هل يمكن أن تلتفت تركيا حقا إلى مذبحة درسيم؟

يعتبر فيلم "زير" للمخرج كاظم أوز أول فيلم روائي يتناول مذبحة درسيم في تركيا في عام 1938، والتي قمعت فيها القوات الحكومية بوحشية الأكراد العلويين أثناء إخمادها إنتفاضة قادها سيد رضا. ويحظى الفيلم أيضا بوضع غير عادي إذ أنه حصل على دعم مالي من وزارة الثقافة والسياحة التركية، لكنه خضع لاحقا للرقابة في تركيا على يد نفس المؤسسة الحكومية التي أجازته.
وبعد عرضه الأول في مهرجان اسطنبول السينمائي في أبريل، والذي أعقبه عرضه التجاري في تركيا، ينافس "زير" حاليا في حلبة مهرجانات السينما الدولية، حيث تم عرضه- وحصل على عدة جوائز- في مهرجانات منها إدنبرج وثيسالونيكي ومانهايم-هايدلبرج وحيفا ودكا. وقدم المخرج من قبل فيلم "باهوز" أو (العاصفة) في 2008، والذي كان يدور حول النشطاء الطلابيين الأكراد خلال التسعينيات. وتحدث المخرج أوز لأحوال تركية بعدما بدأ مؤخرا عرض الفيلم "زير" في واشنطن العاصمة.
وتشكل ما تعرف بمذبحة درسيم فصلا شديد الإيلام من التاريخ التركي، قتل خلاله الجيش ما يصل إلى عشرات الآلاف من الأكراد العلويين- منهم متمردون ومدنيون- في قصف جوي وعلى يد فرق إعدام، وأبيدت فيه قرى بأكملها. وأجبر كثير من الناجين على النزوح إلى مناطق أخرى من تركيا، منهم فتيات صغيرات تبنتهن أسر تركية- منها أسر بعض المسؤولين العسكريين الذين أشرفوا على العملية. وأعيدت أيضا تسمية درسيم إلى تونجلي (أرض البرونز) في إطار برنامج الحكومة التركية لفرض الهوية التركية.
ولا عجب في أن الأمر استغرق حتى العام 2017 لعمل فيلم روائي عن درسيم: فالحادث لم ينل اعترافا يذكر في تركيا على مدى عقود، ناهيك عن عرضه على الشاشة الكبيرة، حيث كان الاستثناء الوحيد خروج بضعة أفلام وثائقية عنه إلى النور. 
ويقول أوز، الذي نشأ في تونجلي، إن تاريخ المنطقة المشحون لم يناقش بشكل أكثر صراحة سوى في الأعوام القليلة الماضية. ويقول "الذين كتبت لهم النجاة من درسيم كانوا يريدون نسيان (ما حدث)... الجيل الأول كان الجيل الصامت. في تركيا، الجيل الأول يلتزم الصمت، والجيل الثاني يرفض، والجيل الثالث يبدأ في الحديث عنه".
ويعيد فيلم "زير" الذي صور بشكل رائع ذلك الماضي إلى الحياة من خلال قصة جان (الممثل الألباني نيك خليلاج) وهو شاب يدرس الموسيقى ولد في فرنسا ونشأ في الولايات المتحدة، ويسافر إلى تركيا بحثا عن أصول أغنية كانت جدته (جولر أوكتن) قد غنتها له وهي على فراش الموت في مستشفى في نيويورك. وفي تركيا، تبلغه عمته بسر عظيم للأسرة: وهو أن جدته لم تكن كردية فحسب وإنما كانت من الناجين من درسيم، وتبناها كولونيل تركي وتربت في أفيون باسم وهوية تركيين.
تقدم أوز بطلب إلى وزارة الثقافة والسياحة للحصول على تمويل وتلقاه بالفعل وبدأ عمل الفيلم "زير" قبل سنوات قليلة. في ذلك الحين، كانت حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا ما زالت تروج لما يسمى "الانفتاح الكردي" وهو مبادرة سياسية أطلقت في 2009 للتعامل مع القضايا التركية القائمة منذ زمن بعيد. وفي نوفمبر 2011، أصبح رئيس الوزراء في ذلك الحين رجب طيب أردوغان أول زعيم تركي يعتذر عن الفظائع التي حدثت في درسيم.
يقول أوز إنه في ظل تلك الأجواء كانت الحكومة مستعدة لدعم صنع فيلم عن درسيم، حتى وإن كان القرار تحركه إلى حد بعيد أجندة سياسية. وقال "(الحكومة) كان عليها تقديم مثل تلك التنازلات بسبب الانفتاح، لكن في الواقع كانت تلك قرارات سياسية بكل ما في الكلمة من معنى، لم تكن قرارات بنية صافية".
ويضيف أن الاعتراف بمذبحة درسيم كان مفيدا سياسيا لحزب العدالة والتنمية لأنه أظهر حكومة حزب الشعب الجمهوري التي كانت في السلطة في الفترة الأولى من عهد الجمهورية التركية في شكل سيء. يقول أوز "أراد حزب العدالة والتنمية أن يظهر لتركيا وللعالم أن ما حدث في درسيم في 1938 كان جريمة ارتكبها حزب الشعب الجمهوري، الذي كان يعتبره منافسه. وأراد بفعله ذلك جذب تأييد الأكراد والناس في درسيم".
غير أنه بحلول ربيع العام 2017، كانت مبادرة الانفتاح الكردي قد انهارت في 2015 وتبدلت الأجواء السياسية في تركيا. وأمرت الإدارة العامة للسينما بعدم عرض "زير" إلا بعد حذف أربع دقائق من الفيلم. وفي العرض الأول للفيلم في مهرجان اسطنبول السينمائي تم استبدال اللقطات المحظورة بشاشة سوداء كتب عليها بالتركية "لا يمكن مشاهدة هذا المشهد لأن المجلس الرقابي بالإدارة العامة للسينما التابعة لوزارة الثقافة والسياحة يعتبره غير مقبول".
ولم يعجب ذلك المشاهدين. يقول أوز "أثار عرض الفيلم وبه لقطات مسودة الكثير من ردود الفعل- كان الناس يهتفون بشعارات ويسخرون". ولذلك، فبعد انتهاء المهرجان، ألغى المجلس الرقابي لأول مرة في تاريخه تصريحه السابق بعرضه وأمر بأنه لا يمكن عرض الفيلم تجاريا في دور السينما التركية إلا بعد حذف الأجزاء المختلف عليها بشكل كامل.
وتتضمن اللقطات المحذوفة- التي يمكن مشاهدتها في النسخة غير الخاضعة للرقابة من فيلم "زير" التي تعرض خارج تركيا- صورا حساسة سياسيا لكتابة بالجرافيتي على حائط في قرية تقول "كل الدول إرهابية" ومشهدا تساعد فيه مجموعة من مقاتلي حزب العمال الكردستاني جان عندما ضل طريقه في الجبال. ويشمل جزء آخر معرض صور لمرتكبي مذبحة درسيم والناجين منها.
وفي النهاية، فسواء شاهد الجمهور "زير" باللقطات المحظورة أو بدونها، فإن رسالة الفيلم تبدو واضحة: لا يمكن لتركيا أن تلتفت إلى ماضيها إلا ببحث الأحداث المضطربة على شاكلة واقعة درسيم.

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/film/can-turkey-truly-reckon-dersim-massacre