واقعة سجن مالتبه: التحقيق مع السجناء بسبب "سَلطة الخيار باللبن"

خضع العديد من السجناء للتحقيق خلال الفترة الأخيرة، بزعم الإخلال بالنظام العام داخل السجن، وكانت "سلطة الخيار باللبن" هي السبب وراء فتح هذه التحقيقات الغريبة. 

حدثت هذه الواقعة مع نزلاء الفئة (ل) في سجن مالتبه في تركيا؛ حيث عمدت إدارة السجن إلى فتح تحقيق مع عدد من السجناء، الذي اشتكوا من عدم الحصول على حصتهم المقررة من الطعام. وتدور أحداث هذه الواقعة، التي حيرت الألباب، على النحو التالي:

يقبع السجناء المتهمون في قضايا سياسية في عنبرين منفصلين داخل سجن مالتبه الفئة (ل). وما حدث هو أن إدارة السجن قدمت في أحد الأيام  وجبة غذائية تحتوي على أصناف من الأطعمة مثل الأرز والباذنجان باللحم وسلطة الخيار باللبن. ولكن كمية سلطة الخيار باللبن جاءت قليلة في هذه المرة؛ مما حدا بالسجناء في أحد العنبرين إلى إظهار غضبهم من هذا قائلين "هذه الكمية من الطعام ليست كافية. إذا كانت الكمية التي أرسلتموها إلى العنبر الآخر لا تكفي حاجة أصدقائنا هناك أيضاً، فأرسلوا لهم حصتنا حتى يكمل عنبر واحد على الأقل طعامه". قام ضباط السجن على إثر ذلك بالانتقال إلى العنبر الآخر.

وجد ضباط السجن، عندما دلفوا إلى العنبر الآخر، أن السجناء قد أنهوا طعامهم منذ فترة، وانتقلوا إلى المكان المخصص لاحتساء الشاي وتدخين السجائر. وعندما قال لهم العاملون في السجن "إن أصدقاءكم في العنبر المجاور يرسلون لكم حصتهم من "سلطة الخيار باللبن" رد عليهم السجناء قائلين "لقد انتهينا من تناول الطعام. أعيدوا إليهم حصتهم مرة أخرى". ما حدث هو أن إدارة السجن اعتبرت أن عدم قبول السجناء الطعام كان للتعبير عن احتجاجهم، ولم تتوانَ عن فتح تحقيق معهم بتهمة الإخلال بالنظام العام داخل السجن. 

قامت سلطة التحقيقات بالسجن باستدعاء السجناء، والاستماع إلى دفاعهم. وما زالت التحقيقات جارية إلى الآن، ولا يستطيع أحد التكهن بالعقوبة التي سيتعرض لها هؤلاء الأبرياء. كان الذهول هو سيد الموقف بين جميع السجناء، الذين اضطروا إلى المثول أمام سلطات التحقيقات لأخذ أقوالهم؛ لأن هذه هي المرة الأولى التي يتعرضون فيها لمثل هذا الموقف.

وعلى الجانب الآخر، علَّق رجال القانون على واقعة إخضاع السجناء للتحقيق لأسباب واهية بقولهم "إن هذا النوع من الحوادث بدأ ينتشر بشكل كبير في الآونة الأخيرة، على وجه الخصوص، وإن هناك أعداداً كثيرة من السجناء لم تغادر السجن، على الرغم من انتهاء فترة عقوبتهم بسبب وقائع مشابهة لتلك الواقعة".

في تلك الأثناء، راحت أعداد غفيرة من المحامين تتردد على السجن؛ للدفاع عن موكليهم من السجناء، وللتأكيد على ما تعرَّضوا له من انتهاك واغتصاب لأبسط حقوقهم. وفي الإطار ذاته، أعدت منصة الحقوقيين التحرريين تقريرًا عن انتهاكات حقوق الإنسان داخل السجون التركية في منطقة مرمرة؛ أكَّدت فيه على وقوع الحوادث المشابهة لهذه الواقعة. أكَّد التقرير كذلك على تعرُّض السجناء لمعاملة مشينة، وعدَّد بعض هذه السلوكيات على النحو التالي:

في الوقت الذي تحظر فيه بعض السجون على السجناء قراءة الصحف والمجلات والكتب داخل محبسهم، وخاصة المنشورات اليسارية، تسمح بعض السجون الأخرى بقراءة الكتب؛ شريطة ألا يزيد عددها عن خمسة فقط، ويُسمح في مناطق أخرى باصطحاب عدد من الكتب لا يزيد عن 10-15 كتاب على أقصى تقدير. 

يخضع القرار في مثل تلك الأمور لأهواء إدارة السجن؛ لتحدد كيفما تشاء، بل يصل الحال لدى بعضها بأن ترفض تماماً دخول أي كتب من خارج السجن. وفي المقابل، تجبرهم على شراء ما يحتاجون إليه من مركز البيع التابع للسجن بأسعار تعادل ضعف أو ثلاثة أضعاف سعرها الحقيقي.

وعندما يمرض أي من المعتقلين، أو يشعر بوعكة صحية، فإنهم لا يقومون بنقله إلى المستشفى، أو المحجر الصحي. وإذا قاموا بنقله فإنهم يتأخرون كثيرًا في اتخاذ هذه الخطوة. وهناك أمراض مثل آلام الأسنان التي يعاني فيها المرضى أشد المعاناة حتى يجدوا من يهتم لأمرهم. وتقوم إدارة السجن في كثير من الأحيان باقتياد المرضى إلى المستشفى، وهم مقيدون بالأغلال، علماً بأنها لا تنقل المريض إلى المستشفى إلا عندما تسوء حالته، كما يحدث مع مرضى السكر والضغط.

كما أنهم يبيعون السلع بأسعار باهظة في كافتيريا السجن، ولا يُسمح للسجناء بجلب أي أغراض من الخارج. وعلى الرغم من كون كافتيريا السجن هي الوجهة الوحيدة أمام السجناء، إلا أنهم لا يجدون كافة احتياجاتهم بها. 

من ناحية أخرى، تضع إدارة السجن محاذير مختلفة على حق السجناء والمحتجزين في التواصل عبر الهاتف أو أية وسيلة أخرى؛ فإذا كتب السجناء رسائل إلى ذويهم، فإنهم يتأخرون في إرسالها، أو أنهم لا يرسلونها من الأساس. أما إن كانت هذه الرسائل مكتوبة باللغة الكردية فمن المؤكد أنهم لن يرسلوها، زاعمين أنه لا يوجد أحد من إدارة السجن يجيد هذه اللغة.

تحاول كذلك إدارة السجن أن تحد، بقدر الإمكان، من ساعات الترويح المقررة لنزلاء السجن.

وتقوم إدارة السجن، من ناحية أخرى، بإسكان ما بين 18-20 شخصاً في عنابر السجن، التي لا تزيد سعتها القصوى عن 8-10 فرد. وعلى الرغم من تجاور الأَسِرَّة المكونة من طوابق إلى جانب بعضها البعض، إلا أن هناك أعداداً لا تجد لها مكاناً، فتضطر إلى افتراش الأرض.

تتعمد السلطات كذلك، منذ فترة طويلة، منع الدورات الدراسية في مجالات الآلة الكاتبة، والحاسب الآلي، والرسم على الماء. 
أضف إلى هذا أن مزاولة النشاط  الرياضي صار، هو الآخر، من المحظورات؛ حيث لا يُسمح به في كثير من السجون، في حين تسمح بمزاولته أعداد محدودة من السجون، ويكون في نطاق ضيق للغاية.

ويتعرض السجناء إلى جانب هذا لمحاولات إذلال وانتهاك لحقوقهم الأساسية.

من ناحية أخرى، يؤكد رجال القانون على استمرار تأثير حالة الطوارئ، على الرغم من رفعها، وهو الأمر الذي جعل إدارة  السجن تمنع لقاء السجناء بموكليهم، على الرغم من إتاحة القانون لهم هذا الحق.

يؤكد مسؤول لجنة السجون في منصة الحقوقيين التحرريين المحامي باران جليك على تردي الأحوال المعيشية داخل السجون، وكيف أن الأمور ازدادت سوءاً في ظل فرض حالة الطوارئ، ويضيف قائلاً:

"تعرّض السجناء خلال السنوات الأخيرة لانتهاكات كثيرة. لم نر في أي وقت مضى هذا القدر من الإجراءات التعسفية بحق السجناء. لم تجد إدارات السجون ما يمنعها، وهي تضع القيود والمحاذير وفق أهوائها على حياة السجناء داخل السجن. ويمكن القول "إن هناك مطالب جادة الآن لإدارات السجون بالكف عن هذه الإجراءات غير المبررة".

أما المحامية راضية تورغوت، وهي من أعضاء منصة الحقوقيين التحرريين كذلك، فتقول "إن تزايد حالات انتهاك الحقوق الإنسانية كان أحد الأسباب الرئيسة خلف انتشار اللغة التي تدعو إلى الاستقطاب داخل المجتمع التركي، كما أن عدم الفصل في ملفات الجرائم المنسوبة للمعتقلين كان السبب وراء عودة مثل هذه الإجراءات". 
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/cezaevleri/maltepe-cezaevinde-aziz-nesinlik-vaka-cacik-sorusturmasi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.