Tiny Url
http://tinyurl.com/y8v52p5l
يناير 10 2019

هل يمكن أن تضعوا حدودًا للطيور كما وضعتم للاجئين؟!

تصف "سوزان سونتاغ" الحرب في كتابها بعنوان "النظرة إلى آلام الآخرين" قائلة: "إن الحرب تمزّق وتشقّ داخل الإنسان، فتستأصل الأمعاء بالكامل. الحرب تحرق الجلد، وتنزع الأعضاء من الجسم. الحرب تدمّر وتقتل. إنها توجد في الطبع البشري."
حسنًا، فهل هذا ينطبق على الأرض التي تشهد الحرب فقط؟ 
تستمر الحرب دون انقطاع في البحر الأبيض المتوسط، الموصوف في تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة بـ"أكثر منطقة حدودية دمويةً وقتلاً في العالم".
وفقًا للتقرير الذي أعدته مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في العام الماضي، يصل عدد اللاجئين 65 مليون شخص، ويشكّل الأطفال 53% منهم، علمًا بأن هذا العدد في زيادة مستمرة. 
وكذلك طبقًا لتقرير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الصادر في يوليو الفائت، فإن واحدًا من كل 19 شخصًا لقوا مصرعهم أثناء محاولتهم العبور من البحر المتوسط إلى أوروبا في الأشهر الستة الأولى من عام 2018. وأشار التقرير ذاته إلى مقتل أو اختفاء حوالي ألف و600 لاجئ غير نظامي. 
هذه الأرقام تتغير يوميًّا بالطبع. فقد لقي مؤخرًا 8 أشخاص حتفهم في أعقاب غرق القارب الذي كان يحمل اللاجئين قبالة سواحل "كارابورون" لمدينة إزمير غرب تركيا. 
فقد أنقذ "مهابت إسماعيل علي" من شمال العراق حياته بعد أن نجح في الوصول إلى اليابسة بالسباحة 28 ساعة عقب غرق القارب، إلا أنه –للأسف الشديد- فقد زوجته وأطفاله الخمسة. وقد تذمر للصحفيين قائلاً: "لقد ولّوا وجوهنا شطر الموت، فلن أسامحهم!"
بعد فترة وجيزة من هذا الحادث، جاءت أخبار مماثلة من منطقة "غازي أمير" في إزمير أيضًا، حيث فقد 22 شخصًا حياتهم كذلك بسبب سقوط الشاحنة التي كانت تقل اللاجئين إلى الهاوية، في طريق الانتقال من إزمير إلى جزيرة "ساموس" اليونانية، فضلاً عن إصابة 13 شخصًا بجروح غائرة. 
تُعدّ إزمير محطة مهمة للاجئين في سبيل تحقيق أحلامهم بالهروب إلى أوروبا. وتشهد المدينة منذ سنوات طويلة قصص الحياة للاجئين الذين يبحرون في مياه غير آمنة رابطين حياتهم وآمالهم بسترات النجاة التي يشترونها في ساحة "باسمانه" مقابل 10 ليرات (حوالي دولارين).
ونحن كموقع "أحوال تركية" نزلنا ضيفًا عند اللاجئين الذين يعيشون على حافة الخيط الرفيع بين الحياة والموت. ومع وجود اختلاف في الآمال والآلام والكفاح، فإن الشعور المشترك بين جميع اللاجئين هو: الحزن والحداد...

يلدرم شاهين
يلدرم شاهين

ولكي نَطّلع قبل كل شيء على المعلومات الصحيحة والخاطئة عن اللاجئين والهجرة، فقد طرقنا باب جميعة "جسر الشعوب". فيبدأ نائب رئيس الجمعية "يلدرم شاهين" الحديث، معيدًا إلى الأذهان نقطة انطلاق الحرب في المنطقة قائلاً: "هناك حرب بالوكالة في الشرق الأوسط. فالأنظمة القائمة في هذه المنطقة كانت تفضّل إدارة قومية ودكتاتورية، بسبب رغبتها في السيطرة على موارد الطاقة، على وجه الخصوص. لكن الغرب لم يكن راضيًا عن ذلك، فأراد أن يؤسس أنظمة في تلك المنطقة يتحكم فيها عن بُعْد. ولهذا الغرض نظّم نقل الجهاديين من جميع أنحاء العالم إلى سوريا بعد استضافتهم وإيوائهم في تركيا. ظنوا أن الحكومة السورية ستنهار بسهولة كما هو الحال في ليبيا ومصر. لكن العناصر الجهادية المجلوبة من الخارج وتنظيم داعش خرجت عن السيطرة، لتتحوّل سوريا إلى الجحيم في المحطة الأخيرة. في حين أن الناس الذين كانوا يريدون الديمقراطية والحرية، ويرفضون نظامًا جهاديًّا في الوقت ذاته، تعسّر بقاؤهم في تلك المنطقة. فقد اضطروا إلى مغادرة البلد والقدوم إلى البلدان المجاورة من أجل أنفسهم وأطفالهم."
كانت تركيا في ذلك الوقت فتحت أبوابها للسوريين المدنيين من جهة، وتحولت من جهة أخرى إلى نقطة عبور للجهاديين. فما دلالة هذه السياسة المتناقضة؟ يفسر شاهين هذا الأمر بقوله:
"جاء 4 ملايين مدني إلى تركيا، بالإضافة إلى قدوم عناصر جهادية من جميع أنحاء العالم للانتقال إلى سوريا. كانت تركيا في تلك الفترة تريد إخلاء تلك المنطقة من المدنيين، لكي تخفض عدد الخسائر في صفوف المدنيين إلى أقل ما يمكن، وتكون محاسبتها على المستوى الدولي أسهل جراء مذابح مدنية محتملة. لكنها لم تتوقع أن تطول مدة الحرب حتى هذه الأيام."
"من ناحية أخرى كان من الضروري كذلك منع الأكراد من الحصول على موقعٍ سياسي (الحكم الذاتي) تحت قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي. لذلك خلقت تركيا ممرًّا أمنيًّا –وفق تعبيرها هي- على الحدود المشتركة بين البلدين، رغبة بإنشاء منطقة عازلة في تلك المنطقة وإرسال السوريين إليها.. السوريين الذين كانوا محتجزين ورهائن في يدها. حيث كانت تصفهم بـ"الضيوف" وتتجنب تجنيسهم، لكنها في الوقت ذاته كانت توظفهم في مساوماتها مع الغرب." 
ويحمل شاهين السياسات التركية الخاطئة مسؤولية حادث الشاحنة الذي أسفر عن مقتل 22 لاجئًا ويوضح ذلك قائلاً:
"يجب على اللاجئين أن يعيشوا ويظلوا في المدينة التي قيدوا فيها، ولا يسمح لهم بمغادرتها ما لم يحصلوا على تصريح من السلطات. غير أن هؤلاء اللاجئين يقومون بأعمال موسمية في الحدائق والمزارع، ويضطرون للتنقل بين المدن للبحث عن لقمة عيشهم. وهذا الإجراء يدفعهم إلى السفر في الصناديق غير الآمنة لهذه الشاحنات وتتحول تلك الصناديق إلى توابيت تحملهم إلى حضن الموت."  
ويضيف شاهين بأن عدد المتوجهين إلى أوروبا شهد ارتفاعًا مجددًا في هذه الأيام بعد أن تضاءل في وقت سابق، مرجعًا سبب ذلك إلى الأزمة الاقتصادية التي تضرب تركيا حاليا وإعادة السلطات التركية كثيرًا من السوريين إلى المناطق العازلة في بلادهم، زاعمة أنهم متطوعون يعودون إلى بلادهم بمحض إرادتهم. فاللاجئون الذين لا يرغبون في العودة إلى سوريا، حيث الحرب والدمار والموت، يجدون الحل في العبور إلى الدول الأوروبية ولو بطرق غير آمنة. 
بعد انتهاء حديثنا مع شاهين ننتقل إلى الشاعر "أحمد جندي" وزوجته "نسرين مصطفى" وهي "نحاتة". فيبدأ الحديث أحمد وهو يعاني صعوبة في التعبير عن مشاهد عاشها في سوريا وتركيا: 
"لقد تزوجنا بعد إكمال دراستنا الجامعية، أنا من مدينة عامودا، في حين أن زوجتي من عفرين، لكن كنا مقيمين في حلب. كنت أشتغل في مجال تصميم الغرافيك وكانت لنا حياة هادئة وجميلة إلى جانب بنتنا الصغيرة. زوجتي كانت حاملا حينما بدأت الحرب. لسنا نحن مَنْ قرر أن نكون لاجئين، بل اضطررنا للفرار، وكثير من الناس ينسون هذه الحقيقة."

