بيهتار أوكوتان
فبراير 17 2018

وزير الخارجية الأسبق ياشار ياقيش: سبق أن حذرت أردوغان.. القوى العالمية في سوريا وجهًا لوجه بسبب السياسة التركية الخاطئة

 

الحرب الداخلية في سوريا التي اندلعت عام 2011، تركت مكانها منذ عدة سنوات لحروب الوكالة التي تخوضها قوى عالمية. فكما هو واضح للجميع، تدعم الولايات المتحدة وحدات حماية الشعب الكردية المسلحة، وعلى الجانب الآخر تدعم روسيا نظام الأسد وجيشه. أما إيران التي تعتبر قوة إقليمية، فلها دورها النشط في منطقة قريبة من الجولان في مسعى منها لتشكيل تهديد لإسرائيل، من خلال مجموعة من المسلحين التابعين لها.
والآن مضى 28 يوما على عملية عفرين التي يشنها الجيش التركي. والهدف منها كما هو معلن، الاستيلاء على عفرين ومنبج الخاضعتين لسيطرة وحدات حماية الشعب الكردية، وتخليصها من السيطرة الكردية؛ لكن الوجود العسكري الأميركي في منبج، يمثل عائقًا أمام تحقيق هذا المخطط.
وبينما تلّوح تركيا بين الحين والآخر بتهديد استهداف الجنود الأميركيين حال عدم انسحاب الولايات المتحدة من منبج، نجد في المقابل المسؤولين العسكريين الأميركيين، يردون مؤكدين أن هذا التحرك "سيجد ردًا عدوانيًا".
وضمن هذه الصورة العامة، هناك حوادث فردية حتمية لا بد منها، كفيلة بجر القوى الكبرى في أي لحظة لأعتاب صدام ساخن. فمؤخرًا أُسقطت مروحية تركية من طراز "أتاك" خلال عملية عفرين، ولقي اثنان من الجنود حتفهما، هما من كانا على متنها وقت الإسقاط. وفي نفس التوقيت أسقط نظام الأسد طائرة من طراز "إف 16" أقلعت من إسرائيل، ودخلت الأجواء السورية، من أجل قصف بعض الأهدف داخل سوريا، إسقاط الطائرة الإسرائيلية تم بواسطة أنظمة دفاعية مدعومة من روسيا.
الرد بالمثل الإسرائيلي لم يتأخر كثيرًا، إذ قصفت قواتها الجوية 12 هدفًا إيرانيا داخل سوريا، كما شنت عمليات جوية ضد أهداف أخرى داخل البلاد. فضلا عن هذا، أعلنت إسرائيل أنها أسقطت طائرة بدون طيار إيرانية.
والأسبوع الماضي أيضا، تم إسقاط طائرة روسية من طراز "سو-25" في إدلب بالشمال السوري، وفقد قائدها حياته. وبعد الحادث ذكرت وسائل إعلام روسية مزاعم تفيد أن إسقاط الطائرة تم من خلال استخدام أنظمة دفاع جوي محمولة على الكتف تعرف باسم "مانباد" تستخدمها مجموعات مسلحة مدعومة من تركيا.
في إطار التطورات ذاتها، شهدت الأشهر الأخيرة اجتماعات بين تركيا وروسيا وإيران، واتفقوا على إعلان "مناطق خفض التصعيد"، في شمال شرقي محافظتي إدلب واللاذقية، وغربي حلب، وشمالي حماة، وفي منطقتي الرستن وتلبيسة شمالي حمص، وفي بعض المناطق المعروفة بمحافظتي درعا والقنيطرة.
لكن هناك مزاعم تقول إن روسيا وضعت هذه المناطق موضع التنفيذ ضمن هذا الاتفاق، لكي يحارب الأسد بأريحية في الجبهة التي يريدها حتى يتسنى له استعادة الأراضي التي خسرها.
وفي ضوء كل هذه التطورات الساخنة، وفي قاعدة "العديد" الجوية القطرية أكبر قاعدة عسكرية في الشرق الأوسط، رفعت الولايات المتحدة الأميركية، حالة الاستنفار إلى أعلى مستوى لها للمرة الأولى منذ حرب الخليج.
 
وزير الخارجية التركي الأسبق، ياشار ياقيش، التقى به موقع "أحوال تركية" للحديث عن هذه التطورات، وعن وضع تركيا الراهن، ودورها ومسؤوليتها عن الصورة العامة التي وصلت إليها الأمور والأحداث، لا سيما أن كافة المؤشرات تدلل على حقيقة مفادها أن كافة الأطراف في حالة استنفار، وتنذر باحتمال وقوع معارك ضارية.
 
ووفق ما قاله الوزير ياقيش، فإن تركيا في الفترات الأولى لاندلاع الحرب السورية، لو كانت تصالحت مع بشار الأسد، والأكراد، ما كان لها أن تتكبد ما تكبدته من خسائر ناجمة عن صراع القوى الكبرى في سوريا، وما كان لاحتمال تأسيس دولة كردية على الحدود أن يبرز بقوة كما هو بارز الآن.
الوزير الأسبق، لفت في حديثه إلى أن الصراع بين الجماعات المختلفة في سوريا خرج من كونه مجرد حرب بالوكالة، وتحول لوضع يحمل في طياته خطر جر القوى الكبرى في هذا الصراع. وزاد موضحًا أن تركيا ما كان ينبغي عليها أنت تكون طرفًا خلال تنفيذ تلك الجهات الفاعلة لسيناريوهاتها بالمنطقة.
وشدد ياقيش على أن تركيا بات من الضروري عليها لعب السيناريو الخاص بها، مضيفًا "إذا خرج الوضع الراهن من مجرد حرب بالوكالة، ليصبح حربًا حقيقية، فالخطر سيكون كبيرًا للغاية.".
وعن سياسة تركيا الحالية والسابقة بخصوص الأزمة السورية، تابع ياقيش قائلا:
"تركيا في الماضي كانت تتحرك في إطار التحالف الغربي، لكنها فيما بعد اضطرت للدخول في نطاق سيطرة روسيا. والآن تبدو في مكانٍ قريبٍ جدًا من موسكو، وتعطي انطباعًا يوحي بإمكانية دخولها في حرب مع الولايات المتحدة. وإذا تم توسيع عملية عفرين لتشمل مدينة منبج أيضًا، فهذا الخطر سيتعاظم لا محالة. وبحسب تصريحات وزير الخارجية الأميركي الذي قال إنه سيزور تركيا لبحث موضوعات قال إنها صعبة، فمن الواضح أن  المطالب الأميركية من تركيا ليست أشياءً من الممكن قبولها بسهولة من قبل أنقرة.
على تركيا أن تتصرف بحذرٍ أكثر مما مضى، لأنها في الوقت الراهن دُفِعت إلى عزلة على المستوى الدولي. فإذا كانت لديكم القوة الكافية كان بإمكانكم إدارة الوضع، لكن هذا الأمر بات صعبًا للغاية في ظل العزلة التي بليتم بها".
الوزير الأسبق ياقيش تطرق في تصريحاته للحديث عن النشاط الإسرائيلي في الآونة الأخيرة بسوريا، والغارات الجوية المكثفة التي تشنها داخل أراضيها، وقال لنا في هذا الصدد:
"إسرائيل لها مخاوفها المحقة فيها. ففوز إيران بموقع قوي داخل سوريا، أمر سلبي بالنسبة لتل أبيب. لا شك أن استقرار إيران في سوريا يسير بشكل سلس لا يمكن الوقوف ضده. والخطر أكبر بالنسبة لإسرائيل، لأن هذا التمركز يستهدف مكانًا جنوب غربي سوريا، بالقرب من هضبة الجولان التي تسيطر عليها تل أبيب. ومن ثم إسرائيل تحاول عرقلة هذا الأمر. والولايات المتحدة تعمل على تشتيت انتباهنا فتقول إنها في حقيقة الأمر تتصدى لتنظيم (داعش)، ولعل أمن إسرائيل كان أحد أكبر أسباب تدخل أميركا في سوريا.
وأمن إسرائيل الذي نتحدث عنه هنا لهو بُعدان: أولهما تكوين دولة كردية في شمالي العراق وسوريا على خط التماس مع جارتهما إسرائيل؛ لأن هناك حاجة لدولة صديقة يمكنها إزعاج تلك الدول، والأكراد يمكنهم أداء هذه الوظيفة ببراعة. فهدف الولايات المتحدة الذي تسعى له منذ 100 عام، هو تأسيس عدم مركزية كردية، ثم إداراة ذاتية، وأخيرًا تأسيس دولة كردية مستقلة، فهذا ما يتم تجربته في الشمال السوري حاليا. هذا البعد الأول، أمّا البعد الثاني، فيتمثل في الحيلولة دون تواجد إيران هناك. فلا شك أن التواجد القوي لإيران في تلك المنطقة أمر من شأنه إزعاج إسرائيل. والولايات المتحدة تحارب من أجل هذين الهدفين. وما محاربة داعش إلا عملية لتشتيت الانتباه ليس أكثر".

