غوكهان باجيك
يونيو 05 2018

هل يمكن تجديد الالتزام الديني في الإسلام بتركيا؟

أوجدت ممارسات مزعجة من جانب شخصيات إسلامية في عدد من الدول ومنها تركيا ردَّ فعل ملحوظا ضد التدين، وحتى ضد الدين نفسه.

يبدو أن الإيمان في ازدياد كما يزداد اهتمام الناس بالأفكار الإصلاحية بشأن الإسلام.

وبملاحظة أصوات اجتماعية وفكرية تطالب بتجديد إسلامي أصبح كثير من الناس أكثر تفاؤلا بشأن إمكانية تحقيق ذلك.

لكن هل من الطبيعي توقع تجديد في التقاليد الإسلامية؟

قبل مناقشة ذلك ينبغي شرح نقطة محددة، وهي أن ما نلحظه من فشل الشخصيات الإسلامية في دول مثل تركيا في شكل فساد واستبداد ما هو إلا انعكاس ملموس للوصفة الإسلامية التي يتبعونها.

إن هؤلاء الفاعلين الإسلاميين يستحقون انتقادا لاذعا على فشلهم، لكن وفي إطار أوسع، فإن تلك المشكلات انعكاس طبيعي للنظرية الإسلامية، وبمعنى مجازي البرمجة الإسلامية التي استخدمتها الشخصيات الإسلامية.

وبجانب المسؤوليات الشخصية لتلك الشخصيات الإسلامية، فإن ما يهم أكثر هو مجموعة المشكلات الناجمة عن التفسير السائد للإسلام، وذلك يمكن للمرء أن يقول إن الالتزام الديني في الإسلام سينجم عنه على الأرجح المشكلات نفسها.

وبصرف النظر عما نأخذه، سواء كتاب صغير في الأحكام الشرعية داخل مسجد، أو الاستماع إلى زعيم في حركة دينية، فإننا سنواجه بالتأكيد الالتزام الديني الذي يعود بجذوره إلى القرن الثاني عشر.

إنه التزام ديني لا مكان فيه للفلسفة والتفكير المستقل في تفسير الدين. والأسوأ منذ ذلك، أن الالتزام الديني الإسلامي يتعاون بشكل وثيق مع الدولة.

الإمام الغزالي (1051-1111)، وهو العالم الرئيسي الذي شكلت أفكاره الالتزام الديني الإسلامي، لعب أيضا دورا مؤثرا في مواجهة الفلسفة، وقال في أحد كتبه إن الدولة والدين توأمان.

فكرة تعريف الدولة والدين كتوأمين فسرها أيضا نظام الملك في كتابه "سياسة نامة" أو (سير الملوك). ومنذ ذلك الحين تحول هذا النموذج إلى برنامج عمل في المجتمعات الإسلامية التي تضع رجال الدين تحت رعاية وسيطرة الدولة.

وكأمر واقع ولاستمرار نفس التقليد، فإن رجال الدين المسلمين، وعلى سبيل المثال أئمة في مساجد بتركيا اليوم، لا يزالون يعملون لكل من الدولة والدين. وهكذا، فإن الآلية الأساسية التي تشكل فهم الإمام للدين هي التحالف بين الدولة والإسلام.

وبنفس سمات الالتزام الإسلامي، تواصل المساجد في الوقت الراهن مهمة الاعتماد على التحالف التاريخي بين الدولة والدين. وبشكل عملي فإن المسجد مكان تتحدث فيه الدولة عبر سياق ديني.

ومن منظور أوسع، فإن الحوار في المسجد لا يكون فقط في سياق العبادة بل يمتد إلى الدولة.

ولأنها مضبوطة وفقا لنظام تدريجي تسلسلي فإن أكثر ظاهرة غير مرغوبة في الالتزام الديني الإسلامي هي المجال المستقل.

ونتيجة لذلك، أصبح العالم الإسلامي وبشكل دائم بيئة صعبة أمام الفنانين والتجار والعلماء والصحفيين الذين يعتمد بقاؤهم المهني على الاستقلال.

وفي الوقت نفسه، نجح رجالُ الدين الإسلاميون – الذين يرتبطون بالدولة والدين معا- في تحويل الإسلام إلى دين قانون وليس دين أخلاق.

وانعكاسا للهوية المزدوجة لهم، فإن رجالَ الدين الإسلاميين انتقدوا مناطق آمنة عديدة مثل جسد المرأة. وبالكتابة والحديث لقرون عن نفس المناطق الآمنة بدلا من الحديث عن الفاسدين، أو النخب الحاكمة المستبدة، فإنهم حولوا الإسلام إلى حديث خالص عن مواجهة التفرد وعن الإذعان.

ونتيجة لذلك، فإن أي كتاب عادي في أحكام الشرع يرشح اليوم للمسلمين لأغراضهم اليومية، سيكون على الأرجح مناقشات بشأن جسد المرأة، بدلا من أن يناقش الجرائم المزعجة التي يرتكبها عملاء الدولة.

وهنا ينبغي التركيز على نقطة، وهي أن الالتزام الديني لم يكن أبدا مسألة اختيار فكري، بل كان انعكاسا طبيعيا للديناميكيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي سادت في العالم الإسلامي.

وبشكل منطقي، فإنه ما دامت المجتمعات الإسلامية منظمة وفقا لنفس الأشكال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فلا توجد فرصة لتحدي الالتزام الديني.

ولذلك فإن توقع التجديد في التقاليد الإسلامية كرد فعل لفشل العديد من الشخصيات الإسلامية هو أمر غير وارد.

وينبغي هنا أن نذكر أنه من وقت لوقت ظهرت آمال الإصلاح هذه في العالم الإسلامي، وأثارت حماسا ضخما، لكنها كانت تتلاشى ليعود الالتزام الديني.

على سبيل المثال، حسن العطار؛ وهو إصلاحي مصري عاش بين عامي 1766 و 1835، عرض الكثير من الأفكار الإصلاحية عن الإسلام التي ربما تكون مفاجئة اليوم، بعد نحو قرنين من الزمان. ومع ذلك، تلاشى تأثير العطار وعاد الالتزام الديني ليهيمن مجددا دون أي تسامح مع أي نهج مخالف.

وتدل قضية العطار وإصلاحيين آخرين كثيرين على أن الأمل في تجديد التقاليد الإسلامية بالتدخل الفكري فقط هو مجرد أمنيات.

وقال ستيفن أوزمنت في محاضرات بجامعة هارفرد بشأن الإصلاح المسيحي في السبعينيات من القرن العشرين: إن قدرة الوسائل الفكرية على تجديد التقاليد الدينية محدودة.

ولذلك فإن ما غير سلوك الناس مع الدين في الغرب كان في معظمه الإجهاد الذي سببه لهم الدين وليس التدخل الفكري من جانب الإصلاحيين. 

أو بمعنى آخر، فإن المجتمعات الغربية، بعد تغييرات ثورية في السياسة والمجتمع، خاضت عملية علمنة وليس تجديد للمسيحية.

وذلك، ووفقا لهذا التفسير، ماذا يحدث حاليا في العالم الإسلامي؟ 

على مدار عصور، كان عدد قليل من الفاعلين الإسلاميين الذين تربوا في بيئات دينية يتبنون مواقف إصلاحية في الأربعينيات من أعمارهم بعدما يشاهدون بشكل شخصي المشكلات المرتبطة بالتقاليد الإسلامية. لكن جهودهم الإصلاحية فشلت في تحقيق تغيير في وجه الالتزام الديني.

واليوم نشاهد الظاهرة الاجتماعية نفسها في تركيا. جيل مسلم معظم المنتمين له في الأربعينيات من أعمارهم، يتجاوبون بشكل إصلاحي مع الأحداث بعدما لاحظوا المشكلات التي نجمت عن التفسير السائد للإسلام.

ولكن ومثل الأجيال السابقة فإن الجيل الحالي سيفشل على الأرجح وسيصبح في طي النسيان.

وما دامت المجتمعات الإسلامية تواصل العمل وفقا للنظم التسلسلية، حيث لا يوجد تسامح تجاه نماذج اجتماعية وسياسية بديلة تسمح بمجال من الاستقلال، فإن التفسير السائد للإسلام سيستمر إلى إشعار آخر.
 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً: