وقائع تعذيب مروِّعة ترتكب ضد المعتقلين في السجون التركية

قامت الحكومة التركية في أعقاب محاولة انقلاب 15 يوليو بشنّ حملة اعتقالات موسّعة؛ طالت الآلاف من صفوف المعارضة. وعلى الرغم من وقائع التعذيب الكثيرة التي تعرَّض لها المعتقلون، إلّا أن القليلين منهم فقط هم من خرجوا عن صمتهم؛ ليحكوا عن أساليب التعذيب البشعة التي تعرضوا لها داخل السجون، وفي أماكن احتجازهم عقب محاولة الانقلاب، ولا يزال يعاني منها الكثيرون حتى الوقت الراهن.  

كشفت جمعية العدالة من أجل المظلومين في تقرير نشرته عن الأوضاع في تركيا عقب محاولة الانقلاب عن تعرُّض أعداد كبيرة من الجنود، الذين اُعتقلوا عقب محاولة الانقلاب، إلى اعتداءات وحشية وتحرش داخل سجونهم.

ذكر التقرير على لسان أحد الجنود من ضحايا مراسيم القرارات، التي أعقبت محاولة الانقلاب، ما يلي:

"حسب ما سمعته من الذين كانوا معي في نفس السجن، وكان غالبيتهم من العسكريين، أنّ كثيراً من العسكريين ومنهم ضباط برتب عالية قد تعرَّضوا لعمليات تعذيب شديدة؛ حيث تمّ تجريدهم من ملابسهم، باستثناء الملابس الداخلية فقط، ثمّ قاموا بضربهم ضرباً مبرحاً أفضى ببعضهم إلى الموت. وكانوا إذا انتهوا من تعذيبهم يقومون باقتيادهم إلى عنبر السجن مُصفّدين في الأغلال، كان من بين هؤلاء من لا يتحمل التعذيب فيسقط مغشيًا عليه؛ ليفتح عينيه بعد ذلك ليجد نفسه مُستلقياً في المستشفى. كان من بين الذين نُقلوا إلى المستشفى ضابط برتبة نقيب. يحكي هذا الضابط عن جندي آخر برتبة رقيب شاهد عمليات تعذيب يندى لها الجبين؛ من بينها إدخال عصاة الشرطي في دبر المعتقل. علمتُ كذلك أن السلطات التركية قامت بالإفراج عن الجنود من الرتب الصغيرة مثل المجنّد والرقيب أول والملازم، بعد أن أجبروهم على التعدّي بالضرب على ضباط ممن يحملون رتباً عالية في الجيش". 

يُلمّح آخر باقتضاب عن وقائع التعذيب بإدخال عصاة في دبر المعتقل بقوله:

"تعرَّض أحد أقربائي لأبشع أنواع التعذيب في السجن؛ حيث أصيبت أمعاؤه على إثر ذلك بأضرار خطيرة للغاية. قام بعد ذلك بمقاضاتهم، ولكن ما حدث أنهم قاموا باعتقال زوجته أيضًا، وسألوها أثناء التحقيق عن الدعوى القضائية التي رفعها زوجها، وكالوا لها السّباب والتهديدات. وقاموا بعد ذلك بالإفراج عنه، على أن يقوم بالتوقيع في المخفر ثلاث مرات في الأسبوع".

تضمن التقرير كذلك إفادة لأحد ضحايا مراسيم القرارات، الذي حكى بدوره عن هذه الوسيلة البشعة من وسائل التعذيب بقوله:

"سمعنا أن الأشخاص، الذين كانت أسماؤهم تنادى ليلاً بصوت مرتفع، أثناء تجمّعنا في غرفة الاحتجاز، كانوا يتعرَّضون لأبشع أنواع التعذيب. وبالفعل رأيت أحد الذين اقتادوهم ليلاً، وهو غير قادر على السير في نهار اليوم التالي بعد ما لقاه من تعذيب طوال الليل. كانوا يقومون بخنق المشتبه بهم بالأكياس، ويدخلون عصاة في أدبارهم. كان من بين هؤلاء أحد الجنود الذين لم تأخذهم الرأفة بحاله، بعد أن أصيب بجروح خطيرة نتيجة التعذيب، فلم يتوقفوا عن تعذيبه، بل قاموا بإدخال عصاة في دبره هو الآخر".

تضمن تقرير جمعية العدالة من أجل المظلومين معلومات عن وقائع تعذيب أخرى جاءت على لسان أقارب أشخاص تعرَّضوا للتعذيب بالفعل أثناء فترة اعتقالهم داخل السجون التركية. من هذه الروايات: 

"قاموا بإدخال العصاة في دبر أخي زوجة صديق لي أثناء فترة احتجازه في السجن، وأرغموه على رفع يديه في الهواء لأيام، وهي مكبّلة في الأغلال، في حين كان يتعرض أقرانه للصعق بالكهرباء".

ويستطرد الشخص نفسه قائلاً: "سمعتُ أنّ هناك من يتعرض للضرب والتوبيخ أمام زوجته، بل إن هناك من كان يستبدّ بهم الأمر؛ فيقدمون على قتله، أو يغتصبونه أمام ذويه".

لم تكن إدخال العصاة في الدبر هي وسيلة التعذيب الوحيدة التي أشار إليها التقرير؛ فهناك العديد من الوسائل الأخرى التي لا تقلّ وحشية عن هذه الطريقة؛ من قبيل انتهاك آدمية المشتبه بهم بإدخال زجاجة في أدبارهم. تحدث التقرير عن واقعة مشابهة تعرَّض لها أحد ضحايا مراسيم القرارات على النحو:

"سمعتُ أنهم يخصصون حجرة صغيرة ملحقة بقاعة أخرى في قسم مكافحة الإرهاب بمديرية الأمن من أجل ممارسة التعذيب ضد المشتبه بهم، وإهانتهم أثناء فترة التحقيق، التي قد تستمر حتى 12 ساعة، وأنهم يتعمدون أن تكون خالية من كاميرات التصوير. سمعنا كذلك أنهم قاموا بتجريد أحد الطلاب من ملابسه؛ حتى يجبروه على الإدلاء بما يعرفه من معلومات. وعندما قال لهم إنه لا يعرف شيئاً، قيل له "اخلع ملابسك!" حينها رد الطالب بتلقائية قائلًا "هل أنتم جادون فيما تقولون؟!"، في هذه اللحظة انقضّ أحد الضباط على الطالب يضربه بزجاجة صودا فارغة، كان يمسك بها في يده، وهو يوجه إليه أقذع الألفاظ حتى أجبره على خلع ملابسه. 

أغلق الطالب المسكين عينيه منتظراً ما سيلقاه من تعذيب على يد الضابط، إلا أن ضابطاً آخر منع رفيقه من إيذاء هذا الطالب بقوله "لا تفعل!". وهذا الضابط، الذي كان يمسك بزجاجة الصودا، تردد اسمه كثيراً على لسان العديد من الأشخاص الذين تعرَّضوا لوقائع التعذيب بالصعق بالكهرباء". 

تضمَّن التقرير، إلى جانب ما سبق، إفادة أدلى بها أحد الذين تعرَّضوا للتعذيب أثناء فترة احتجازه قال فيها:

"تعرَّضتُ للتعذيب في غرفة معزولة غير مزوّدة بنظام تسجيل أو نظام مراقبة بالكاميرات. قالوا لي إنهم سيغتصبونني بالعصاة، وإنني لن أرى الشمس مرة أخرى إذا لم أعترف. خضعتُ للتعذيب طيلة ثلاثة أيام، قبل أن يسمحوا لي بلقاء المحامي الخاص بي".

ويلخّص آخر، عجز لسانه عن الخوض في تفاصيل الاعتداء باستخدام العصاة، واقعة الاعتداء على معلّم كانت السلطات التركية تحتجزه في نفس مكان احتجازه بقوله:

"تعرَّض صديق لي يعمل معلمًا لضغوط جسدية باستخدام عصاة الشرطي، وهو يحتاج الآن إلى إجراء جراحة عاجلة في أمعائه. تقدَّم صديقي هذا للحصول على تقرير من الطب الشرعي أثناء وجوده في السجن، وقد مرّ حتى الآن تسعة أشهر، ولم يتلقّ أي ردّ".

واحدة من التفاصيل المثيرة للاهتمام كذلك التي تضمنها التقرير هي ما يطلق عليها اسم "ليلة قدير"، وبالتأكيد لا يوجد علاقة بين هذا المسمى واسم "الليلة المقدسة" في شهر رمضان؛ فالاسم هنا يشير إلى الأهوال التي يقوم  بها أحد ضباط الشرطة هناك ويدعى "قدير".  

