هل يمكن لقومية أتاتورك أن تكون ترياقًا للإسلام السياسي

أنا لا أتحدث هنا عن جدلية رفع الآذان باللغة التركية وهو أمر لا شبيه له في أية دولة مسلمة أخرى لا تتحدث العربية. ولا أتحدث كذلك عن استراتيجية "أكمل الدين" التي تنتهي بالخبز (في إشارة إلى شعار "من أجل الخبز" الذي رفعه أكمل الدين إحسان أوغلو المرشح للانتخابات الرئاسية التركية عام 2014 الذي دفع به حزبا الشعب الجمهوري، والحركة القومية منافسًا لأردوغان). تلك الاستراتيجية التي ما زالت قائمة ويقول المؤمنون بها "لنجد لنا مرشحًا يمينيًا معقولًا حتى يمكننا الحصول على أصوات من قاعدة الناخبين اليمينيين.
أنا كذلك لا أتحدث هنا عن غلق مدارس الأئمة والخطباء (دينية تعرضت للغلق من قبل) ولا عن تحويل المساجد والجوامع لاسطبلات خيول (كما حدث في فترة حكم حزب الشعب الجمهوري لتركيا). كما لا أتحدث عن ممارسات (متعلقة بالتضييق على الدين الإسلامي) الرئيس عصمت إينونو الذي تولى حكم البلاد بعد مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية، ولا أتحدث كذلك عن المحاكمات التي قامت بها محاكم الاستقلال(لمحاكمة المتمردين آنذاك).
ما أحاول أن أتحدث عنه في هذا المقال ليس سلسلة "الأخطاء" التي نِصْفُها حقيقة والنصف الآخر منها مبالغة، والتي لم يعد الكماليون يدافعون عنها بعد.
لكن دعوني أقول لكم إننا رغم كل هذا، ورغم ما وضحته أعلاه، متفقون على أن الرئيس رجب طيب أردوغان لا يضيع الوقت بموضوعات بالية يطرحها علينا بين الحين والآخر من أجل التلاعب بالمجتمع التركي كله.
أنا هنا أتحدث عن الحركة الكمالية "التي نأمل أن تنقلنا من الظلام إلى النور، والتي وضعت العلم نبراسًا لها، وتبنت العصرية من خلال صرف وجهها صوب الغرب، وقامت على مبدأ الثورية، وتوجت بالعلمانية، وتقف مع المرأة، والطفل، والطرف الآخر".
والسؤال الآن هل الحركة الكمالية يمكن أن تكون ترياقًا اليوم للإسلام السياسي؟ وهل قومية أتاتورك يمكنها أن تحررنا اليوم؟
  وكيف لوجهة النظر الكمالية أن تصبح اليوم مقترح حياة مختلف لمواجهة تلك العقيدة المتشددة القائمة على إيديولوجية الرجل الواحد التي يغذيها الإسلام السياسي، والتي ترى الجميع أعداءً؟ وكيف يمكننا أن نشكل هوية تقف أمام التصرفات التي يتبناها الإسلام السياسي، وكلها خاوية المضمون تتسم بالبدائية، والعزلة عن العالم؟ وأي عمليات تجميلية كان لها الفضل في فصل النظرة التقدمية للحركة الكمالية، عن الإسلام السياسي؟
لا شك أن الاختلاف كبير وواضح بين المحافظين والأحزاب التقدمية اليسارية في العالم المتحضر. حسنًا أي موضوعات تظهر لنا بجلاء الاختلافات بين الإسلاميين السياسيين والكماليين في وطننا؟
وأي اختلاف يمكننا أن نجده بين شاب أتاتوركي الهوى، وآخر تربى في الجمعيات العثمانية بخصوص الإبادة الأرمنية وغيرها من الجرائم التي ارتكبتها الدولة التركية أو بخصوص الممتلكات التي استولت عليها الدولة وسلبتها من الأقليات التي تعيش على أراضيها مثل استيلائها على مدرسة الرهبان اليونانية فى جزيرة هيبلى الواقعة فى بحر مرمرة، قبالة سواحل مدينة إسطنبول، والتى تم إغلاقها عام 1971؟
وأي النقاط التي لا يتلاقى عندها الشباب من الفريقين بخصوص احتلال الجمهورية التركية لمدينة "عفرين" السورية؟ وكيف هي النظرة الإيديولوجية للفريقين حيال القضية الكردية لا سيما في ظل ما يعانيه الأكراد من ظلم تعرضوا له على مدار سنوات طوال؟
وكيف يرى الفريقان من وجهتي نظريهما المدن الكردية التي هدمت نتيجة العمليات الأمنية التركية، كسور، وليجه، وجزره، وروبوسكي؟ وما انطباعاتهم بخصوص أعضاء حزب الشعوب الديمقراطي المعتقلين، صلاح الدين دميرطاش، وفيغان يوكسك داغ، وإدريس بالوكن؟
في الحقيقة هناك عشرات الأمثلة التي يمكننا من خلالها إثبات الفرق الكبير بين الإسلاميين والقوميين في السباق المحموم بينهم من أجل الاتصاف بكل ما هوي سيئ.
فالذي يجمع بين الشباب –الرجعي والتقدمي - من الجانبين على نفس القاعدة، هو أوجه الشبه القائمة بينهما في أساسيات الفكر المشترك. فهل من الممكن أن يخرج في الحقيقة نظام "غربي، عادل، ذا حرية" من خلال هذه المنافسة القائمة بين من يريد أن يكون تركيًا، والآخر الذي يريد أن يكون إسلاميًا؟
وهل أن يصبح المرء تركيًا أكثر، أمر يعني معارضة نظام مستبد عزز نظامه بأكثر القيم وحشية من خلال التوليف بين التركي والإسلامي؟ وهل بإمكان أردوغان أن يكون يمينيًا أكثر؟ وهل اليمين التركي، والقومية التركية يمكنهما إيقاف الإسلام السياسي أم تعزيزه؟
وهل إحساس ميرال أكشينار، وكمال كليجدار أوغلو بالرغبة في جعل الطلاب يرددون القسم القومي كل صباح، ويقولون كلمة "تركي"، أمر يشكل مشكلة بالنسبة لأردوغان الذي يستعد لتأسيس نموذجه الأخير؟
حقيقة أنا أدرك مشكلة من يرغبون في الاستمرار كـ"تنويريين تقدميين" من خلال سعيهم للتفوق على أردوغان في توضيح المميزات التي يتمتع بها شعبنا على العالم أجمع، وتوضيح أننا "محاطون بسبع دول جوار من الأعداء"، وأننا على مر التاريخ محقون في كل شيء لمجرد كوننا أتراكًا.
مثل هؤلاء لا يعلمون شيئًا، ولا يوجد لديهم ما يمكنهم اقتراحه لنا. ولا جديد عندهم في الكلام. فهم والكسل لا يتفارقان منذ 100 عام، لم يفكروا يومًا ما. ولم يعملوا عقلهم في يوم من الأيام لمعرفة ما يمكن أن يقدموه للناس إذا اقتضى الأمر منهم إعادة تأسيس الدولة.
لقد اعتقدوا أن عمر الأفكار القسرية سيكون أبديًا، تمامًا كما يفعل أردوغان الآن. ومن ثم ظلوا خارج حدود كل ما هو عصري شأنهم في ذلك شأن أردوغان.
لكن لا شك أن أردوغان سيخرج من حياتنا يومًا ما. حسنًا، عندئذٍ كيف ستكون أفضل الأفكار لدينا من أجل هذا الوطن؟
لقد بات من الضروري الآن أن نقول أشياءً جديدة، فلا زال هنا فسحة من الوقت لنقول ما هو جديد.

 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/guncel/ataturk-milliyetciligi-siyasal-islama-panzehir-olabilir-mi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.