هل يلتزم أردوغان بوعده إذا قالت تركيا "كفى"؟

مع تصاعد حدة الحملات الانتخابية في تركيا قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقرر إجراؤها في 24 يونيو، أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي حكم تركيا على مدار 15 عاما الماضية، أنه سيتنحى إذا قالت الأمة يوما كفى (تمام بالتركية)، ليسارع بعدها مئات الآلاف من الأتراك إلى وسائل التواصل الاجتماعي لمطالبة أردوغان بالرحيل من خلال كلمة تحولت في غضون ساعات إلى حملة سياسية تحت شعار "تمام" أو "كفى".

وبمجرد أن ألمح الرئيس التركي إلى إمكانية رحيله من خلال فعل شعبي ما، شعر الكثيرون في تركيا ببصيص من الأمل في أن أردوغان، الذي أصبح مستبدا على مرأى ومسمع من الجميع في السنوات الأخيرة، قد يفكر حقا في التنحي يوما ما. لكن دعونا نتساءل هل من الممكن حقا أن يلتزم أردوغان بكلمته؟

تقول مبادئ العلوم السياسية إن الانتقال إلى الديمقراطية يعتبر غير مكتمل ما لم تتغير الحكومة على الأقل مرة واحدة كنتيجة لانتخابات حرة ونزيهة. لكن في تركيا انقلبت الآية، إذ أنها تسير منذ سنوات عكس اتجاه الديمقراطية في الطريق إلى الاستبداد. ولذلك دعونا نقول إن كيفية تصرف أردوغان إذا ما فازت المعارضة ستوضح ما إذا كان انتقال تركيا "بعيدا عن" الديمقراطية قد اكتمل.

فلنستعرض الحقائق التي لدينا. أردوغان الذي يواجه مجموعة من مرشحي المعارضة يتقدم استطلاعات الرأي حاليا، لكن مستوى شعبيته لا يزال دون نسبة 50 في المئة زائد واحد التي يحتاجها لحسم الفوز في الجولة الأولى من التصويت، وتجنب خوض انتخابات الإعادة بعد أسبوعين من 24 يونيو.

وأنا لست بالسذاجة لأن أتصور أن حملة على موقع تويتر ستتحول في نهاية المطاف إلى أصوات لصالح المعارضة، لكنني أؤمن أيضا أن حملة "تمام" لا يمكن اعتبارها عديمة الأهمية أو منفصلة عن التطورات التي تحدث حاليا في تركيا.

فأولا، شكلت هذه الحملة نموذجا ممتازا لكيفية قيام المعارضة بأخذ زمام المبادرة ووضع حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه أردوغان في موقف الدفاع.

ثانيا، في بلد قد تؤدي فيها التغريدات إلى الملاحقة القضائية والاعتقال، كانت المجاهرة بالمعارضة بهذا الحجم أمرا له أهميته، فمعرفة أن هناك آخرين يتشاركون نفس الشعور قد تلعب دورا هاما في بناء الزخم للحركة الاحتجاجية والتغيير.

لكن دعونا نعود إلى ما قاله أردوغان.

"ألا ينبغي للمعارضة، التي كانت تنتظر لمدة 16 عاما حتى تصل إلى السلطة، أن تمتلك طموحات أكبر ومشروعات أكثر بكثير؟ لكنهم لا يملكون ذلك. كل ما لديهم هو هدف واحد فقط، وهو إسقاط (تحطيم) رجب طيب أردوغان. كانت أمتنا هي من جلبتنا إلى رئاسة بلدية إسطنبول، ورئاسة حزب العدالة والتنمية، ورئاسة الوزراء، ثم الرئاسة. إذا قالت الأمة يوما "كفى" (تمام بالتركية) عندها سأتنحى جانبا. لكن جنبا إلى جنب مع أمتنا، في كل مرة، وقفنا ضد هؤلاء الذين حاولوا إسقاطنا بشكل غير عادل وغير قانوني، بدءا من مؤيدي نظام الوصاية ونهاية إلى الانقلابيين. وإن شاء الله، أعتقد أننا سنقدم مرة أخرى لهذا الفريق من الهدامين الدرس الذي يستحقونه مع أمتنا في 24 يونيو."

