سزين اناي
يناير 15 2018

ولد لأبوين تركيين مهاجرين.. المخرج فاتح أكين ينعم بعيش "الحلم الألماني"

يعد المخرج السينمائي فاتح أكين خير مثال على النموذج الذي يجسده "الحلم الألماني"، فصانع الأفلام الذي ولد لأبوين تركيين مهاجرين قدما إلى ألمانيا من قرية صغيرة تطل على البحر الأسود بات اليوم صاحب شهرة كبيرة تسبقه سمعته في أي محفل عالمي يحل به بعد أن نالت أفلامه إشادات النقاد حول دول العالم حتى اختير فيلمه الأخير "في العدم" لتمثيل ألمانيا في ترشيحات جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي.
وتدور أحداث فيلم "في العدم" حول امرأة تسعى للانتقام بعد مقتل زوجها وابنها في هجوم إرهابي نفذته إحدى منظمات النازية الجديدة.
وبعد أن فاز الفيلم بجائزة "جولدن جلوب" لأفضل فيلم بلغة أجنبية الأسبوع الماضي، خرجت لجنة التحكيم لتشيد علنا بالفيلم وقالت عنه إنه جمع بين عناصر أفلام الدراما والإثارة وكذلك الأفلام التي تدور أحداثها حول المحاكمات.
وأضافت لجنة التحكيم "يسلط فاتح أكين الضوء على العلاقة بين مفهومي القانون والعدل ومشاعر الألم والسعي إلى الانتقام في إطار من التعقيد والأحداث السريعة والمثيرة التي تتوالى على طول الفيلم دون هوادة. كما يمنح الفيلم بعدا إنسانيا لقضية سياسية يأسر من خلاله المخرج انتباه المشاهدين من بداية الفيلم إلى نهايته."
أما كاتب العمود الرئيسي (الافتتاحية) في صحيفة "بيلد" الألمانية جوزيف فاجنر فكتب في مقال له مخاطبا أكين:

"في عام 1973، ولدت لابن منظف للسجاد قدم من تركيا للعمل في منطقة ألتونا بهامبورج، وانضممت إلى عصابة تركية في أيام شبابك حيث اعتدتم وضع مثبت الشعر وارتداء سترات جلدية موحدة والدخول في مشاجرات مع العصابات الأخرى. وعندما بدأ زملاؤك في استخدام السكاكين في المشاجرات عوضا عن قبضاتهم، ذهبت أنت إلى المدرسة الثانوية ...
ولم يكن بوسع أي شخص عاش دون أن يختبر مشاعر الحب والكراهية والخوف أن يصور هذه المشاعر، ومن سوى أكين كان ليصبح الراوي الأعظم لقصة حياته؟ وبنشأته في ناطحة سحاب بائسة في منطقة ألتونا بهامبورج...ماذا بحق السماء كان يمكن أن يصبح عليه هذا الطفل عندما يكبر؟ كان يمكن أن يكون أي شيئ، لكنه اختار أن يصبح قاصاً يحكي حكايات ألمانيا المعاصرة من وجهة نظره...عن جرائم منظمات النازيين الجدد...عن كراهية الأجانب. في الحقيقة، تكمن عبقرية فاتح أكين في أنه يعرض الحقيقة في أفلامه."

وإذا استعرضنا قصة حياة فاتح على هيئة أحد أفلامه، فلن نجد بداية أفضل من مشهد وصول والده مصطفى إنفر أكين إلى منطقة ألتونا الفقيرة والنائية في مدينة هامبورج عام 1965 للعمل كعامل مصنع بعد رحلة سفر طويلة من قرية تشامبورنو على الجانب الشرقي من ساحل البحر الأسود في تركيا، وستتواصل الأحداث بوصول والدته هدية، التي تعمل معلمة في المرحلة الابتدائية، لاحقا عام 1968.
بعد ذلك، سيصور هذا الفيلم التخيلي كيف أن العديد من أطفال المهاجرين يتخرجون من مدارس التعليم المهني لينخرطوا في مزاولة أعمال يدوية في المصانع أو وظائف منخفضة الأجر، ولكن أكين تمكن من الحصول على مقعد في كلية الفنون الجميلة في هامبورج. وفي سنوات المراهقة، كان أكين وصديقه في الدراسة آدم بوسدوكوس، المولود لأبوين مهاجرين من اليونان، يحلمان بدخول عالم التمثيل.
يقول بوسدوكوس: "نلت أنا وفاتح شهرة كبيرة بكوننا مهرجي الفصل، وأدركنا مبكرا أن لدينا نفس الجذور والأحلام والرغبات."
وشكلت السينما لأكين طريقة للهروب من ألتونا، التي باتت تعج بالأبراج السكنية المكتظة بالمهاجرين والمنبوذين على بعد أمتار من منطقة سانت باولي التي تشتهر بأنها حي البغاء في المدينة.
وفي سنوات الكلية، بزغت موهبة أكين في التمثيل على المسرح حيث شارك في العديد من العروض على مسرح "تاليا" الشهير في هامبورج، لكن الأدوار التي حصل عليها كانت دائما ما تحصره في أدوار الشر، لذلك بدأ أكين كتابة سيناريوهاته الخاصة به.
ورغم ذلك، ارتدى أكين ثوب الشر في أول أدواره على شاشة السينما في فيلم "العودة إلى المشاكل" والذي أخرجه أندي باوش بتمويل من لوكسمبورج عام 1997. كما ظهر أيضا كضيف شرف في أول أفلامه كمخرج "صدمة حادة قصيرة" عندما لعب دور تاجر مخدرات تركي.
وحقق الفيلم الذي يدور حول ثلاثة من رجال العصابات في ألتونا نجاحا مفاجئا في دور العرض الألمانية عام 1998 وتم ترشيحه لنيل الجائزة الكبرى في مهرجان لوكارنو السينمائي، مع العلم أن صديق أكين المقرب بوسدوكوس كان أحد أبطال الفيلم الرئيسيين. 

فيلم "صدمة حادة قصيرة"
صورة من تصوير فيلم "صدمة حادة قصيرة" للمخرج فاتح أكين عام 1989 –شركة فوسته للإنتاج السينمائي

بعد هذا الفيلم، تمكن بوسدوكس من شراء مطعم "تافيرنا سوتيريس" والذي قضى فيه الثنائي الكثير من الوقت في العشرينات من عمرهما في هامبورج، وتحول هذا المطعم بمرور الوقت إلى مصدر إلهام لفيلم "مطبخ الروح" الذي أخرجه أكين عام 2009 ولعب فيه بوسدوكوس دور البطولة. وحاز هذا الفيلم على شهرة عالمية واسعة ونال كذلك جائزة خاصة من مهرجان البندقية السينمائي الدولي.
وفي عام 2000، أخرج أكين فيلم "في يوليو" الذي أهداه إلى المرأة التي أصبحت زوجته لاحقا. وكالعادة، حقق الفيلم نجاحا مبهرا وأشاد به الكثير من النقاد الذين أغدقوا بالثناء على أسلوب التصوير والحبكة التي تتمحور حول قصة حب نمت على طول الطريق في رحلة عبر أوروبا إلى اسطنبول.
ولكن الفيلم الذي وضع أكين حقا على خريطة السينما العالمية كان "وجها لوجه" الذي أخرجه عام 2004 ولعبت فيه دور البطولة ممثلة الأفلام الإباحية السابقة سبيل كيكيلي مع النجم متعدد المواهب بيرول أونيل.
وفي حين واجه العديد من المهاجرين الأتراك وأطفالهم الكثير من الصعوبات للتكيف مع الحياة في ألمانيا، بزغ نجم أكين باعتباره نموذجا للنجاح بين أبناء الجالية التركية.

مشهد من فيلم "وجها لوجه" للمخرج فاتح أكين عام 2004
مشهد من فيلم "وجها لوجه" للمخرج فاتح أكين عام 2004

ففي عام 2004، قال أوزكان موتلو، نائب البرلمان عن حزب الخضر والذي ينحدر أيضا من أصول تركية: "مع نجاح فاتح أكين، بدأ عهد جديد بالنسبة لنا نحن الأتراك في ألمانيا".
وعلى الرغم من ذلك، لم يتوان أكين عن الخوض في قضايا مثيرة للجدل، سواء بالنسبة لأصوله التركية أو لحاضره الألماني، بما في ذلك الإبادة الجماعية للأرمن والنازيون الجدد.
ففيلمه "القطع" الذي يدور حول إبادة الأرمن على أيدي القوات العثمانية في شرق تركيا عام 1915 خلال الحرب العالمية الأولى تزامن عرضه مع الذكرى المئوية لهذه المأساة الإنسانية.
لكن الفيلم شكل أول نكسة لأكين في مسيرته المهنية، فعلى الرغم أنه توقع أن تأتي معظم ردود الفعل السلبية من الأتراك والأرمن، بما أن الجانبين لم يبديا رضاهما عن وجهة نظره للأحداث، تلقى الفيلم ضخم الإنتاج انتقادات حادة من النقاد وفشل فشلا ذريعا في شباك التذاكر. بعدها، قال أكين إنه سقط في "أزمة إبداعية" وعانى من سلسلة من المشاكل المالية ألقت به في براثن الديون.
وما أنقذه فعلا من الإفلاس هو فيلمه المستوحى من رواية الكاتب فولفجانج هيرندورف الناجحة "تشيك" حيث لجأ إليه منتجو الفيلم بعد انسحاب مخرج آخر من التصوير في اللحظات الأخيرة ليتولى أكين المهمة قبل أسابيع قليلة جدا من بدء التصوير. ورغم أنه كان قرارا يحمل الكثير من المجازفة، إلا أن الفيلم الذي تدور أحداثه حول رحلة اثنين من المراهقين عبر ألمانيا الشرقية في إطار درامي كوميدي حقق نجاحا واسعا على المستويين الجماهيري والنقدي في 2016.
وساهم هذا النجاح في ترشيح أكين لإخراج "في العدم" والذي تقدمه الآن ألمانيا إلى العالم كمرشحها للأوسكار، حتى لو أنه يسلط الضوء على موضوع النازيين الجدد الذي لا يبعث تماما على الفخر بالنسبة لها.
يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا: