هل يمكن أن تواجه تركيا انعدام الأمن الغذائي؟

في أواخر عام 2018، بعد أن جمع المزارعون حصادهم الأخير من السنة، بدأ حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا حملة ضد أولئك الذين واجهوا اتهامات بتخزين السلع الأساسية للتلاعب بالأسعار.
وقد أرسلت وسائل الإعلام الصديقة للحكومة مراسلين لتصوير الشرطة وهي تقوم بتدمير مخازن البطاطا والبصل، التي جرى تقديمها في التقارير الصحفية في نفس السياق مثل السلع غير المشروعة في مداهمات تهريب المخدرات.
بعد أشهر من تشبيه المكتنزين المزعومين بالخونة لتخزين أطنان من السلع الأساسية في المستودعات، أظهر مرسومان جديدان وقعهما الرئيس رجب طيب أردوغان الأسبوع الماضي الوضع المزري للقطاع الزراعي التركي ومدى تأخر سياسة مكافحة التخزين. في مواجهة نقص المنتجات الأساسية، تخلى الرئيس عن رسوم الاستيراد على البصل حتى نهاية فبراير وعلى سلع زراعية أخرى حتى نهاية عام 2019.
حدد مدير مجلس الحبوب التركي أحمد غولدال خططًاً لاستيراد 200 ألف طن من البصل. وللسنة الثالثة على التوالي، تم تكليف المجلس أيضاً باستيراد مليون طن من القمح و700 ألف طن من الشعير و700 ألف طن من الذرة و100 ألف طن من الفاصوليا المجففة و100 ألف طن من الأرز بحلول نهاية شهر مايو.
وبالمثل، أصبحت الآن واردات الماشية والحيوانات الأليفة واللحوم روتينية، مرة أخرى مع التنازل عن رسوم الاستيراد. في العام الماضي، سمح مجلس اللحوم والألبان باستيراد 500 ألف رأس من الماشية و475 ألف رأس من الأغنام والماعز و750 ألف طن من اللحوم الحمراء.
كانت هذه الخطوة تهدف إلى خفض سعر اللحوم، التي ارتفعت في تركيا. وكان لها تأثير إضافي في شل صناعة المواشي المحلية في تركيا.
وقدمت الحكومة حوافز لمنتجي الثروة الحيوانية من خلال قروض منخفضة الفائدة من بنك زراعات الذي تديره الدولة. وقد تسبب قرار التخلي عن رسوم الاستيراد في وقت لاحق في مشكلة خطيرة، ليس فقط لمئات من رجال الأعمال الذين حصلوا على قروض من أجل الدخول في التجارة، ولكن أيضاً لاثنتين من كبريات شركات القطاع، وهما شركة قيصري ديفيلي وساراي هاليجيليك. وتقدمت الشركتان بطلب للحماية من الإفلاس في أواخر عام 2018.
وقد ترك الاستيراد غير المنظم وغير المخطط لمجلس اللحوم والألبان 25 ألف طن من اللحوم الحمراء الفائضة في مستودعاته، ويستعد المجلس لتصديرها. ولم يفعل هذا شيئاً لخفض الأسعار، التي لا تزال مرتفعة في كل مكان باستثناء محلات السوبر ماركت بيم وأيه1010 التي تقدم تخفيضات والمعروفة بعلاقاتها بحكومة حزب العدالة والتنمية، وسلسلة متاجر أخرى هي ميغروس.
في الوقت الذي تجاهل فيه أردوغان ووزير الزراعة بكر باكدميرلي انتقاد سياساتهما ليعلنا أن المنتجين الزراعيين لم يحصلوا على مثل هذا الدعم من قبل، فإن الأرقام الصادرة عن معهد الإحصاء التركي تروي قصة مختلفة.
لقد تحولت تركيا على مدى 17 عاماً من حكم حزب العدالة والتنمية من كونها مصدراً مهماً للثروة الحيوانية إلى مستورد صافٍ. وهي الآن أكبر مستورد للحوم والحيوانات الحية في أوروبا.
ويكمن جزء من أسباب ذلك في المعركة ضد المتمردين الأكراد المرتبطين بحزب العمال الكردستاني، الذي كان أحد ألد أعداء الدولة التركية منذ بدء الصراع الانفصالي المسلح في عام 1984.
اندلع القتال مرة أخرى في عام 2015 بعد انهيار محادثات السلام، وتوقفت المناطق ذات الأغلبية الكردية في شرق وجنوب شرق تركيا، وهي المناطق التي تشكل عادة العمود الفقري لقطاع الثروة الحيوانية في البلاد، عن الإنتاج بسبب الوضع الأمني.
وبالإضافة إلى ذلك، تظهر بيانات معهد الإحصاء انخفاضاً كبيراً ليس فقط إنتاج كل الحبوب الأساسية تقريباً، بل والحبوب القطاني والخضراوات، وكذلك إنتاج التبن المستخدم في إطعام الماشية. أصبحت تركيا مستوردة للتبن في عام 2010.
إذن، مع انخفاض إنتاج الغذاء بشكل كبير، ما الذي حل محل الغذاء؟ الجواب، على الأقل جزئياً، هو الزهور. وقد زاد إنتاج زهور الأوركيد على وجه الخصوص بأكثر من 16 في المئة وارتفع إنتاج زهور الأقحوان بنسبة 7 في المئة.
نصح وزير الزراعة الأتراك في الآونة الأخيرة بخفض استهلاك اللحوم الحمراء للإبقاء على الأسعار منخفضة. وقد تم بالفعل انتشار نبأ في الدوائر السياسية في أنقرة مفادها أن باكدميرلي سيكون أحد الوزراء الذين يواجهون احتمال الإقصاء عندما يقوم أردوغان بإجراء تغييرات على حكومته بعد الانتخابات المحلية التي تجرى في شهر مارس. إلى جانب التصريحات المشكوك فيها، واجه الوزير فترة صعبة منذ تعيينه في يوليو الماضي.
روسيا، التي كانت في يوم من الأيام واحدة من أكبر أسواق التصدير للفاكهة والخضراوات في تركيا، خفضت الواردات بالكامل في عام 2015 بعد أن أسقطت تركيا طائرة روسية على الحدود خلال العمليات في سوريا.
وعلى الرغم من رفع الحظر، إلا أن الصادرات إلى روسيا لا تزال أقل بكثير من مستويات ما قبل الحظر. تمكن باكدميرلي من زيادة صادرات الطماطم إلى روسيا بمقدار 50 ألف طن هذا الشهر، لكن الحصة الحالية البالغة 100 ألف طن لا تزال تمثل ثلث مستواها السابق. وفي المقابل، ستتخلى تركيا عن رسوم الاستيراد على خمسة آلاف طن من اللحوم الحمراء الروسية. في غضون ذلك، بلغت الصادرات الروسية من الحبوب والمنتجات الزراعية الأخرى إلى تركيا في عام 2018 ما قيمته 1.9 مليار دولار.
جاءت أخطر أزمة يواجهها الوزير في شهر سبتمبر الماضي عندما تم اكتشاف أن عشرات الآلاف من الماشية المستوردة من البرازيل تعاني من تسمم بالجمرة الخبيثة. أدى تفشي المرض إلى دخول أعداد كبيرة من الأشخاص إلى المستشفيات والحجر الصحي في مختلف أنحاء تركيا، بما في ذلك في إسطنبول وأنقرة.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ إلقاء اللوم على باكدميرلي. منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، تم إغلاق المؤسسات التي لعبت دوراً حاسماً في القطاع الزراعي أو تمت خصخصتها.
وفي الوقت نفسه، على الرغم من رفع الرسوم الجمركية على الجرارات والآلات الزراعية في عام 2017 لحماية المنتجين المحليين في تركيا، فقد استحوذت شركتا ماهيندرا وماهيندرا المحدودة الهنديتان على حصة كبيرة من هذا القطاع في ذلك العام، عندما قامتا بشراء 75 في المئة من شركة معدات المزارع هيسارلار ماكينا واستحوذت على الملكية الكاملة لشركة إيركونت لصناعة الجرارات الزراعية.
تركت خصخصة الحكومة 14 مصنعاً للسكر في تركيا العام الماضي بصمتها على منتجي بنجر السكر، الذي انخفض إنتاجه بأكثر من 10 في المئة بحلول نهاية العام. ومن المتوقع أن يستمر الإنتاج في الانخفاض هذا العام، في حين من المتوقع أن تزداد واردات شراب الذرة.
وفي حين انخفضت الليرة التركية بنسبة 28 في المئة مقابل الدولار في العام الماضي، مما أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، أنشأت الحكومة لجنة للحفاظ على الأسعار تحت السيطرة وخفض الواردات الغذائية. ومع ذلك، استمرت أسعار الوقود والأسمدة والمبيدات الحشرية والبذور والأعلاف واللقاحات – الأشياء الضرورية للمنتجين - في الارتفاع بعدما فقدت الليرة قيمتها، مما ترك المنتجين الذين واجهوا ضوابط الأسعار على سلعهم بلا خيار أمامهم سوى خفض الإنتاج.
وتُظهر أحدث بيانات وزارة الزراعة أن 3.2 مليون هكتار من الأراضي الزراعية قد بارت. وفي الوقت نفسه، تم فتح بعض الأراضي الزراعية والمراعي الأكثر إنتاجية في تركيا لبناء محطات جديدة للطاقة.
وقد مُنح المتعهدون الذين لديهم صلات بالحكومة الإذن لبناء محطات كهرومائية لا سيما في منطقة البحر الأسود، حيث تمنع محطات الكهرباء تدفق مياه الأنهار والجداول إلى الأراضي الزراعية.
لا تزال حكومة أردوغان تعالج التضخم الذي بلغت نسبته 20 في المئة. ويعود جزء كبير من هذا إلى أسعار المواد الغذائية، وقد رد وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق بوضع قانون جديد يهدف إلى إلغاء العمولة التي يتقاضاها الوسطاء من خلال تعيين لجان برلمانية للتعامل مع اللوجستيات. يهدف القانون إلى خفض التكاليف الإضافية من 170 في المئة إلى 30 بالمئة في المتوسط.
لكن من الواضح أن هذا لن يحل المشكلة. أولاً، يحتاج المنتجون إلى التنظيم والدعم. ففي مقابل 17 مليار دولار يتم إنفاقها سنوياً على واردات الأغذية والماشية، ذهب 14.5 مليار ليرة فقط (2.7 مليار دولار) إلى دعم المنتجين المحليين في 2018، مع تخصيص 16.1 مليار ليرة لهذا الغرض في ميزانية 2019.
وللتأهل للحصول على الدعم الحكومي، لا يُطلب من المنتجين استخدام البذور المعتمدة فحسب، بل أن يكونوا أيضاً بلا ديون للبنوك ولموردي المياه والكهرباء. وبما أن الطلب يفوق الإنتاج المحلي للبذور المعتمدة، يضطر المنتجون مرة أخرى إلى الاستيراد.
وقد فقدت البلد مكانتها بين أكثر منتجي الأغذية اكتفاء ذاتياً في العالم قبل 10 سنوات، وهي الآن في طريقها بسرعة إلى الاعتماد على الواردات والانفتاح على انعدام الأمن الغذائي.
وقد اتخذت حكومة أردوغان إجراءات صارمة في أواخر العام الماضي، إذ جندت الشرطة وعناصر محلية لفرض تخفيض بنسبة 10 في المئة على أسعار المواد الغذائية. ومع ذلك، في حين انخفض التضخم بنسبة 0.44 في المئة في شهر ديسمبر، ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 1.4 في المئة. وفي مقابل نمو اقتصاد البلاد بنسبة 4.5 في المئة في الربع الثالث من العام الماضي، اقتصر النمو في قطاع الزراعة على 0.7 في المئة.
وكانت المنتجات الستة التي سجلت أعلى معدلات تضخم في شهر ديسمبر هي جميع المواد الغذائية الأساسية، حيث احتل الباذنجان المرتبة الأولى بحوالي 37 في المئة والبصل والبطاطا في المرتبة الخامسة والسادسة بنسبة 16.4 في المئة و9.36 في المئة على التوالي.
دون إصلاحات الإنتاج والدعم الاستراتيجي والإعانات اللازمة لإحياء الحياة في قطاع الزراعة في تركيا فإن استراتيجية أردوغان المتمثلة في التنازل عن رسوم الاستيراد على الغذاء ستتكرر على الأرجح هذا العام.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-food/could-turkey-face-food-insecurity
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.