سابين كوبر بوش
أكتوبر 22 2018

وداعاً آرا جولير.. المصوّر الذي كشف جمال إسطنبول

تحولت عبارة "وداعا آرا جولير" إلى وسم عالمي على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية. فموت المصوّر التركي الأسطوري مساء يوم الأربعاء الماضي خلق موجة من الحزن والتعاطف.
على صفحتها بموقع فيسبوك، نشرت رسامة الكاريكاتير التركية راميزي إيرير صورة ثمينة يعود تاريخها لخمسينات القرن العشرين وأضاف إليها نفس الوسم.
نشرت إيرير صورة لامرأة من أناتوليا تضع غطاء للرأس وترتدي عباءة وتقف على أطراف أصابعها. في الصورة تظهر المرأة وهي تقدم لفافة طعام إلى رجل من خلال كوة في جدار سفينة كبيرة على ضفاف مضيق البوسفور في إسطنبول.
في النهاية كانت صورة تجمع شظف العيش بعيدا عن المنزل، ووحدة من تُركوا بمفردهم، والجمال المبهر لمنطقة إسطنبول في قطعة فريدة من العزف المصوّر.
هي صورة بالأبيض والأسود، لكنها رغم ذلك محاطة بإطار مثالي وبها لمسات رمزية تفجر في الناظر طيفا من المشاعر.
كانت هذه هي نوعية الصور التي صنعت شهرة آرا جولير.
بالنسبة لكثيرين، كان الرجل الذي قاسى الوحدة - والذي جاب شوارع المدينة حاملا الكاميرا - بمثابة "عين إسطنبول". 
كتبت عنه المصورة الكورية الجنوبية يونجهي كيم من الولايات المتحدة على صفحتها في موقع فيسبوك "كانت إسطنبول خلفية لوحاته، وورقته."
أجاد جولير استغلال معالم المدينة: قطار الترام القديم في قلب عاصفة ثلجية في شارع الاستقلال الشهير، السفن والزوارق السريعة والصيادون في مياه مضيق البوسفور؛ الصناع والعمال، البسطاء في الشوارع.
إسطنبول بالنسبة له كانت صندوقا مليئا بالجواهر والأحجار الثمينة، مثلما وصفها هو نفسه ذات مرة.
في أغسطس الماضي، افتُتح متحف للصوّر حمل اسم جولير في بومونتيادا، وهي ضاحية في إسطنبول كان أكثرية سكانها من غير المسلمين قبل خمسينات القرن العشرين.
ونظمت مراسم افتتاح المتحف في بومونتيادا في أغسطس الماضي احتفالا بعيد الميلاد التسعين لجولير.
بسبب المشاكل الصحية التي كان يعاني منها، أُحضر المصور العجوز على كرسي متحرك وتم تقطيع كعكة عيد الميلاد.
وضم المعرض صورا وقصصا ومقاطع فيديو ورسومات ومواضيع وكتبا من أرشيف آرا جولير.
وقالت نادلة تعمل في "مقهى آرا جولير" الشهير وهي تمسح عينيها من الدموع "مقعده الخالي من دونه سيترك فراغا كبيرا بالنسبة لنا."
ويقع المبنى المزدحم دائما بالقرب من مدرسة جالاتا ساراي الثانوية في ميدان شهير.
وحتى ما قبل محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو عام 2016، كانت كثير من التظاهرات تبدأ من هذه المنطقة بالتحديد.
كان المصور الراحل يعرف بمزاجه المتقلب الذي لا يمكن توقعه. غير أنه لطالما تعامل مع المحيطين به في العمل كأب حقيقي.
كان جولير رجلا تتجسد فيه المتناقضات. ففي البداية تدرّب ليصبح ممثلا على يدي الممثل التركي المعروف محسن إرتوجرول.
بعدها قرر أن يدرس الاقتصاد. وفي النهاية أنصت لرغبته فاختار التصوير مهنة له.
ورغم ارتباطه الوثيق بإسطنبول، قاوم جولير على الدوام التفسير أحادي المفهوم لشخصه أو لعمله. في الحقيقة، لم يشأ الفنان الراحل أن يصنفه أحد كمؤرخ لمدينة واحدة دون سواها.
وقال جولير ذات مرة "ينعتني الناس بمصوّر إسطنبول. لكني مواطن عالمي الهوى. أنا مصوّر للعالم."
ولد جولير عام 1928 في إسطنبول لأبويين أرمينيين. ولطالما رفض المصور الراحل التعليق على جذوره أو أصله. كانت إجابته المعتادة على الأسئة سياسية الطابع "أنا عثماني."
بدأ جولير مشواره في التصوير مع صحيفة "يني إسطنبول" التركية. وفي عام 1953، التقى مع هنري كارتييه برينسو وانضم إلى وكالة ماجنوم الشهيرة حينها. كان يعمل لصالح مجلات كبرى مثل تايم لايف وباري ماتش.
على مدى مشواره المهني، التقط جولير كذلك صورا لشخصيات شهيرة مثل الرسام الإسباني سالفادور دالي ومخرج أفلام الرعب ألفريد هتشكوك ورئيس وزراء بريطانيا الراحل وينستون تشرتشيل والناقد الفني البريطاني جون برجر والفليسوف البريطاني الراحل برتراند راسل والسياسي الألماني فيلي براند والرسام الإسباني بابلو بيكاسو والممثلة الإيطالية صوفيا لورين.
حاز جولير على العديد من الجوائز عن أعماله: ففي عام 1961، اختارته هيئة فوتوغرافي أنيوال ضمن أفضل سبعة مصورين في العالم.
وفي عام 1962، تم اختياره ليكون "أستاذ الكاميرا". وفي عام 1968، وقع الاختيار عليها بالتصويت ضمن "أفضل عشرة أستاذة للتصوير بالألوان" من قبل متحف الفن المعاصر في نيويورك.

إسطنبول

رفض جولير رغم ذلك وبإلحاح مبدأ الشهرة. ولطالما ردد في مقابلاته قائلا "أنا لسا فنانا. بل مصور."
لكن أعماله ظلت رغم كل شيء تملأ المعارض باعتبارها قطعا فريدة تجسد الفن المعاصر.
وقبل أربع سنوات، عُرضت صوره في قاعة فيلي براند في برلين تحت اسم "آرا جولر – عين إسطنبول. إطلالة على الماضي بين 1955 و2005."
كل التحول الذي شهدته إسطنبول جسده جولر بطريقة رائعة من خلال عينه المبدعة. كان جولر على وجه التحديد مفتونا بجسر جالاتا وهو يمر فوق مياه القرن الذهبي.
التقط جولر صورة هذا المشهد بالأبيض والأسود وكذلك بالألوان، في الصباح وفي المساء أيضا، وفي مختلف المواسم.
صنع جولر رسوما فريدة. أحد كتبه خرج يحمل عنوانا يقول "الألوان الزائلة". وحين تعرض الجسر الرائع – الذي شيّد عام 1912 - لأضرار بالغة بسبب حريق عام 1992، كان الأثر بالغا على جولر.
لكن جولر واصل التقاط الصور للجسر الجديد.
وبعدها بست سنوات، بعد أن بلغ جولر من العمر 84 عاما، وافق على إقامة معرض يجسد فترات حياته وذلك للمرة الأولى.
نظمت المعرض الذي أقيم تحت اسم "آرا جولر الذي لا تعرفه" لورا ساري أصلان، ابنة إكنا ساري أصلان، وهو صديق جولر منذ الطفولة.
اندهش زوار المعرض للأفكار التجريدية التي حملتها الصور البراقة المتناثرة في محيط ساحر. وقال جولر للحاضرين في مراسم افتتاح المعرض "هذه هي الصور المكسورة، إنها تفتقر للوضوح، وهو أمر يعكس حياتي المنكسرة."
كان واضحا أن جولر الفنان لم يكن ليفصح عما بداخله في أرشيفه دون سبب.

آرا جولر – لورا ساري أصلان
آرا جولر – لورا ساري أصلان

يشعر ساري أصلان وهو مؤرخ وأمين متحف بحزن بالغ لرحيل رمز مهم في حياته. وحين عبر عما بداخله، خرجت ذكرياته عن هذا الفنان المتميز دافئة للغاية.
كتب ساري أصلان يقول "كبرت وأنا أستمع لما يرويه آرا حول طاولة العشاء من قصص وذكريات رائعة من مختلف أنحاء العالم. كان يتمتع بحس غريزي يسع العالم بأسره بكل سكانه، وكانت عيناه قادرتين على تقديم هذا بشكل مستمر حتى نهايته.
"لقد حالفني الحظ إذ أتيحت لي أيضا الفرصة لتنظيم معرضه الذي قدم فيه صورا مجردة لطريقة فريدة، وكان دوما منفتحا على الأفكار الجديدة، مثلما ينبغي لأي فنان عظيم أن يفعل."
سنفتقد بالتأكيد لحضور آرا جولر في المدينة التي لطالما صوّرها بعدسته بشاعرية. "وداعا آرا جولر."


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/ara-guler/photographer-who-unveiled-eternal-beauty-istanbul-ara-guler
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.