ذو الفقار دوغان
أبريل 29 2019

وزير تركي: صارت سمعة بلدنا في مهب الريح

قال الوزير السابق كورشات توزمان لموقع "أحوال تركية" إن الحكومات المتعاقبة في الآونة الأخيرة قضت على سمعة الدبلوماسية التركية التي بنتها أنقرة على مدى سنوات طوال، وإن حكومة الرئاسة التنفيذية الجديدة وضعت علاقات البلاد الخارجية وتجارتها واقتصادها في أيد غير أمينة.
أضاف أن سوء الإدارة وانعدام الديمقراطية في ظل الغياب التام للشفافية، كلها عوامل جعلت الاقتصاد في حالة يرثى لها قد تستلزم تدخلاً من جانب صندوق النقد الدولي.
وأشار إلى أن "تركيا أصبحت بلداً من المستحيل التنبؤ بسياساته الخارجية والاقتصادية، بينما صارت سمعتها في مهب الريح. وفي ظل الوضع الحالي للإعلام والقضاء والسياسة، من المستحيل إقناع أي شخص بأننا بلد ديمقراطي".
وتدهور الموقف الدبلوماسي بشدة منذ أن كان توزمان يتولى ملف التجارة الخارجية في تركيا كوزير دولة خلال الفترة من عام 2002 إلى عام 2009، حيث تحولت البلاد من عصر العلاقات الطيبة مع الجيران إلى الدخول في مشاكل مع كافة الأطراف تقريباً.
وبينما أسهمت الفوضى التي نتجت عن الصراع في سوريا بلا شك في هذا الانحدار، يعتقد توزمان أن هذا الانحدار تفاقم بفعل عدم كفاءة الجيل الجديد من الدبلوماسيين.
وقال "عندما وصلنا إلى السلطة (في عام 2002)، كان هناك دبلوماسيون من أصحاب الخبرة الكبيرة جداً في وزارة الخارجية... وقد حققنا قفزات عظيمة معهم. لكن حل محل هؤلاء في أيامنا هذه أشخاصٌ يعطون أولوية للمستوى الجزئي. لا يمكنني حتى أن أصفهم بأنهم دبلوماسيون".
وأشار الوزير السابق إلى أن انعدام الخبرة الضرورية للتحول نحو تبني سياسة خارجية تقوم على الأيديولوجية بدلاً من السياسات القائمة على التجارة، والتي كانت تُوجّه العمل الدبلوماسي خلال عمله، أولاً كوكيل وزارة للتجارة الخارجية ثم كوزير دولة.
وعلق على ذلك قائلاً إن "تركيا كانت تحظى باحترام شديد في ذلك الوقت. عندما كنت أسافر إلى الخارج كوكيل وزارة، كان الوزراء، بل وحتى رؤساء الحكومات، يستقبلونني. هذه السمعة تلاشت تماماً الآن" مضيفاً أن قرارات السياسة الخارجية المتناقضة تسببت في خسارة أسواق مهمة.
وأردف قائلاً "سياستنا الخارجية وضعتنا في محور، وقد ارتُكبت أخطاء فادحة، وهكذا صار وضعنا. فبدلاً من التجارة مع جيراننا، بات لدينا الآن مشاكل مع جميع الجيران".
وبالنسبة لتوزمان، فإن انعدام الكفاءة في الأداء الدبلوماسي انعكس في الإدارة الاقتصادية للبلاد، والتي وضعت تركيا في بداية ركود من الناحية الفنية خلال الربع الأخير من العام الماضي.
ويعاني الاقتصاد التركي أيضاً منذ فترة طويلة من ارتفاع معدل البطالة، وتضخم في خانة العشرات بلغ ذروته في أكتوبر عندما تجاوز 25 بالمئة، فضلاً عن تراجع قيمة الليرة بشكل مطرد. وهبطت قيمة الليرة بنحو 30 بالمئة مقابل الدولار في عام 2018.
ودافع وزير المالية والخزانة بيرات البيرق عن سجله بأن أشار إلى بيانات الحساب الجاري، التي تحسنت بشدة خلال عام 2018 لتسجل فائضاً في شهر أكتوبر، وحامت حول مستوى عجز منخفض منذ ذلك الحين. لكن لا يرى توزمان أن هذه الأرقام تُعطي صورة كاملة للواقع.
وقال الوزير السابق "وجود زيادة نسبية في الصادرات مع تراجع العجز في ميزان المعاملات الجارية نتيجة لانخفاض حجم الواردات ليس بالأمر الإيجابي... ما ينبغي أن يحدث هو أن تكون هناك زيادة في الورادات يصاحبها ارتفاع أكبر في الصادرات. تركيا لديها اقتصاد يسمح بالتصدير من خلال الاستيراد. خفض الواردات وتقليص العجز في ميزان المعاملات الجارية من خلال إحداث انكماش اقتصادي وإعاقة قطاع الصناعات التحويلية لا يعد حلاً ولا يشكل نجاحاً".
كما انتقد توزمان البيرق والإصلاحات الاقتصادية التي اقترحها.
وأمضى وزير المالية والخزانة الأسابيع الأخيرة يحاول تهدئة مخاوف المستثمرين بشأن تركيا، وذلك خلال سلسلة اجتماعات على مستوى دولي، حيث كشف النقاب عن إصلاحات مزمعة، بما في ذلك في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. ولم يلق أداؤه خلال تلك الاجتماعات ترحيباً.
وفي إشارة إلى ذلك، قال توزمان إن "حُزمة الإصلاحات التي طرحها جوفاء. المستثمرون الأجانب ينظرون إلى محتوى هذه الحُزم والشخص الذي يطرحها. كانت هذه الحزم بلا مضمون، وقدمها شخص لا خبرة مهنية له ولا تاريخ في المجال، فضلاً عن كونه لا يتمتع بالمصداقية".
أضاف "يمكنك أن تخدع نفسك، لكنك لا تستطيع أن تخدع من يعرفون بواطن الأمور، ولن يأخذ أحدٌ كلامك على محمل الجد. على أي حال لا أحد يعرف (البيرق)، وهو رجل بلا تاريخ ولا إنجازات... لا يمكنك أن تفرض النجاح في هذا المجال من خلال اللجوء للعروض التقديمية والمباحثات التي لا يأخذها أحد على محمل الجد".
وبالنسبة لتوزمان، فإن ضعف قيادة البيرق لوزارة الخزانة والمالية هو أحد أعراض تراجع تأثير الطبقة البيروقراطية التي جاءت مع التحول إلى نظام الرئاسة التنفيذية في يونيو الماضي.
وبموجب النظام الجديد، صار هناك ارتباط مباشر بين الكثير من مؤسسات الدولة الأكثر أهمية في تركيا والرئاسة. وقال توزمان إن الوزراء غير الأكفاء قاموا أيضاً بإقصاء موظفي العموم المؤهلين من أصحاب الخبرة، والذين ظلت الدولة متماسكة بفضل إدارتهم للأمور في السابق.
أضاف أن كل هذا أسهم في خسارة تركيا لمكانتها وعرّضها لمشاكل اقتصادية، لكن ما عزز هذه الصورة السيئة هو المشهد السياسي في الداخل؛ فقد أثار المشهد الداخلي مخاوف دولية كبيرة بشأن الديمقراطية وسيادة القانون في تركيا.
وتواجه حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا اتهامات باستخدام نفوذها وسلطتها على المؤسسات التركية للتخلص من المعارضين السياسيين أو الزج بهم في السجن، وعلى وجه الخصوص منذ فشل محاولة الانقلاب التي حدثت عام 2016.
وقال توزمان "نحن بحاجة إلى التخلص من الصورة التي تضع تركيا في المرتبة الثانية بين البلدان التي بها أكبر قدر من المخاطر والهشاشة (بالنسبة للمستثمرين) بعد الأرجنتين.
"ومن أجل هذا، فإن الخطوة الأولى هي العودة سريعاً إلى الديمقراطية والشفافية وضمان استقلال القضاء. كما أننا بحاجة إلى استثمارات في البنية التحتية الصناعية".
