وكالة أنباء الأناضول التركية أكبر الخاسرين في الانتخابات

بدا الأمر وكأن سيلا من الفراشات الهادئة سكنت الجدران في وكالة الأناضول التركية للأنباء يوم الاثنين الماضي.
ففي الصباح التالي ليوم الانتخابات المحلية في تركيا في الحادي والثلاثين من مارس، سادت حالة من الفزع في وكالة الأنباء الرسمية التركية، التي توقفت تماما عن تحديث نتائج الانتخابات بعدما بدا في الليلة السابقة أن مرشح المعارضة في إسطنبول في طريقه لتجاوز مرشح الحزب الحاكم.
لزمت الوكالة الصمت - تماما – على مدى 13 ساعة كاملة، إلى أن أعلن سيدا جوفين رئيس اللجنة العليا للانتخابات التركية أن مرشح المعارضة، أكرم إمام أوغلو، يتفوق بفارق يبلغ نحو 30 ألف صوت على بن علي يلدريم رئيس الوزراء السابق ومرشح حزب العدالة والتنمية الحاكم.
وبعد ذلك، وعلى مدى ساعات قليلة رائعة لكن مشحونة، بدأنا نرى وكالة الأناضول تترنح هي وغيرها من وسائل الإعلام الموالية لحزب العدالة والتنمية.
فطاقم العمل في الأناضول لم يكن لديه أدنى فكرة عما يجب فعله: في البداية تم نشر التدوينات التي حملت إعلان رئيس اللجنة العليا للانتخابات، لكن تم بعد ذلك حذفها على عجل، قبل أن يُعاد نشرها.
وفي النهاية، كانت حسابات الوكالة باللغة الإنجليزية على منصات وسائل الإعلام الاجتماعي أول من أقر بالهزيمة، لكن حتى في هذه اللحظة التي كانت فيها الوكالة المصدر الوحيد لتغطية النتائج في ليلة الانتخابات، كانت متأخرة بالفعل وراء وسائل إعلام أخرى في نشر الإحصاء النهائي لنتيجة التصويت في إسطنبول.
من بين المفاجآت العديدة غير المتوقعة في الانتخابات كان إعلان جوفين بأن وكالة الأناضول لم تكن تحصل على المعلومات من اللجنة العليا للانتخابات.
وجاء هذا التصريح بمثابة تأكيد لأمر كان معروفا مسبقا: وهو أن وكالة الأنباء الرسمية التابعة للدولة قد أصبحت منصة إعلامية تحت سيطرة حزب العدالة والتنمية، وأن البيانات التي تنشرها في ليالي الانتخابات تأتي في الأغلب من مسؤولي الحزب الحاكم، حيث يتم نشرها بما يخدم مصالح الحزب.
لكن إن كانت انتصارات المعارضة في أربع من خمس مدن هي الأكثر اكتظاظا بالسكان في تركيا قد قوبلت بالصمت في وسائل الإعلام الموالية للحكومة، فإن هذه لم تأخذ وقتا طويلا للعودة إلى سيرتها الأولى.
في المجمل، كان الأداء ذا وجهين من قبل حزب العدالة والتنمية، إذ هاجم يلدريم منافسه بسبب إعلانه النصر قبل الأوان، بينما كانت ملصقات تعلن انتصار مرشح حزب العدالة والتنمية لا تزال منتشرة في عموم المدينة.
وبينما كان بعض مسؤولي الحزب يحثون المعارضة على احترام العملية الانتخابية، بما في ذلك إحصاء الأصوات، كان آخرون يلتحقون بجوقة الإعلام في القول إن الانتخابات بمثابة "انقلاب" وإنها "وصمة في جبين الديمقراطية التركية."
في منصات التواصل الاجتماعي، كان هناك مجموعة دعت الحكومة بإصرار للتدخل للتصدي لما أسموه التزوير الانتخابي، وهؤلاء أطلق عليهم اسم "البجع"، وهي زمرة مؤثرة في أروقة حزب العدالة والتنمية يعتقد أنها ذات صلة بالصحفية هلال كابلان من صحيفة صباح.
الشائعة مفادها أن زمرة "البجع" كانت القوة المحركة وراء إجبار رئيس الوزراء السابق أحمد داوو أوغلو على الاستقالة عام 2016، وأن الصفقة الكبرى التي يعتقد أنهم قاموا بها مستغلين المؤسسات التي تمولها البلدية في إسطنبول قد منحتهم دافعا قويا للحط من شأن انتصارات المعارضة.
لم يكن هناك من شك في أن تلك الانتصارات، في أعين الآلة الإعلامية الهائلة لحزب العدالة والتنمية، لم يكن يفترض أن تحدث من الأساس.
يكفيك فقط النظر إلى ما نشرته كابلان وزملاؤها في صحيفة صباح في اليوم التالي. فالانتصار "غير المفاجئ" الذي حققه يلدريم كان "أهم مؤشر على نتائج الانتخابات"، وإشارة على "العمل الجيد" وثمرة لجهود الرئيس رجب طيب أردوغان.
