هشام النجار
يناير 16 2018

يناير الثامن ولم يستفد أردوغان من دروس الربيع العربي

أذكر جيدًا عن نيويورك تايمز هذه الجملة "أردوغان ثبت نفسه زعيمًا للإسلاميين، وخاصة بعد أن نجح في إفشال المحاولة الانقلابية، وشرع بشن حملة تطهير واسعة للمؤسسات العسكرية والقضائية، ولكن ما يزال السؤال الآن: إلى أين يأخذ تركيا؟"
الشعب هو درس يناير الأول والمكرر منذ انتفاضات يناير العام 2011م، والتي كانت تركيا كامنة في كواليسها وتفاصيلها، وكان هناك على الطريق في زمنين متقاربين انتفاضة مجهضة في حديقة غيزي ثم المحاولة الانقلابية.
مع غموض المحاولة الانقلابية وتشعب تفسيراتها فهي أيضًا لا تبتعد عن حالة اليأس العامة التي طالت ضمن من طالت قطاعًا داخل الجيش، فهل سُئل عن الأسباب وتمت معالجة الخلل؟
لا.. إنما اتخذت المحاولة ذريعة لتكريس دوافع الإحباط التي أطلقت الانتفاضة وأسهمت في الانقلاب.
جرسا إنذار دقا في قلب تركيا حذرا من الممارسات التسلطية والشعبوية والإقصائية، وانتهاج الانتقام كسياسة ثابتة في التعامل مع كل المعارضين والخصوم السياسيين.
هناك داخل تركيا وفي قلب المؤسسة العسكرية وفي صفوف المعارضة من تحرك ضد المحاولة الانقلابية لا حبًا في أردوغان بل في تركيا؛ حتى لا تعمها الفوضى أو تعود للعسكرة، ليحول أردوغان المسار لشمولية معتبرًا ما جرى تفويضًا لتكريس صلاحياته وقبضته على السلطة.
يذهب العديد من الخبراء لترجيح نظرية المؤامرة والتخطيط من قبل قوى خارجية لانتفاضات الربيع العربي، وهي الرؤية التي أكدتها طبيعة الأحداث التي تلتها، لكن هذا لا ينفي أن التحركات الشعبية عانقت عفوية وبراءة الملايين ممن طمحوا في التغيير للأفضل سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.
اللافت هنا تلك الأعداد الكبيرة التي طالتها التوقيفات في تركيا وهي غير محصورة في فئة أو مؤسسة بعينها بل موزعة على فئات الشعب التركي، بما ينطوي على مروحة واسعة من المؤيدين والمتعاطفين مع مسار التغيير، بينما تعامل أردوغان مع الجميع كمتآمرين وخونة دون تفرقة.
أردوغان نفسه الذي يعمم هكذا شوهد مرارًا في مؤتمرات التحضير لربيع العرب في العام 2010م تلك التي أقيمت في أميركا وقطر وتركيا، بجانب شخصيات من الإسلام السياسي وأخرى ليبرالية، بمعنى يمكن القول أنه أسهم في الجانب المؤامراتي للربيع العربي لأهداف صارت معروفة.
أستطيع أن أنقل خلاصة التجربة المصرية وهناك قضية معروفة لم تحركها الهيئات القضائية بعد ضد شخصيات سياسية وإعلامية وإسلامية تعاملت مع الخارج وتلقت تمويلات وهي القضية رقم 250 حصر أمن دولة عليا.
ويلمح لها بعض الإعلاميين من حين لآخر لكن يبدو أنها مؤجلة أو لن ترى النور، وأظن أنه الحرص على احتواء هؤلاء للصف الوطني والاكتفاء بالأعداد التي انخلعت عنه.
الدولة لم تتعامل مع الحالة الإسلامية ككتلة واحدة وبالرغم من مشاركة قطاع عريض من السلفيين للإخوان في ممارسة العنف وتغذيته، فهم ممثلون بحزب في البرلمان. 
ولم توجه الضربة لمجمل الأحزاب الإسلامية على الرغم من إسهامها في الأحداث، وكان هناك حرص على التعامل مع العنف والتحريض بشكل شخصي، فالقيادي أو العضو الذي ارتكب جرمًا يحاكم دون المساس بحزبه.
فرقت الدولة المصرية في التعامل بين صنفين من الثوار والإسلاميين، والقسوة المقننة كانت فقط نصيب من تلوث بالتآمر والتمويل الخارجي وقد ثبت ذلك يقينًا على جماعة الإخوان.
في المقابل تعامل أردوغان مع وضع مشابه كأنه في مجمله عدوان خارجي على تركيا، ولأنه بيت الانتقام من الجميع لإخراس صوت المعارضين فقد تعامل مع المشاركين والمتعاطفين وحتى من أبدوا التعاطف ومن تربطهم صلة قرابة بهم كأنهم غرباء وأعداء لوطنهم.
انقضاض أردوغان على المعارضين أجمعين ووصمهم بالتآمر خلق هذا الاستقطاب الحاد، وهو ما أوصل تركيا إلى هذه المنزلقات الخطيرة، لأنه بمثابة تجريف للمشهد السياسي وصبغه بلون واحد بهدف إشباع هوس الزعامة.
الجيش هو الدرس الثاني ليناير، وقد حاولت جماعة الإخوان في مصر إهانة المؤسسة العسكرية وقادتها عندما أقالوا القائد العام ورئيس الأركان وتحدثوا عن تطهير الجيش من الفساد وفلول نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، وفي أسلوب احتفالهم بذكرى انتصار حرب أكتوبر 1973 والذي قلل منها.
لكن الأخطر هو تجاوز خبرات ورؤى المؤسسة العسكرية بشأن التعاطي مع الوضع الإقليمي، عندما سعت الجماعة لجر البلاد للاشتباك داخل صراع مذهبي في سوريا ولمغامرات غير محسوبة خارج الحدود خدمة لأجندات أيديولوجية.
بمرسوم إعفاء المدنيين المعتدين من الملاحقات القضائية، أكد أردوغان على رغبته في الانتقاص من الجيش التركي بعد تعرض البعض من ضباطه للضرب المهين على يد أنصاره، وبعد فصل واعتقال عديد من قادته، رغم إحباط الجيش نفسه للمحاولة الانقلابية. 
تسيطر هذه الأسطورة الخرافية على عقلية الإسلاميين في مصر وتركيا؛ يظنون أنهم في حالة صراع مع الجيش الحامي للعلمانية وأنه هو من يحول دون وصولهم للسلطة، ولا حل لهذه المعضلة إلا بإضعاف الجيش وزيادة نفوذ الميليشيات المؤدلجة.
الجيش مسهم في الإصلاح المأمون فلا يتعداه لتغييرات رجعية بفلسفة الحكم وهوية الدولة وهيكل السلطة. 
نعم هو حامي العلمانية، فلا تسيطر قوة طائفية تزعم الحكم باسم الرب فلا مجال للتعددية والنقاش الحر، ولأن الإسلام السياسي يزعم امتلاك الحقيقة المطلقة المتعالية فلا محل لمعارضتها أو نقدها.
كما أن الربيع العربي في جانبه البريء والثوري النقي، ابتداءً من العام 2011م، هو محاولة للتخلص من الطغاة الذين سيطروا تقليديًا على الدول العربية، بشكل أو بآخر يعكس أردوغان وحلفاؤه الإسلاميون المسار لتمكين ديكتاتوريات دينية.
الإصلاح والتغيير لا يكون بالإحلال والتبديل على طريقة الإسلاميين، كما أنه لا يتحقق عبر أحزاب شمولية بمعزل عن الشراكة المجتمعية وإسهام التيارات السياسية والفكرية، علاوة على الدعم الضخم الذي توفره المؤسسة العسكرية للشرعية الحاكمة.
لذا نرى أن سر التراجع الكبير في مسار الإصلاح السياسي والإقتصادي بتركيا هو خسارة ما خسره الإسلاميون في مصر؛ وأعني دعم وشراكة الشعب بمختلف تياراته وانتماءاته والجيش.
الحال اليوم داخل تركيا وفي سياق العلاقة التي تربط النظام بدول وشعوب الإقليم والمنطقة العربية، هو الرفض الشعبي والمؤسسي، لتخسر تركيا العلاقة الطبيعية مع الشعوب والمؤسسات في سبيل الإبقاء على العلاقة بخط الإسلام السياسي الذي بات اليوم في أضعف حالاته.
صحيح أن الدور التركي بالمنطقة والإقليم حاضر وفاعل منذ العام 2011م، لكن ماذا عن تطوير هذا الدور وتصحيح مساره عامًا بعد عام، وفق المتغيرات التي تطرأ أولًا بأول، وقد مر إلى الآن نحو ثمانية أعوام على فرضيات مبدئية لم تعد كما كانت، كما تغير الكثير بشأن موقف دول العالم من الإسلام السياسي.
رأى العالم أن للشعب اختيار آخر مختلف عن اختيارات السلطة الدينية عقب الثورة التصحيحية التي قام بها المصريون في العام 2013م، وأظل هذا المشهد سماء إيران مؤخرًا، كما أنه مر في الفضاء التركي، ورأى العالم كيف مصير الدول التي تضعف جيوشها لحساب الميليشيا.
إنه ثامن يناير يمر على ثورات الربيع العربي ولم يقف أردوغان على دروسه الرئيسية ليتعلمها، غارق في الشق المؤامراتي ومستمتع باللعب مع الإسلام السياسي، غير واع بتأثير وحضور وقرار ثابتين إستراتيجيين رئيسيين؛ الشعب العفوي النقي غير المؤدلج ويمثل الغالبية، والجيش كمؤسسة وطنية يمتلك رؤية وموقفًا وتفسيرًا خاصًا للأحداث والتحديات، ومن ثم تعاطيًا مختلفًا معها.