أحوال تركية
مايو 12 2019

هل يمكن أن تهزم الآمال الواقع المؤلم في تركيا

إن قدر تركيا أن تدخل في دوامة الانتخابات العنيفة بين الحين والآخر، ولا تستطيع الخروج منها.

ستتوجه إسطنبول، التي يسكنها خُمس أعداد الناخبين في تركيا كلها، بعد ما يقرب من شهرين، وتحديداً يوم 23 يونيو المقبل للتصويت للمرة الثانية؛ من أجل اختيار رئيس جديد للبلدية. وهي واقعة تذكِّرنا بواقعة مماثلة حدثت في الفترة بين صيف عام 2015 وخريفه. وكان القاسم المشترك بين الواقعتين أن كليهما قد افتقد إلى الحجة القانونية السليمة.

كانت نتائج الانتخابات في إسطنبول محسومة منذ ليلة 31 مارس، ولكن مع موجة التلاعب التي قامت بها السلطة الحاكمة بعد الانتخابات مباشرة، تعرَّضت إرادة الشعب لعملية اغتصاب فجة.  
لقد كان من الجدير بالمجلس الأعلى للانتخابات أن يسارع بإصدار بيان يوضح فيه أسباب  قراره بإلغاء الانتخابات في إسطنبول، ومبررات ذلك القرار، ولكنه لم يفعل، أو إذا أردنا الدقة لم يستطع أن يفعل. 

لم يستند قرار المجلس الأعلى للانتخابات، الذي صدر بأغلبية 7 إلى4 أصوات، إلى أية حُجة قانونية مُقنعة؛ الأمر الذي جعل يوم 6 مايو 2019 بمثابة بقعة سوداء في تاريخ الجمهورية التركية. سيذكر التاريخ ذلك اليوم بأنه يوم انقلاب أردوغان - بهجلي على إرادة الشعب. 

من ناحيته، يرى موقع "أحوال تركيا" أنه لزاماً عليه أن يوضح لقرائه بعض الأمور في هذا الشأن. 

نستعد مرة أخرى للتوجه إلى صناديق الاقتراع، وقد حددت الأحزاب، بعد العديد من المداولات الداخلية، التي استمرت طوال الأيام الماضية، مواقفها بشأن تلك الانتخابات. سيحتدم التنافس مرة أخرى بين مرشح تحالف الأمة أكرم إمام أوغلو، ومرشح تحالف الشعب بن علي يلدريم، الذي يُنظر إليه باعتباره ظلاً لأردوغان وبهجلي.

ومن المتوقع أن تتحفز شريحة الأكراد، التي تمنح أصواتهم دائماً لحزب الشعوب الديمقراطي، والتي تشكل حوالي ربع الناخبين داخل نطاق بلدية إسطنبول، وتذهب للتصويت لصالح إمام أوغلو هذه المرة أيضاً. وإن كانت هناك بعض التخمينات كذلك التي ذهبت إلى أن شريحة الأكراد المتدينين والمحافظين ستحول أصواتها هذه الجولة إلى يلدريم.

وعلى الجهة الأخرى، لا شك أن تحالف الشعب سيسعى بكامل قوته؛ من أجل كسر تحالف حزب الشعب الجمهوري مع حزب الشعوب الديمقراطي، قدر سعيه لزيادة نسبة المشاركة في جولة الانتخابات المقبلة. أما تحالف الأمة، فسيسعى للاستفادة، قدر الإمكان، من ردود الأفعال التي أحدثها الانقلاب المدني على إرادة الصندوق؛ من أجل تعبئة الناخبين، وبالتالي الحصول على أكبر عدد من الأصوات من جهة، وحتى يلقن تحالف أردوغان- بهجلي درساً قاسياً، ويضع حداً لسلوكهما المشين من جهة أخرى. 

وبفرض أن إمام أوغلو استطاع أن يحقق الفوز في هذه الجولة، فهذا لا يعني أن الأمور ستسير على ما يرام بعد ذلك، وهو أمر تتحدث عنه الحملات الانتخابية من الآن، بل إن كل ما سيحدث أن الضغوط ستقل حدتها على البلاد، وستُتاح فرصة جديدة أمام جبهة المعارضة؛ من أجل لملمة شتاتها ومحاولة التكاتف من جديد.

أما إذا كانت الغلبة لأردوغان، فسيعني هذا انتهاء الفصل الأخير من اغتصاب السلطة، بعد سلسلة من الإجراءات التي بدأها بعملية تصفية داخل حزب العدالة والتنمية، تزامناً مع أحداث منتزه غيزي عام 2011، وفرض سيطرته على القضاء؛ للتستر على ملفات الفساد خلال الفترة بين 17-25 ديسمبر، وقلب طاولة المفاوضات مع الأكراد؛ للتوصل لحل سلمي للقضية الكردية في 7 يونيو 2015، وتحويل محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو إلى انقلاب مضاد على الديمقراطية بإعلان حالة الطوارئ، وما تلاها من مراسيم قرارات تعسفية، وصولاً إلى الجزء الأخير من عملية اغتصاب السلطة باستفتاء 16 إبريل الذي تمخض عن ولادة الشراكة مع حزب الحركة القومية. 

ومع هذا، يجب ألا نغفل أن وصول أردوغان إلى المرحلة النهائية لن يمنع من تفاقم أزمة النظام بأبعادها المختلفة (السياسية والاقتصادية والقضائية والأخلاقية) التي ستلتهم تركيا بكاملها. 

والواقع أن تركيا تعاني مرضاً عضالاً على ساحتي الإعلام والسياسة على حدٍ سواء، يمكن أن نسميه مرض "حجب الحقائق والتمسك بروح المكابرة والعناد".

لقد صارت وسائل الإعلام التركية أكبر حقل للتجربة والملاحظة وضوحاً، وأصبح العثور على تحليلات معتدلة تستند إلى بيانات وفرضيات مختلفة من الصعوبة بمكان، كمن يبحث عن  إبرة في كومة من القش؛ إذ أصبحت تلك الوسائل الإعلامية بوقاً يخدم تياراً سياسياً بعينه، سواء أكان تيار السلطة أم تيار المعارضة؛ فهي تعبر عنه وتتحدث باسمه وتقوم بالدعاية له أو التحريض لأجله دون الاستناد إلى حجة أو دليل. 

والحقيقة أنه يجب أن يعلم الجميع أن "تعبئة" الناخب بهذه الطريقة هو عمل لا أخلاقي؛ إذ يجب إعلان الحقيقة على الشعب بشكلها المجرد. وهذا لا يمنع أن نأمل في نصبح الأفضل، ولكن ينبغي علينا - في الوقت نفسه - أن نكون على استعداد للأسوأ. أعتقد أن هذا هو الاقتراح الأكثر صحة.   

يجب أن نستقي الدروس من الأحداث التي عايشناها خلال السنوات الخمس الماضية؛ فالإعلام "المعارض" - وخاصة في جناح اليسار- لا يزال غير قادر على إدراك خبرة أردوغان في السياسة، ونرى البعض منهم يخلط بين ضعفه في هذه المرحلة، وما يستطيع فعله على أرض الواقع، بل إن هناك من يظن أنه فقد صلابته وقدرته على البقاء.   

لقد كانوا دائماً مخطئين في تصورهم هذا، ومع هذا لم يقفوا على سبب خطئهم، لأن السياسة، في رأي الكثيرين من هؤلاء، هي لعبة "الوصول إلى السلطة". وهذه اللعبة الشاقة مقسمة إلى مراحل؛ يتعيَّن على اللاعب المُختار اجتيازها جميعاً حتى يصل إلى النهاية "إلى السلطة" بأي ثمن، دون النظر إن كان قد اتبع طريق الديمقراطية أم لا. ومع ذلك، فالحقيقة الأكثر إيلاماً وعمقاً الآن هي أن البلاد قد حُرِمت حقها في دستور ديمقراطي، وأصبح النظام القضائي بها مفلساً.

يوجد في تركيا الآن ما يقرب من 50 ألف سجين سياسي، سيقضون ما بقي من حياتهم خلف القضبان، ويتعرض الأكراد في كل يوم للضرب والسحق والحرمان من إنسانيتهم، لا لجرم ارتكبوه سوى لأنهم أكراد يدافعون عن هويتهم. 

والأهم من ذلك حالة الركود العميق التي يعاني منها الاقتصاد في الوقت الراهن، وتراجع الإنتاج، وقنبلة البطالة التي أوشكت على الانفجار؛ فقد جفت الموارد، وارتفعت نسبة هجرة العقول، وأصبحت صورة المُستقبل قاتمة.  

أصبحت تركيا اليوم على عتبة المرحلة الحرجة؛ إذ أصبح أقصى ما نرجوه من انتخابات 23 يونيو أن يحقق أكرم إمام أوغلو الفوز، وأن يقبل أردوغان بهذه النتيجة. لا شك أن هذا الأمر سيبعث آمالاً في طريق عودة الأمور إلى نصابها الصحيح، وسيمنح المعارضة القوة والشجاعة على الاستمرار، لكن علينا أن تكون أكثر واقعية أيضاً؛ لأن العكس مرشح أيضاً للحدوث بقوة؛ فأردوغان - كما أكدنا في موقع "أحوال تركية" من قبل - يجيد لعبة "الجمباز السياسي"؛ وبالتالي فهو لن يخوض انتخابات هُزِم فيها من قبل. وأدعو الذين لا يشاطرونني الرأي إلى التروي في التفكير، والعودة بذاكرتهم إلى خمس سنوات ماضية، وأن ينظروا كيف تصرف أردوغان آنذاك. 

لا شك أن أردوغان سيعلن - بالتعاون مع حليفه حزب الحركة القومية وقوات الظلام المشؤومة - حالة التعبئة القصوى، وسيكرس كافة إمكانات الدولة، التي يسيطر بالفعل على مفاصلها، من أجل الفوز بهذه الانتخابات؛ لذا فلا ينبغي أن نستبعد احتمال أن يحقق الفوز بفارق واضح.

لذلك يجب على جبهة المعارضة أن تبني استراتيجيتها بعد 23 يونيو على الأسوأ. لا مانع من ترديد شعارات مقدسة من قبيل "إن كل شيء سيصير إلى الأفضل"، ولكن إشارات الاستغاثة التي تصدر عن الاقتصاد والسياسة الخارجية تشير- بغض النظر عمن سيفوز- إلى أن الأمور لن تسير على هذا الشكل على الإطلاق.

ومن جهته سيظل موقع "أحوال تركية" داعماً للديمقراطية ودولة القانون والحقوق الأساسية والحريات.  

وسنظل داعمين لأكرم إمام أوغلو.

لقد عانت تركيا كثيراً من الانقلابات العسكرية، والتجربة الإسلامية الإخوانية، ولم يعد لديها خيار آخر سوى أن تبحث عن الحق المنشود عند أكرم إمام أوغلو، من خلال هذه الانتخابات الحاسمة؛ حتى تتحرر من أزمتها بسياسات عقلانية ديمقراطية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/basyazi/umutlar-turkiyenin-acimasiz-hakikatlerini-altedebilecek-mi