما، إذ ينطوي على استلهام واضح من "الأب الروحي" و"ناركوس" و"صفر- واحد: حدث ذات يوم في أضنة" و"وادي الذئاب".

هذا المقال يحتوي على بعض التفاصيل التي تكشف حبكة المسلسل – فاحذر عزيزي القارئ!

في ملخص قصير لأولئك الذين لم يشاهدوا المسلسل، تقع أحداث "الحفرة" في شارع اشترى فيه رجل عصابات كبير في السن يدعى إدريس كوشوفالي كل المنازل الكائنة في الحي تقريبا. وبمرور الوقت، يبدأ الجميع في إطلاق اسم "الحفرة" على حي كوشوفالي نظرا للصعوبة الشديدة في دخوله والخروج منه. ويُقال إن هذا الحي الواقع في وسط إسطنبول تقدر قيمته بمليار ليرة (200 مليون دولار). الجميع في الشارع يسمون إدريس "الأب". وعلى الرغم من أن إدريس يعمل في بازار الحي في الظاهر، إلا أنه يزاول وهو وأبناؤه في الواقع جميع الأعمال الأخرى في الحي مثل القوادة والنشل وإمداد الحانات بالحراس. ومع ذلك، يحظر بيع المخدرات واستخدامها حظرا باتا.

صورة

من الشعارات التي يرفعها مسلسل "الحفرة" هو أن "العائلة ستحميك عند الحاجة، وستحمي أنت العائلة أيضا". في الحلقة الأولى، يأتي أحد تجار ومصنعي المخدرات يدعى فارتولو سعد الدين إلى الحي كي يعرض إنشاء معمل للمخدرات. وحين يرفض إدريس العرض، يُقتل كهرمان الابن الأكبر للعائلة، ومن هنا تبدأ أحداث القصة. ياماش هو أصغر أبناء كوشوفالي، لكنه غادر المنزل قبل سنوات، ويلتقي مع والدته في باريس يوم زفافه وتقنعه بالعودة ليصبح رب الأسرة.

وبعد سلسلة من التطورات المفاجئة في القصة، يتبين أن فارتولو هو في الواقع ابن إدريس من علاقة قديمة. وعلى الرغم من من إطلاقه النار في الشارع من بندقيات آلية وقتله أخيه غير الشقيق، يبدأ فارتولو في التحول إلى واحد من الأشخاص الصالحين. وفي بداية الموسم الثاني، يبدو وكأن كل شيء سيصبح على ما يرام، لكن ثمة هجوم يجري التدبير لشنه على الحي وعائلة كوشوفالي.

في الموسم الثاني، يتبين أن الأشخاص الذين يستعدون للهجوم هم فريق مشكل من عصابة من أطفال الشوارع عُرفوا على مر السنين باسم "الخراف السود". وعلى الرغم من ذلك، لم يتضح من ذا الذي يخطط للهجوم أو من يقف وراءه.
تتشتت الأسرة بأكملها، وعلى الرغم من مقتل بعض أفرادها تعيد لم شملها من جديد لتستعيد حيها. ولأن العدو الغامض لحي "الحفرة" وعائلة كوشوفالي لن يهدأ بالطبع، فما من شيء يسير على ما يرام.

تبلغ مدة كل حلقة من حلقات مسلسل "الحفرة" 90 دقيقة تقريبا، ويتابعه الكثير من الناس باهتمام شديد. ويقول كاتب السيناريو غوكهان هورزوم إن هناك أحياء سيئة السمعة مثل هذا الحي في جميع أنحاء العالم، ولكن يُطلق عليها أسماء أخرى غير "الحفرة". وقد بدأ المزيد والمزيد من الناس يضعون وشم "الحفرة" الذي يحمله الجميع في المسلسل.

لكن في الحقيقة، تشبه أحداث "الحفرة" الواقع في تركيا اليوم من نواحٍ كثيرة. فعلى الرغم من مقتل مئات الأشخاص في وضح النهار، لا تظهر الشرطة أبدا. ومنذ فترة طويلة والعصابات شبه العسكرية تصول وتجول في شوارع الحي، لكن الشرطة لا تحضر أبدا حتى حين يؤخذ الناس من بيوتهم. ثمة مشاهد قليلة تظهر فيها الشرطة في الحلقة الأولى، لكن ذلك لا يتكرر كثيرا. وفي الموسم الثاني، يجري إرسال ضابط يُدعى إمرة لحراسة الحي، لكنه يبدأ في تلقي أوامر من الأشرار بعد مرور وقت قصير.

في تركيا اليوم، هناك الكثير من الحوادث التي لا وجود فيها للشرطة. على سبيل المثال، تم اغتيال إلهان أونغان في واحد من أكثر شوارع إسطنبول ازدحاما. كان أونغان ملاحقا لتدبيره قتل ابنة بارون المخدرات الإيراني ناجي شريفي زينداشتي. ومع ذلك، دائما ما تجد الشرطة حاضرة حين يتورط شخص قريب من الحكومة في ارتكاب مخالفة أو عند اعتقال صحفي.

لم تجر العادة على أن يكون ظهور الشرطة نادرا إلى هذا الحد في المسلسلات التركية. ففي الواقع، تظهر الشرطة وهي تقوم بعملها وتزج بكثير من الناس في السجن في مسلسل "صفر- واحد: حدث ذات يوم في أضنة" الذي يُبث عبر الإنترنت أيضا ويشبه "الحفرة" في نواح كثيرة. بل إن أحداث موسم كامل تقريبا وقعت في أحد السجون. ولكن على الرغم من أن مسلسل "الحفرة" يشبه كثيرا "صفر- واحد: حدث ذات يوم في أضنة" أو غيره من مسلسلات المافيا القديمة، إلا أن الشرطة لم يكن لها حضور في المسلسل. ولا يبدو ذلك غريبا على الإطلاق لمن يعيشون في تركيا اليوم.

ولعل النساء اللائي يتعرضن للاعتداء في تركيا يضربن مثالا آخر على ذلك. فهن يطلبن من الشرطة المساعدة، لكن لا أحد يقدم لهن يد العون ومن ثم يلجأن بشكل متزايد إلى عرض قضاياهن على وسائل التواصل الاجتماعي. هؤلاء النسوة يبلغن الشرطة عن جرائم الاعتداء، ولكن ليس لديهن يقين من أن الشرطة ستفعل أي شيء حيال ذلك.

وكما هو الحال في تركيا، تظل النساء بصفة عامة في مسلسل "الحفرة" في الخلفية. كانت سلطان زوجة إدريس تؤمن إيمانا شديدا بمقولة "نحن نتحمل آلامنا ونحبسها بداخلنا" وظلت تتبع هذا النهج على أكمل وجه لسنوات كثيرة لدرجة أنها لا تنطق بكلمة مهما حدث لها. صحيح أن زوجها لا يسيء معاملتها، لكنها لا تخبر أحدا عن أي شيء آخر يحدث لها. إنها نوع مختلف من النساء في تركيا اللائي واجهن كل أشكال العنف ولكن يحبسن آلامهن بداخلهن.

هناك اليوم نحو 700 رضيع يعيشون مع أمهاتهم في السجن. وعلى الرغم من عشرات الحملات التي تُجرى على مستوى البلاد بخصوص هذه القضية، لم يتم في الواقع اتخاذ أي إجراءات. وتنطوي أحداث مسلسل "الحفرة" على نسخة مصغرة من ذلك، حيث تُختطف فيه امرأة حبلى وتحتجز لأشهر، وخلال هذه الفترة تضع مولودها. ولكن على عكس ما يدور في الواقع، وجدت المرأة من ينقذها هي ورضيعها في المسلسل.

في الحلقات الأخيرة من مسلسل "الحفرة"، ثمة ما يوضح الوضع في تركيا جيدا. فهناك امرأة تُؤخذ من بيتها بالقوة وتُجبر على التحدث إلى شخص ما. وبعدها، حين تقول المرأة "في الأيام الخوالي، كانت هناك بعض القواعد غير المكتوبة، ولا يمكن المساس بالنساء والأطفال"، فجاءها الرد يقول "كان ذلك في الأيام الخوالي". مختصر القول إنّه في البلد الذي يُسمح فيه للناس بإيذاء غيرهم، تجد أنه حتى المسلسلات التلفزيونية تسير على نفس المنوال.

مع نهاية هذا الموسم من مسلسل "الحفرة"، من المتوقع حدوث المزيد من الفوضى. لم يتضح من سيغادر ومن سيبقى. بيد أن أفراد عائلة كوشوفالي سيواصلون الدفاع عن حيهم وسيعرضون لأعدائهم مفهومهم للأخلاق من وجهة نظرهم. وبعد مواسم قليلة، سينتهي المسلسل. أما عن مدى ضخامة الحفرة في تركيا، فلا أحد يعرف ما الذي سيحدث في الصيف.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.