ومن غير المرجح أن تؤدي حالة المحاسبة الإبداعية التي جرت في البنك المركزي في الآونة الأخيرة إلى تحسن سمعة تركيا فيما يتعلق بالشفافية. وتحدثت صحيفة فايننشال تايمز الأسبوع الماضي عن إشارات على أن البنك حصل على قروض قصيرة الأجل لتعويض بعض من مليارات الدولارات التي باعها لدعم الليرة".
وفي هذا الشأن قال توزمان "لا يمكنك حتى أن تكون شفافاً بشأن احتياطي البنك المركزي، ومن ثم فإنك تُجَمّل الأرقام وتتلاعب بها... هل تعتقد أن الناس حول العالم لا يرون هذا؟ ألا تعتقد أن العالم يتحدث عن هذا؟"
وإلى جانب تراجع ثقة المستثمرين في الطريقة التي يُدار بها الاقتصاد في الوقت الحالي، قال وزير الدولة السابق إن التحركات التي جرت في الآونة الأخيرة خلقت عجزاً في السيولة لدى البنك المركزي وجعلته في حاجة ملحة لاستثمارات أجنبية تصل قيمتها إلى ستة مليارات دولار لتعزيز احتياطياته.
أضاف "بعد ذلك، هناك حاجة مُلحة لتوفير ما يتراوح بين 115-120 مليار دولار للإنفاق. لا أعرف إذا كانوا سيحصلون على هذا المبلغ من صندوق النقد الدولي أم ماذا، لكن يجب أن يحصلوا على هذا المبلغ".
وقال وزير الدولة السابق إن انعدام الشفافية متفشٍ في الحكومة، مشيراً إلى أن هذا تسبب في هروب عدد كبير من الشركات الأجنبية المهمة التي عمل معها كمستشار مالي.
وأردف قائلاً إن "السبب الذي جعلهم يغادرون هو نظام العطاءات، فهو لا يتمتع بالشفافية ولا يتسم بالقانونية، وغير قابل لوضع توقعات. إنهم لا يعرفون ما الذي سيواجهونه في اليوم التالي. كما أن القرارات تتغير من ساعة إلى أخرى".
وتعرّض الحزب الحاكم هذا الأسبوع لانتقادات لاذعة من دوائر المعارضة، التي عرضت سجلات من البلديات قالت إنها تُظهر كيف كانت العطاءات والمناقصات العامة تُستخدم لتحقيق الثراء للمقربين من الحكومة.
ويُستخدم نظام العطاءات في تركيا لضخ أموال طائلة في قطاع البناء، الذي ظل يُعبّأ من أجل تطوير مشروعات بنية تحتية عامة ضخمة، أو يحصل على تصاريح لتطوير مشروعات إسكان وأخرى تجارية في المدن.
لكن توزمان حذر من أن هذا التركيز على البناء والبنية التحتية جعل تركيا تتخلف عن منافسيها.
وقال "عندما غادرت الوزارة كانت قيمة صادراتنا تصل إلى 136 مليار دولار، وكانت صادرات إيطاليا أعلى قليلاً... صادرات إيطاليا وصلت الآن إلى 750 مليار دولار". وأضاف أن صادرات تركيا ارتفعت إلى ما لا يزيد عن 150 مليار دولار فقط.
وأشار إلى أن هذا يرجع إلى تركيز إيطاليا على الصناعات التحويلية والتكنولوجيا، وهما مجالان تركتهما تركيا لكي تركز على تطوير البنية التحتية بحسب قوله.
ووفقا لرؤية توزمان، فإن تركيا قد تقبع في حالة ركود اقتصادي لفترة طويلة إذا لم تنتهج سياسات مماثلة.
لكن الوزير السابق قال إن أمام تركيا مهمة شاقة عليها أن تُنجزها أولاً، وهي إعادة الانضباط إلى سياستها.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-economy/inept-leaders-and-lack-transparency-leading-turkey-imf-former-minister
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.