لكن الحقيقة أن يلدريم لم يحقق أي انتصار.
تغطية الصحافة الأجنبية بدورها للانتخابات منذ يوم الاثنين لم تكن رائدة. لنضرب مثالا بالصحفية كارلوتا جال من صحيفة نيويورك تايمز التي نشرت مقالا في يناير (تم تصحيحه الآن) عن القراءة غير الدقيقة لإحصاءات الهجرة التي أشارت إلى أن الأتراك يرحلون عن البلاد بأعداد كبيرة.
وفي مقالها يوم الاثنين كتبت جال تصف نتائج الانتخابات بأنها "أخطر زلزال سياسي يهز عرش أردوغان في قرابة عقدين من الزمن"، وفي هذا ببساطة تجاهل لحقيقة أن حزب الرئيس خسر الأغلبية البرلمانية في انتخابات يونيو 2015 في نتيجة صادمة دفعت البعض للتكهن بنهاية قريبة لحلم أردوغان في الحكم المنفرد.
في الحقيقة، كانت التكهنات المبالغ فيها هي السائدة خلال الأسبوع الماضي، على الاقل في عناوين الأخبار لتغطية الانتخابات.
خذ مثلا ما كتبه سايمون تيسدال في صحيفة الغارديان، حيث تساءل إن كانت الخسائر التي مني بها الحزب الحاكم في انتخابات يوم الأحد "بداية النهاية لأردوغان."
لقد اختار تيسدال بدهاء ألا يجيب عن السؤال، لكنه نجح في التلاعب بتواريخ الانتخابات الوطنية والاستفتاء على الدستور في المقال ذاته.
وبالنظر لمستوى الاهتمام بالتفاصيل، يحق للبعض اعتبار اختيار محطة خبر التلفزيونية توجيه أسئلة إلى صاحب محل كباب تمت تسميته خلال المقابلة التي بثت على الهواء مباشرة باعتباره "محللا للانتخابات الأميركية" لكي يعلق على الانتخابات باعتباره تقليلا من عمل الخبراء والمحللين الأجانب على الشأن التركي.
يمكنك أن ترى في تحذير إبراهيم كاراجول، رئيس تحرير صحيفة يني شفق إسلامية التوجه - وأحد أهم مؤيدي أردوغان، للرئيس الروسي فلاديمير بوتين - بأن الموقع الإخباري الناطق بالتركية التابع لوكالة سبوتنيك الروسية ليس سوى عملية تقوم بها المخابرات المركزية الأميركية (سي.آي.إيه) أمرا أشبه بتعليق على إدمان الأوساط التركية لنظريات المؤامرة.
وبالعودة إلى النقطة الأساسية، فإن مكاسب المعارضة يوم الأحد مهمة بقدر ندرتها منذ عام 2002، لكن ورغم كل شيء، يظل الحديث عن "نهاية أردوغان" و"انتصار الديمقراطية" أمرا مبالغا فيه بقدر كبير.
في البداية، كان الإقبال على التصويت وتوزيع الأصوات كبيرا بنفس حجم الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي أجريت العام الماضي، وهو ما يعني أن العنصر الحاسم في إسطنبول وغيرها من الأقاليم المتأرجحة كان على الأرجح أصوات الأكراد.
بعبارة أخرى، فإن القوة الجديدة التي اكتسبتها المعارضة تقوم بالأساس على المساحة الهشة بين القوميين الأتراك والحركة السياسية الكردية.
الأهم من هذا هو ما قامت به وكالة الأناضول يوم الانتخابات.
انظر كذلك إلى رفض اللجنة العليا للانتخابات برفض كل طلبات الاستئناف التي تقدمت بها المعارضة منذ بدء التصويت وقبول الأغلبية العظمى من طلبات الاستئناف للحزب الحاكم.
وانظر أيضا إلى شبح القضايا الجنائية التي واجهها مرشحو المعارضة قبل حتى أن يحل موعد الانتخابات.
الحقيقة ببساطة أننا وبعد مرور أسبوع كامل على الانتخابات، فإن الكل ينتظر ليعرف إن كان أردوغان على استعداد للتخلي عن حكم البلديات، أو إن كان سيقف مع زمرة البجع.
إن الإجابة على هذه الأسئلة من شأنها أن تبين لك كل شيء.
هناك تصريح لافت للرئيس عادة ما يتردد في الإعلام العالمي كلما أتى الذكر على أخبار تركيا، وفي هذا التصريح يقارن الرئيس بين الديمقراطية وبين قطار الترام.
الآن وفي هذه النقطة، يختطف الرئيس القطار، ويطيح بالمهندس ولا ينوي التوقف إلا في الوقت الذي يرغب به هو.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/march-31-elections/chaos-and-confusion-post-election-turkish-media