نسرين مصطفى
نسرين مصطفى

هنا تتدخل نسرين لتشرح لنا كيفية هذا الاضطرار: 
"كانت الطائرات الحربية تحلق دائمًا فوق منزلنا، لم يكن هناك لا الماء ولا الكهرباء ولا الطعام، ولم يكن أحد يستطيع الخروج للشارع، وكنت أعددت حقيبتنا استعدادا للرحيل في أي لحظة شئنا أم أبينا. توجهنا أولا إلى مدينة عامودا فمكثنا هناك 9 أشهر. ومن ثم هاجر زوجي إلى تركيا في ظل غياب عمل ومال، حتى لم نكن نسطيع الذهاب إلى المستشفى. انتقلت أنا وطفلتي إلى تركيا أيضا بعد أن هيأ زوجي الظروف لنا هناك." 
ثم يواصل أحمد حديثه ويقول بأنه هرب من الموت في حلب ومن الفقر في عامودا، ولم يكن يعلم اللغة التركية لما وصل بأسرته إلى مدينة إزمير، وتعرض للعنصرية والتمييز، كما اضطر إلى العمل بأجرة زهيدة وفي ظروف سيئة.
بينما حاولت نسرين تصحيح شائعة حصول السوريين على أموال كبيرة من الحكومة التركية قائلة: 
"لا يعرف أحدٌ الحقيقة عن السوريين، فهناك من يظنون أننا نحصل على أموال كبيرة من الدولة التركية. نحن لا نأخذ من الدولة الفلوس أو أي شيء من هذا القبيل. والناس لا يطلعون على هذه الحقيقة إلا عندما يختلطون أو يتواصلون معنا بشكل أو بآخر".

بعد ذلك ينتقل حديثنا مع الزوج أحمد إلى حادث الشاحنة الذي تسبب في مصرع 22 لاجئًا ويؤكد أنه لما سمع الحادث هرع إلى المستشفى لتفقد أحوال المتوفين والمصابين، لكنه يقول بأن المسؤولين لم يسمحوا له بلقائهم. يسأل أحمد "من هو المجرم؟"، ثم يتولى نفسه الإجابة عليه قائلاً: "المجرم هو الرأسمالية وتجار السلاح"، ثم يستدرك بقوله: "أتعرفون لماذا ذهبت إلى المستشفى؟ لأنه كان من الممكن أن أكون أنا أيضًا من بين القتلى. هذا احتمال وارد جدا، فنحن قريبون من لموت إلى هذا الحد." 

يتابع أحمد الذي يؤلف حاليا كتابًا أسطوريًّا قائلاً: 

"لو لم أؤلف وأكتب لكنت أصبت بالجنون. التأليف ساعدني في البقاء على قيد الحياة والمقاومة. حين اندلعت اشتباكات كنت أنتظر في محطة باصات حلب، فقاموا بإطلاق النيران عشوائيا، وأصيب رجل كان بجانبي، وقمت بسحب جسده إلى المخبأ الذي لجأت إليه، كان الرجل يحتضر. وقد اصطدمت قبل عدة أيام سيارة مع إحدى القطط بينما أمشي في الطريق، فتجمدت لحظتها وتسمرت في مكاني من دون أي حراك، إذ كانت القطة تحتضر مثل ذلك الرجل، فأحسست لحظة وكأنني في حلب. ما زلت أعيش صدمات ما شهدته وتعرضت له في سوريا. أنا وكذلك زوجتي بقينا على قيد الحياة بفضل التمسك بأعمالنا الفنية." 

ومع هذه الصعوبات والمعاملات السيئة التي يواجهها اللاجئون السوريون، سواء في الداخل التركي أو أثناء محاولة العبور إلى أوروبا، إلا أن الساحة لا تخلو من أناس طيبين يبذلون كل ما بوسعهم من أجل التضامن معهم والحد من آلامهم. فقصة السيدة "عائشة محمد" البالغة من العمر 50 عامًا تعتبر مثالا جيدًا على ذلك. الحرب حطّمت وشتّتت عائلتها، بحسب تعبيرها، ووزعت أفرادها في أنحاء مختلفة من العالم، معظمهم استقروا في ألمانيا، وهي كذلك تخطط للسفر إليها بعد أن فشلت محاولتها الأولى. هي تقيم في مدينة قيصري وسط تركيا، ولها ابنٌ يدعى حيدر يبلغ من العمر 17 عامًا ويريد استكمال مسيرته التعليمية في الثانوية. ولما اطلع عمر سلفي، أحد المتطوعين العاملين في جميعةٍ تُعنى بشؤون اللاجئين، على رغبته هذه يتعهد بسدّ مصاريفه الدراسية. 

وينتقد عمر سلفي سياسات الاتحاد الأوروبي الصارمة حول الحدود قائلاً: 

"يجب منح حرية التنقل للجميع. ولا بد أن نعلم أن تطبيق جوازات السفر على الحدود أمر حديث للغاية. وما نريده ليس شيئًا خياليًّا لا يمكن نقله إلى ساحة الفعل. فهل تستطيعون وضع حدود للطيور؟!".

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.