وعندما يشير أردوغان إلى الأمة، فإنه يعني أولئك الذين صوتوا له، أو بعبارة أخرى أنصاره فقط. فأردوغان لطالما نظر إلى مؤيديه باعتبارهم "الأمة"، ومثلت حملة "تمام" محاولة للوقوف في وجه استبعاد أردوغان لمعارضيه من هذه "الأمة."
وكنت قد أشرت في مقال سابق لـ"أحوال تركية" إلى اللغة الاستقطابية التي يستخدمها أردوغان وتمجيده لمؤيديه باعتبارهم الأمة، وتشويهه لكل أطياف المعارضة باعتبارهم خونة أو متواطئين أو إرهابيين. ولم يهتم أردوغان كثيرا بتغيير هذا النمط في خطابه الأخير أمام البرلمان، إذ أشار إلى المعارضة بوصفهم "فريق الهدامين" الذي يتمثل هدفه الوحيد في إسقاطه، بينما عمد إلى زرع مشاعر الخوف والقلق في قلوب أنصاره وربط مصيرهم بمصيره حتى لا يقولوا له أبدا "تمام".

وفي حديثه الموجه فقط لأمة مؤيديه، لا يهم أردوغان ما إذا كان الملايين الذين يعارضونه، مثل 49 في المئة ممن صوتوا ضد حصوله على السلطات الرئاسية الجديدة في استفتاء أبريل 2017، يقولون "تمام" له. وحتى إذا قال إنه سيتنحى إذا قالت الأمة "تمام"، نعلم تماما أن ذلك غير قابل للحدوث لأنه حتى إن قلت أنت "تمام" فأنت لست جزءا من الأمة.

كما أن ظروف الحملة الانتخابية المفضية إلى الانتخابات بعيدة كل البعد عن تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، ولن يتردد أردوغان في استغلال أي فرصة تتيحها له سيطرته الكاملة على مفاصل الدولة للحصول على النتيجة التي يريدها.
ولكن، ماذا لو حقق مرشح المعارضة نصرا ساحقا لا يملك أردوغان أمامه فعل شيء للطعن فيه؟ فذلك ليس مستحيلا على كل حال، في ظل معاناة الكثير من الأتراك بمختلف توجهاتهم السياسية من تدهور الأوضاع، لا سيما بسبب تدهور الاقتصاد. كما تقوم منظمات المجتمع المدني بتنظيم دورات تدريبية للمواطنين حتى يصبحوا مؤهلين لأن يكونوا مراقبين في الانتخابات. فيما اختارت أحزاب المعارضة مرشحيها بناء على قدرتهم على التواصل مع أنصارهم وحشدهم.

والأهم من ذلك أن كلا من الأحزاب والمواطنين ينتهجان – بشكل نادر – استراتيجيات محددة قبل الانتخابات.

ومن المعروف أن المؤسسات الانتخابية هي صاحبة التأثير الأكبر على الكيفية التي تتطور بها النظم الحزبية في أي دولة. فليس من قبيل المصادفة أن المنافسة الانتخابية في الولايات المتحدة، التي تتبع النظام الانتخابي القائم على الأغلبية، تقتصر على حزبين رئيسين، ويواجه المرشحون من خارج هذين الحزبين صعوبة بالغة في الفوز في أي انتخابات. أما تركيا فتصوّت لأول مرة لرئيس يتمتع بسلطات تنفيذية مطلقة فيما لا تزال الأحزاب تحاول التكيف مع نظام انتخابي جديد.

وفي هذا الإطار، انضمت الأحزاب السياسية في تركيا إلى تحالفين. كما يعمل ناخبو المعارضة على تبادل المعلومات والخبرات فيما بينهم بشأن أفضل الاستراتيجيات الممكنة للفوز في مواجهة أردوغان. وعلى سبيل المثال، بزغ التصويت لمرشحين من أحزاب مختلفة (أي التصويت لمرشح رئاسي من حزب ومرشحين برلمانيين من حزب آخر) كاستراتيجية ناجحة ساهمت في حصول حزب الشعوب الديمقراطي المعارض الموالي للأكراد على أكثر من 10 في المئة من الأصوات، وهي النسبة التي كان يحتاجها لدخول البرلمان. وإذا كان الحزب قد فشل في الحصول على هذه النسبة، كان من المرجح أن تذهب العديد من المقاعد البرلمانية في جنوب شرق البلاد الذي تقطنه أغلبية كردية إلى جعبة حزب العدالة والتنمية.

لكن ماذا لو خسر أردوغان السباق الرئاسي بشكل لا لبس فيه؟ هل سيتنحى حقا؟ لا أستطيع تخيل أنه سيفعل ذلك. فلقد بذل هو وحزب العدالة والتنمية الكثير من الوقت والجهد من أجل هذه اللحظة التي سيحصل فيها على السلطة المطلقة كرئيس. وهم ينتظرون بفارغ الصبر هذا اليوم الذي سيحصدون فيه ما زرعوه على مدار الأعوام الماضية. لذلك لا أتوقع أن يسلم حزب العدالة والتنمية أو أردوغان منصب الرئاسة لشخص آخر، خاصة في ظل تمتع الرئيس القادم بسلطات لم يسبق لها مثيل.

كما أن فقدان الرئاسة ليست خيارا لكل من أردوغان والحزب لأن كلا منهما لديه الكثير ليخسروه. فعلى سبيل المثال، إذا خسر حزب العدالة والتنمية قدرته على توجيه موارد الدولة وثرواتها لصالح قاعدة أنصاره، فسيكون من الصعب عليه الحفاظ على دعمهم. ففي نهاية المطاف، يتكون حزب العدالة والتنمية في الواقع من ائتلاف من مجموعات يمين الوسط المتعددة ويمكن أن يتعرض هذا الائتلاف للتفكك إذا خسر السلطة.

كما أن فقدان السلطة قد يؤدي بالتالي إلى خطر فقدان الحرية لبعض قادة حزب العدالة والتنمية، بمن فيهم أردوغان، لأنهم سيواجهون على الأرجح اتهامات بالفساد. ويمكن رؤية ذلك بوضوح في ردود الفعل الغاضبة من أنصار المرشح الرئيسي للمعارضة في الانتخابات الرئاسية عندما وعد أردوغان الأسبوع الماضي بتقاعد مريح، وهو موقف ينبئ بوضوح أنهم يبغون العدالة، إن لم يكن الانتقام.

ونظرا لحجم كل هذه المخاطر، يعي أردوغان وحزبه أن انتخابات 24 يونيو هي انتخابات وجودية لكليهما. وبالتالي لا أتوقع خروجا سلسا منهما حتى لو كانت النتيجة تشير بشكل قاطع إلى فوز المعارضة. ويمكنك ملاحظة أن أردوغان كلف أنصاره في خطابه الأخير بوجوب العمل على الحيلولة دون إسقاطه، مثلما حدث عندما خرجوا إلى الشوارع لإحباط محاولة الانقلاب ضده في يوليو 2016.

وإذا دعا أردوغان "الأمة" إلى عدم الاعتراف بنتيجة الانتخابات، فإنه من المرجح أن يلبي المؤيدون المتشددون لحزب العدالة والتنمية أوامر زعيم الأمة، خاصة في ظل شعورهم بالفعل بالارتياب إلى درجة الجنون من وجود مؤامرة دولية كبيرة للإطاحة بالرئيس من السلطة.

وإذا لجأ أردوغان حقا إلى حشد مؤيديه ضد النتائج، فإن هذه الخطوة ستشكل بالتأكيد الضربة الأخيرة للديمقراطية التركية. وعلى الرغم من ذلك، يحدوني الأمل أن تمر تركيا بسلام من انتخابات 24 يونيو دون فقدان المزيد من ثقة الأتراك في العملية الانتخابية برمتها. وآمل أن يثبت أردوغان، إذا وصل الأمر لذلك، أن توقعاتي كانت خاطئة.
 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً: