أوليفر رايت
مايو 31 2018

يمكن للحكومة التركية أن تزوّر الانتخابات بعيدا عن وسط البلاد

يبدو أنه بات من الصعوبة بمكان أن نصدّق استطلاعات الرأي في تركيا هذه الأيّام، وحتى في حال محاولتنا تصديقها، فإن ما ستسفر عنه الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في 24 يونيو المقبل ستكون غير مؤكّدة بشكل كبير.

وتتناقص يوما بعد يوم مشاعر التفاؤل لدى أحزاب المعاركة نظرا لتزايد المخاوف بأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد يحاول تقويض العملية الديمقراطية لاكتساب الشرعية التي يحتاجها.
وبعدما قضى 16 عاما في السلطة، فإن الإيمان في أردوغان وحزب العدالة والتنمية؛ الذي ينتمي إليه، قد تعرض لهزة مؤخرًا بسبب المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها البلاد، والتي انعكست في التراجع المزعج الذي تشهده قيمة الليرة التركية، والتضخم الذي مازال فوق نسبة 10 بالمئة. كما نحت المعارضة المنقسمة هي الأخرى خلافاتها جانبًا لتقديم جبهة موحدة ضد حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا.
ومع الأخذ في الاعتبار أن الهزيمة في الانتخابات قد ينتج عنها التعرض للمحاكمة، وربما السجن بالنسبة لأردوغان وحلفائه، فمن المحتمل أن يرفض الرئيس قبول نتائج الانتخابات التي لا تكون في صالحه. وفي مثل هذه الظروف، ربما يحشد أردوغان أنصاره بنفس الطريقة التي دعاهم بها للخروج إلى الشوارع لمواجهة محاولة الانقلاب التي وقعت في شهر يوليو من عام 2016.
وكتب هاورد ايسنستات، وهو زميل كبير غير مقيم في "مشروع حول ديمقراطية الشرق الأوسط" وأستاذ مشارك في تاريخ الشرق الأوسط في جامعة سان لورانس قائلًا إن أردوغان "يفضل الفوز بالانتخابات ديمقراطيا، حيث سيضمن هذا له أقصى درجة من الشرعية. لكن مع النظر إلى المخاطر المحدقة، ولهجته الخطابية في المبالغة في المعاناة لحشد التعاطف، والولاء، ومحاصرة الأمة، فثمة سؤال مفتوح حول ما إذا كان مستعدًا للخسارة إذا ما صوت الناخبين ضده".
لكن مثل هذه التصرفات ستدمر تمامًا ادعاءات أردوغان الديمقراطية التي يرددها مرارًا وتكرارًا. ومن ثم فإن مثل هذه الأساليب، إذا ما تم توظيفها بعد رفض الناخبين، ستكون هي الملاذ الأخير له.
ومن المرجح على نحو كبير أن يسعى أردوغان للاحتفاظ بالسلطة عن طريق تقويض العملية الديمقراطية بدلًا من رفض نتيجتها التي لا تصب في صالحه.
ومن المقبول على نطاق واسع أن البيئة التي تُجرى فيها الانتخابات، مثلها مثل البيئة التي جرت فيها آخر انتخابات في تركيا، بيئة ليست حرة ولا نزيهة. ومع الأخذ في الاعتبار تسامح السلطات مع هذا الوضع، فلا يوجد سبب وجيه للاعتقاد في أنهم لا يفكرون أيضًا في تزوير الانتخابات لضمان احتفاظ أردوغان بالسلطة. وتمثل مثل هذه الخطط تهديدًا أقل للنظام والاستقرار من النشر الدقيق ثم رفض قبول فرز صناديق الاقتراع التي لا تصب في صالح الحكومة.
وفي الوقت الذي قد يبدو فيه من الصعب تزوير الانتخابات في أماكن كثيرة من غرب تركيا، حتى مع التغييرات الأخيرة التي تم إدخالها على قانون الانتخابات الذي يبدو أنه صُمم لتسهيل مثل هذه الممارسات، فإن الوضع مختلف في جنوب شرق تركيا المضطرب.
ومع وجود رقابة أقل فاعلية على صناديق الاقتراع، فهناك فرصة كافية للتزوير. فكل من الأدلة المروية والتحليل الإحصائي لنتائج صندوق الاقتراع من منطقة تضمنت تزويرًا على نطاق واسع في كل من الانتخابات البرلمانية الثانية التي أجريت في عام 2015 والاستفتاء الذي أجري العام الماضي لتغيير النظام الرئاسي.

والمخاطر المحيطة هذه المرة أعلى. ومن ثم، فإنه مع افتراض أن وجود تقارير مبكرة عن التزوير دقيقة، فإن هناك سبب لافتراض أنها سيتم تنقيحها وإعادتها. فالتزوير في جنوب شرق البلاد غير مُلح فحسب لأن تنفيذه أسهل من أي مكان آخر في البلاد.
وفي الانتخابات السابقة، كان هناك عامل مهم في نجاح أردوغان يكمن في قدرته على جذب الناخبين من أكراد تركيا، المتمركزين في جنوب شرق البلاد. ومنذ عام 2015، فإن نفوذ أردوغان على هذه الحشد من الناخبين قد تقلص.
ولم يعزز انهيار محادثات السلام بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني، الذي يكافح من أجل حكم ذاتي في جنوب شرق تركيا ذي الأغلبية التركية منذ عام 1984، فرصة أردوغان في المنطقة. كما لم تسفر عن ذلك أيضًا العمليات الأمنية التالية التي قامت بها تركيا في جنوب شرق تركيا، ولا عملياتها الهجومية على القوات الكردية في سوريا.
وينطبق نفس الشيء على حزب الشعوب الديمقراطي المعارض المؤيد للأكراد، الذي حصل على دعم كبير في المنطقة في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في البلاد في عام 2015، والذي شهد تعرض العشرات من مسؤوليه المنتخبين للسجن منذ ذلك الحين.
وفي كل من الانتخابات التي أجريت في شهري يونيو ونوفمبر من عام 2015، حصل حزب الشعوب الديمقراطي على أكثر من نسبة عشرة بالمئة من أصوات الناخبين اللازمة لشغل مقاعد في البرلمان. وفي حالة فشل حزب الشعوب الديمقراطي هذه المرة في تجاوز الحد الأدنى البالغ نسبته العشرة بالمئة ، فقد يُتوقع أن يحصل حزب العدالة والتنمية على 30 مقعدًا إضافيًا في حال حصل على المركز الثاني في العديد من الدوائر الانتخابية الواقعة جنوب شرق البلاد.
ومع انحسار دعمه بين الأكراد، فإن أردوغان سعى لتعزيز دعمه بين القوميين الأتراك، وانتهاج لهجة خطابية عدائية متزايدة تجاه الأكراد. وقد شكل الرئيس ائتلافًا مع حزب الحركة القومية الذي يؤيد الحكومة في تخليها عن محادثات السلام مع حزب العمال الكردستاني.
ومن الواضح أن أردوغان خلص إلى أن ضمان دعم القوميين يمكن أن يحل محل الدعم المتقلص من أكراد تركيا. لكن الأمور لم تسر في هذا الاتجاه مع دعم أنصار حزب الحركة القومية الذين تركوا الحزب بأعداد كبيرة الحزب الصالح الذي تشكل حديثا والذي تتزعمه ميرال أكشينار التي تكن عداء لأردوغان.
ومن ثم فإن الحسابات الانتخابية يبدو أنها غير مواتية بالنسبة لأردوغان. فلهجته القومية غير محببة لدى الكثير من الأكراد. لكنه يحتاج أصواتهم. وعن طريق تزوير الانتخابات في جنوب شرق البلاد، سيستطيع أردوغان تفادي هذه المشكلة، وحرمان الأكراد أيضًا، وسيفوز بالقوميين الأتراك والآخرين، الذين يرون أن ظهور التأثير الكردي في السياسات التركية يمثل تهديدًا خطيرًا للدولة.
ومن ثم، فإن السهولة النسبية للتزوير في جنوب شرق البلاد، وامتدادها الإيديولوجي في دوائر محددة وفعاليتها المرجحة، بالإضافة إلى سجل الحكومة التركية في الانتخابات الأخيرة، يضمن أن تزويرًا على نطاق واسع ليس سيناريو يمكن حدوثه فقط، بل سيكون سيناريو من المرجح حدوثه في انتخابات 24 يونيو المقبل.
ومن ثم، فإن عواقب أي نتائج انتخابات من شأنها أن تُعيد أردوغان إلى السلطة ستعتمد إلى حد كبير على مفاهيم المعارضة التركية. وإن أمكن نفي ادعاءات تزوير الانتخابات بشكل مُقنع، فمن ثم سيكون أردوغان قادرًا على الاستمرار مثلما كان في السابق. لكن إذا كان الدليل واضحًا، وواسع النطاق، وصادمًا، فمن ثم ستلوح المشكلة في الأفق. ولن تحتاج الحكومة فقط إلى فرض تدابير أكثر صرامة من تلك التي تستخدمها حاليًا للسيطرة على تدفق المعلومات، بل قد تحتاج إلى أن تطلب من مؤيديها الخروج إلى الشوارع، ليس لإلغاء نتائج الانتخابات التي لا تصب في صالحهم لكن "لاستعادة النظام الديمقراطي"، ولضمان أن النتائج الرسمية للانتخابات، على الرغم من أنها قد تكون مزورة، يتم احترامها.
وأمام أحزاب المعارضة مهمة صعبة في التعامل مع مخاوف تتعلق بنزاهة التصويت. فلحزبي المعارضة الرئيسين حزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح وجود ضئيل في جنوب شرق تركيا، ومن ثم يفتقدان مراقبة الأحداث هناك بصورة فعالة. وعلى العكس من ذلك، فإن جنوب شرق البلاد يعد معقلًا لحزب الشعوب الديمقراطي. لكن الحكومة التركية قامت بشيطنة الحزب وسيكون من الصعب منع حدوث تلاعبات في صناديق الاقتراع أو مساءلة الحكومة عن أي شيء قد يحدث. 
وما قد يساعد حزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح هو التعاون مع حزب الشعوب الديمقراطي في مراقبة التصويت في جنوب شرق البلاد. وهذا ليس مستحيلًا. فعلى الرغم من الاختلافات التي تتسبب في حدوث فجوة، وخاصة بين القوميين الذين يميزون الحزب الصالح وحزب الشعوب الديمقراطي، فإن تقليل التزوير يصب في صالح أحزاب المعارضة الثلاثة. وليست هناك حاجة لتمديد أي تعاون لأكثر من مراقبة صناديق الاقتراع حيث قد يكون لهذا تأثير رادع.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/2018-elections/electoral-fraud-turkey-far-madding-crowd