"حكى لنا عن أحد ضباط الصف "رقيب"، ألقوا به معنا في نفس السجن دون أن يخضع لأي استجواب طيلة30 يوماً، وأنّ عائلته لم تكن تعرف عنه أي شيء. وفي نهاية هذه المدة، قاموا باستجوابه وقدَّموه للمحاكمة. كان أحد معلميّ المرحلة الثانوية، ويدعى محمد على، من المسجونين معنا كذلك. كان يدعو في كل ليلة ويقول "أدعو الله ألا تكون هذه الليلة هي ليلة قدير"؛ لأن أحد رجال الشرطة، ويدعى قدير، كان ينادي عليه ليلاً بعد أن ينام الجميع من الثانية عشرة وحتى الواحدة صباحاً، ويقوم بضربه بشدة في غرفة خلع الملابس، وعندما نهضنا في صباح أحد الأيام كان محمد علي مستلقياً تحت البطانية، لم يكن يخرج رأسه. قضى يومه ملفوفًا في البطانية، منحني الرأس. كان يمر بأزمة نفسية شديدة. قال الطبيب الذي أتوا به بعد الظهر إنه لا يوجد عليه علامات تدل على تعرضه للضرب. خشي الطبيب مثلنا تماماً أن يقول إنه تعرض للضرب. طلبوا من محمد علي أن يُفصح عن أسماء رفاقه، وتعرّض لأجل هذا لأقذع الألفاظ، والتهديدات. وفي النهاية، قال لهم: "اكتبوا أنتم الأسماء التي تريدونها، وأنا سأوقع". وبالفعل كتبوا اسم شخص يُدعى محمود وآخر يدعى أرطغرل".

يشير هذا الشخص أيضاً إلى التعذيب بإدخال عصاة الشرطي في دبر المعتقل بقوله:

"ألجم الخوف الكثيرين، ولم يستطيعوا النطق من هول ما يعانونه داخل السجن منذ ثلاثة أشهر. في حين لم يستطع آخرون السيطرة على أنفسهم. كان أحد المعتقلين يقول إنه أصبح مثل الكرة الطائرة من كثرة ما يتعرض له من ضرب داخل السجن".

تضمّن التقرير كذلك إفادة أحد الضحايا الذين أُطلق سراحهم بعد أن قضوا فترة داخل السجن. حكى هذا الرجل لأحد أقربائه عن حجم المعاناة التي يتعرض لها المحتجزون داخل السجن بقوله:

"كنا نتألم لحال الكثيرين الذين يقدّمون إلى المحاكمة، في الوقت الذي يقبعون فيه بالفعل داخل السجون. قال لي معلّم يدعى حُسين إنهم "جاؤوا بزوجتي في اليوم المحدد لاستجوابي، وأدخلوها إلى غرفة التحقيقات، أروني إياها ثم أخرجوها مرة أخرى. وقالوا لي إذا أردت أن تمتنع عن الحديث فامتنع، فسترى ما الذي يمكن أن يحدث لها ".

يضيف هذا الشخص كذلك أنّ هناك من المعتقلين من يتعرَّض للصعق في عضوه التناسلي، في حين يتعرض آخر للتحرش الجنسي.

ولم يكن هذا الشخص هو الحالة الوحيدة التي تعرضت للتهديد بأبنائه أو بزوجته؛ فهناك الكثيرون ممن طالتهم تهديدات مماثلة.  

يضيف السيد حسين قائلًا:

"التقيتُ خلال فترة احتجازي في السجن، بالعديد من الضحايا؛ جاء كل واحد منهم بحكاية مختلفة عن الآخر، ومع ذلك، فقد كان أسلوب تعامل الشرطة معهم مشابهاً؛ فقد قالوا لصديق لي سوف نأخذ زوجتك إذا لم تعترف. ولم تسلم الفتيات كذلك من هذا الأسلوب المشين؛ فقد اقتادوا إحدى الفتيات المعتقلات صباحًا إلى غرفة في الطابق العلوي. وهناك كان المكان خالياً إلا من شرطي واحد نظر إليها وقال "لقد اشتريت الكعك، وأنا في طريقي إلى هنا، وقلت لهم أن يحضروا الشاي، وسنتناول الإفطار بمفردنا هنا..".

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/iskence/ohal-raporunda-askerlere-dair-dehsetengiz-iskence-ayrintilari &nbsp
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.