هل يمكن لبرنامج تركيا الاقتصادي الجديد أن ينهي الأزمة؟

لم يؤثر النموذج الاقتصادي الجديد لوزير الخزانة والمالية التركي بيرات البيرق على الأسواق المحلية والخارجية. وأعلن عن النموذج الجديد في العاشر من أغسطس وعُلقت عليه آمال كبرى. وفي واقع الأمر، بما أنه لم يتضمن أي تدابير لتعزيز الثقة في الاقتصاد، تراجعت الأسواق وفقدت الليرة قيمتها وزادت أسعار الفائدة والتضخم ومعدل البطالة.
وقدم البيرق برنامجاً اقتصادياً جديداً الأسبوع الماضي، لكن مثل سابقه تماماً، فشل في غرس الثقة في الأسواق. أهداف ومقاصد برنامج الفترة من 2018 إلى 2021 بعيدة كل البعد عن الإقناع. السمة المميزة الوحيدة لهذا البرنامج الجديد هي إقراره بأن ثمة أزمة اقتصادية.
يتوقع البرنامج الجديد أن يصل سعر صرف الدولار إلى 4.90 ليرة في عام 2018، مما يعني أن الخطة يجب تعديلها في وقت قريب إذ أن سعر صرف الليرة بلغ الآن 6.19 مقابل الدولار.
من المفارقات أنه قبل يوم واحد من إعلان صهره البيرق عن البرنامج، الذي يقبل بوجود أزمة اقتصادية، قال الرئيس رجب طيب أردوغان "لا توجد أزمة، بل هو تلاعب".
وقال البيرق أيضاً، قبل يومين من إعلان برنامجه الاقتصادي الجديد، إن تضخم الأسعار سيبدأ في التراجع في شهر أكتوبر وسيصل إلى رقم في خانة الآحاد في عام 2019. وبعد بضعة أيام، قال إن الحكومة تتوقع أن يصل التضخم إلى 20 في المئة في 2018، وإلى 15 في المئة في عام 2019. ولا يتوقع البرنامج تراجع التضخم إلى رقم في خانة الآحاد في أي وقت قبل عام 2020.
ويتوقع البرنامج الاقتصادي الجديد معدلات نمو تبلغ 2.3 في المئة في عام 2019 و3.5 في المئة في عام 2020، مما يدل على تباطؤ الاقتصاد وزيادة البطالة. وفي نفس اليوم الذي أعلن فيه البيرق عن البرنامج، عدلت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية توقعاتها للنمو في 2019 لتركيا هبوطاً بنسبة 0.5 في المئة، أي أقل بمقدار الربع من توقعات البيرق.
ويقر البرنامج الذي يمتد لثلاث سنوات بأن البطالة سوف تستمر في الارتفاع في العامين المقبلين. حتى في عام 2021، وفقاً للخطة، لن تتمكن تركيا من خفض معدل البطالة إلى مستويات يونيو 2018. ووفقاً للأهداف، من المتوقع أن تصل نسبة البطالة إلى 12.1 في المئة في عام 2019، وإلى 11.9 في المئة في عام 2020، وإلى 10.8 في المئة في عام 2021.
لكن مؤشر ثقة المستهلك الأخير، الذي تم الإعلان عنه في سبتمبر، يشير إلى أن البطالة قد تتجاوز هذه الأهداف.
ومع ذلك، وفقاً لوزير العدل عبد الحميد غول، فإن المشكلة ليست مالية وإنما نفسية.
ويتوقع البرنامج الحكومي الذي يمتد لثلاث سنوات أن يستمر التضخم في الصعود. وتوقعات الحكومة لعام 2018 تبلغ 20.8 في المئة وهي أعلى بنسبة 7.4 في المئة من تقديرات البنك المركزي البالغة 13.4 في المئة. ويشهد التناقض الكبير بين البنك المركزي ووزارة الخزانة والمالية على الارتباك والتضارب داخل الحكومة ويتناقض مع المبادئ الرئيسية للبرنامج الاقتصادي ألا وهي "التغيير والتوازن والانضباط".
وتقر الحكومة بأن انكماش الاقتصاد سوف يتسارع في السنوات القادمة لأن توقعاتهم لعجز الحساب الجاري كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من المتوقع أن تتراجع بنسبة 3.3 في المئة.
تم التخلي عن زعم أردوغان المتكرر بأن تركيا ستنضم إلى أكبر 10 اقتصادات في العالم بحلول عام 2023، إلى جانب أهداف تصدير سلع بقيمة 500 مليار دولار وزيادة دخل الفرد إلى 25 ألف دولار.
كما يتوقع البرنامج انخفاضاً في الواردات وأن يتم تعديل نسبة عجز الحساب الجاري إلى الناتج المحلي الإجمالي بالخفض. وبما أن إنتاج تركيا للسلع الصناعية والتصديرية يعتمد على الواردات، فإن هذا يعني أيضاً أن الإنتاج سينخفض. إذا كان هذا هو الحال، فإن صادرات الشركات التي تعتمد على الواردات الوسيطة والآلات والمواد الخام ستنخفض حتماً أيضاً.
علاوة على ذلك، يفتقر البرنامج إلى وجود مقترحات ملموسة لحل الأزمة الاقتصادية.
يقدم الحل الأكثر تحديداً في البرنامج مقترحاً لخفض الإنفاق الحكومي بمقدار 60 مليار ليرة وزيادة الإيرادات الضريبية بمقدار 16 مليار ليرة. ومع ذلك، فإن خفض الإنفاق العام من شأنه أن يزيد من تباطؤ الاقتصاد، وليس من الواقعي استهداف زيادة قدرها 16 مليار ليرة في عائدات الضرائب بينما من المتوقع أن ينكمش الاقتصاد. والطريقة الوحيدة لتحقيق هذا الهدف هي زيادة الضرائب غير المباشرة، ومن شأن هذه الزيادة أن تجعل من المستحيل الوفاء بأهداف التضخم.
ويتمثل أحد المقترحات في توفير 10 مليارات ليرة في نفقات الضمان الاجتماعي، مما يعني أنه بالإضافة إلى زيادة مساهمات الخدمات الطبية زيادة كبيرة، سيتم كذلك خفض بعض الخدمات الصحية المجانية بموجب الضمان الاجتماعي. 
أعلن البرنامج عملياً أن فترة السنوات الثلاث حتى عام 2021 ستكون سنوات الضياع في تركيا. لكن الأزمة هنا بالفعل. فقد انخفض عدد الشركات الناشئة بنسبة 20 في المئة الشهر الماضي، وارتفع عدد الشركات التي أغلقت بنسبة خمسة في المئة.
لكن من المثير للاهتمام أن جميع رابطات الأعمال التجارية ورجال الأعمال والصناع والتجار والمنظمات الجارية والجمعيات لم يكن لديها سوى الثناء على البرنامج الاقتصادي الجديد.
ربما تفسر كلمات أردوغان الأخيرة صمتهم. وفي حديثه في اسطنبول، قال "إنني أتوجه إلى أصحاب مراكز التسوق مرة أخرى، إذا واصلتم استخدام الدولار الأميركي بدلاً من الليرة التركية، فنحن آسفون، سوف يكون هناك تداعيات. هذه هي تركيا، وأموالنا هي الليرة التركية". في رأيي، الخوف يفسر صمت عالم الأعمال.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-economy/psychological-or-financial-can-turkeys-new-economic-programme-end-crisis
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.