وحول الموقف الذي يتعين على تركيا اتباعه حال حدوث مواجهة ميدانية بين الولايات المتحدة وروسيا، تابع الوزير الأسبق ياقيش قائلا: 

"على تركيا أن تأخذ مكانًا بجوار حلف شمال الأطلسي (ناتو)، لكن العلاقات بين أنقرة والجماعة الأطلسية بلغت درجة من السوء تجعل من هذا التضامن أمرًا غير ممكن كثيرًا في الوقت الراهن الذي يشهد أيضًا حربًا بالوكالة تديرها الدول العظمى في سوريا. لكن احتمال وقوع صدام بين الجيشين الروسي والأميركي، ليس قريبًا لهذه الدرجة".
وعن أسباب انجذاب هذه القوى المختلفة للأراضي السورية، أضاف ياقيش قائلا:
"العامل الأهم في هذا، هو أن التركيبة العرقية في سوريا، ,وبؤرها السياسية أكثر بكثير من الدول الأخرى. فمثلا العراق يمكن تقسيمها لطائفتين اثنتين، شيعة وسنة، أما سوريا فستكون التقسيمات فيها كثيرة، سنة، وعلويين، ومارون، وأرمن، وسريان وكلدانيين. كما أن سوريا تعتبر دولة محورية ومهمة بالنسبة لأمن شرق البحر الأبيض المتوسط".
وفي هذا الصدد لفت الوزير ياقيش الانتباه إلى  أن تركيا تدفع الآن ثمن أخطاء ارتكبتها في سوريا بالماضي، ويضيف في ذات الشأن قائلًا:
 
"سوريا باتت الدولة الأكثر اهتمامًا من قبل الآخرين، منذ اندلاع الأزمة بها وحتى اليوم. وتركيا مع الدول الأخرى تورطوا في هذا الوضع بدون لزوم رغم عدم وجود أي تهديد موجه لها. وإن كان الشمال السوري يمثل الآن تهديدًا لتركيا، فهذا ولا شك ناتج عن السياسة الخاطئة التي تنتهجها تركيا. فلو اتفقت تركيا مثلًا مع الأكراد، واجتمعت أنقرة ودمشق والأكراد على قلب رجل واحد، لما كان بمقدور الروس والأميركان قضاء يوم واحد هناك في سوريا، فلا شك أن الأتراك والسوريين والأكراد هم الأصحاب الدائمين لهذه الأرض، يتشاركون معًا نفس الماء، والأرض، والأجواء. ومن ثم لو كانت تركيا قد أولت اهتمامها للاتفاق فيما بينهم، ما وصل الوضع إلى ما هو عليه الآن.
في الماضي، تمت دعوة صالح مسلم زعيم الأكراد في المنطقة. لكن الاقتراح الذي عرض عليه  كان خاطئًا، إذ قيل له (أنت ستحارب ضد الأسد، ونحن سنكون داعمين لك). وذلك لأن مصالح الأكراد والأتراك والسوريين، مصالح مشتركة. كان الأفضل من هذا وذاك أن يتم التوصل لصيغة تعترف بحقوق الأكراد، وتزيل المخاوف التركية، ولا تشترط تفريغ القرى التركمانية من أهلها. لكن الذي حدث هو أن تركيا تركت مصالحها وهرعت خلف المجتمع الدولي".
وعن الفرصة التي ضاعت بسبب العرض الذي قدم لصالح مسلم أضاف الوزير الأسبق قائلا:
"نظرًا لأن مسلم يعرف المنطقة جيدًا، كان يرى عندما قُدم له العرض، أن (الأسد إذا لم يسقط، فتركيا لن تأتي لتنقذني). والآن اتضح أن ما فعله كان هو الشيء الصحيح. فلو كان عمل بما طلبته منه تركيا، وحارب الأسد، ربما كان هو الطرف الخاسر الآن. فكان ينبغي على تركيا ألا تعرض الاقتراح المذكور الذي دفع مسلم إلى فعل ما قام به. ويا ليتها (تركيا) قالت للأكراد (نحن نقبل بأهمية وجودكم، لكن ليس لديكم الحق في اتباع حزب الاتحاد الديمقراطي أو غيره من الأحزاب الكردية، وليس من حقكم تغيير التركيبة الديموغرابية للمناطق التي تجدون أنفسكم فيها أقلية من خلال طرد سكانها الأصليين، ومصادرة أراضيهم ومنازلهم، والإتيان بأكراد من مناطق أخرى، وتسكينهم مكانهم)، فلو كانت أنقرة فعلت ذلك لما تركت للمجتمع الدولي أي دور فيما يحدث الآن.
وما كان ينبغي على تركيا أن تفتح مخيماتها للاجئين. وما كان عليها من البداية أن تؤسس إدارة جديدة في عفرين، وتنفذ مشروع توطين السوريين هناك. فقط كان الجرحى من السوريين هم من يتعين عليهم القدوم إلى تركيا من أجل العلاج، وإعادتهم مرة ثانية. فلو كنا فعلنا ذلك، لحصلنا بلا شك على تأييد المجتمع الدولي. لكن على العكس من ذلك، أقمنا المخيمات في بلدنا، لكننا فشلنا في الحصول على دعم المجتمع الدولي في هذا الصدد؛ لأنه ليس من الواضح ما قمنا به في هذه المخيمات؛ إذ أن تركيا لم تعترف بحق دخول الجهات الفاعلة دوليًا لتلك المخيمات، والرقابة عليها، ونتيجة لذلك ذهبت 30 مليار دولار هباءً من الخزينة التركية، واختل تبعًا لذلك توازننا الاجتماعي، ومستقبلا قد تظهر مشكلات أكبر".
الوزير التركي الأسبق قدم في سياق تصريحاته أيضًا تحذيرات هامة بخصوص سبب تواجد روسيا في سوريا، لا سيما أن هناك تعاون وثيق بينها وبين تركيا، وقال في هذا الصدد:
"روسيا لديها رغبة في نزول البحر الأبيض المتوسط. فهذا هو هدفها منذ الفترة القيصرية، أي منذ العام 1700. لكن بعد 300 عام تمكن الروس من تحقيق هذا الهدف. أما نحن فأسقطتنا لها مروحية (عام 2015)، وبذلك أصبحنا دون أن ندري سببًا في تحقيق هذا الهدف. ولا ننسى أن الاتحاد السوفيتي كانت له قواعد بحرية في ميناء طرطوس، كما أننا أصبحنا سببًا في تأسيس الروس لقاعدة حميميم الجوية العسكرية جنوب شرقي مدينة اللاذقية في محافظة اللاذقية. وبذلك فإن روسيا تحقق رويدًا رويدًا الحلم الذي طالما داعب مخيلة بطرس الأكبر (قيصر روسيا الخامس)".
الوزير الأسبق ياقيش، ذكر كذلك أن هذه التحذيرات سبق وأن نقلها لرئيس الوزراء التركي السابق أحمد داود غلو، وأضاف موضحًا:
 
"أثناء اجتماعٍ للسفراء في العاصمة أنقرة قلت لداود أوغلو، (لقد قضيت في سوريا مدة أربع سنوات عملت فيها كسفير، وعملت كذلك في المملكة العربية السعودية ومصر، وأعرف قليلا من العربية، وأعرف المنطقة جيدا. سوريا ليست كما نعتقد، بل هي بلد معقد؛ لذلك فإن أول شيء ينبغي علينا القيام به هو الانسحاب من هناك دون اشتباك)؛ لكن قبل أن أنهي الجملة رد علي رئيس الوزراء قائلا إننا فعلنا كل ما هو صحيح بشأن سوريا. ومنتصف العام 2012، بعثت مذكرة للرئيس رجب طيب أردوغان، لكنها لم توضع في عين الاعتبار".
 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: