نوفمبر 22 2018

"يوم الأريشته" في قرية تركية

في الخريف من كل عام، يجني الأتراك المحصول ويبدؤون في تجهيز إمداداتهم الغذائية السنوية. في شرق البلاد، هذا يعني التجمع لصنع الأريشته، أو حساء الزلابية. وطريقة عمل الأريشته معقدة وتختصّ بها الثقافة الكردية. وهي ليست مجرد طعام، وإنما تقليد قديم يجمع المجتمعات معا.
في البداية يُستخدم الطحين والماء والملح لصنع عجين بسيط. ويتم تقطيع العجين إلى قطع في حجم قبضة اليد يتم فردها حتى تصبح رقيقة، ثم يتم تجفيفها في الشمس. بعد ذلك يجري تقطيعها إلى مربعات صغيرة مساحتها حوالي سنتيمترين في سنتيمترين، لصنع معكرونة الأريشته التي يتم عملها خصيصا لهذا الحساء. وكثيرا ما تترجم كلمة "الأريشته" إلى "الزلابية"، غير أن الترجمة الأدق ربما تكون "المعكرونة المسطحة".
وبقدر ما تسعفني به الذاكرة، فقد كان يتم طبخ حساء الأريشته في بيتنا في الشتاء. ومن المعتقد أن لهذا الحساء آثارا علاجية. تقول أمي لنا دائما "هذا الطبق علاج، ولذا تناول طبقين لأنك ربما لا تجده متاحا أمامك دائما مثل الآن".

كان القرويون أول من صنع الأريشته قبل قرون من الزمن، كأحد الأطباق المتواضعة للفقراء. والأريشته الكردية، والمينيستروني الإيطالية والمعكرونة الصينية كلها مصنوعة في الغالب من نفس المواد الأساسية، وهي الطحين والملح والماء.
وفي مطلع الخريف من كل عام، تتجمع نساء القرى الكردية معا ويقمن بصنع الأريشته. في قرية كوناج بمنطقة إكسولكسول في إقليم بينغول، قامت النساء هذا العام بعمل الأريشته معا. كان منزل زعيم القرية شرف الدين تان هو ثاني منزل في القرية الذي بدأ في عمل الأريشته. جمعت بسيمة زوجة شرف الدين سبعة من النساء لفرد العجين. بعد ذلك قام شرف الدين ورجل آخر هو بيرم طازي بتقطيع معكرونة الأريشته إلى مربعات صغيرة. 
وكانوا قد قاموا بإعداد العجين في الليلة السابقة وجهزوه للصباح. وتم إخراج كل الأدوات من المخزن، بما في ذلك أدوات رق العجين والطاولات الدائرية الكبيرة وسكاكين التقطيع. ويكون البيت المستضيف لعملية صنع الأريشته مسؤولا أيضا عن تقديم الشاي والطعام طوال اليوم. 

تحضير العجين

يبدأ العمل عموما في التاسعة صباحا، ويضم فريقا من عشرة أفراد بينهم رجلان. وفي كوناج، كان كورتولوش البالغ من العمر عشرة أعوام والذي يقيم مع جدته، يقوم بتسلية الفريق. 
تجلس نوران، التي صنعت العجين، بجوار وعاء كبير. تقوم بإعداد العجين على طاولتها الدائرية الكبيرة، ثم تقطعه إلى قطع في حجم قبضة اليد وتوزعه على النساء الأخريات. وتستخدم مغرفة مسطحة كبيرة لتقطيع العجين لأنه قاس بدرجة يضعب معها قطعه باليد أو بملعقة. 
والعجين مالح بشدة من أجل حفظ الأريشته لفترة طويلة وللحيلولة دون تفككه عند غليه في الحساء. وفي الأجواء غير الرطبة يمكن تخزينه لما يصل إلى عامين. 
وتقوم نساء كوناج بعمل الأريشته للعديد منهن. وتُعتبر غولر أفضل من يقوم بفرد عجين الأريشته في القرية، وتتم دعوتها إلى كل تجمع لصنع الأريشته. ويحتاج فرد العجين القاسي إلى هذا السمك إلى مهارة حقيقية. وبوسع غولر عادة فرد 12 قطعة من العجين في الساعة، لكنها في هذا اليوم قالت إنها تفرد عشرة فقط.

يبدأ العمل عموما في التاسعة صباحا، ويضم فريقا من عشرة أفراد بينهم رجلان. وفي كوناج، كان كورتولوش البالغ من العمر عشرة أعوام والذي يقيم مع جدته، يقوم بتسلية الفريق.  تجلس نوران، التي صنعت العجين، بجوار وعاء كبير. تقوم بإعداد العجين على طاولتها الدائرية الكبيرة، ثم تقطعه إلى قطع في حجم قبضة اليد وتوزعه على النساء الأخريات. وتستخدم مغرفة مسطحة كبيرة لتقطيع العجين لأنه قاس بدرجة يضعب معها قطعه باليد أو بملعقة.  والعجين مالح بشدة من أجل حفظ الأريشته لفترة طويلة وللحيلولة دون تفككه عند غليه في الحساء. وفي الأجواء

غولر وهدية وهاتون وكبار وتوركان ونوران وانضمت إليهن أينور وصفية لاحقا. عندما قامت كبار بعمل الأريشته أول مرة كان عمرها 14 عاما. والآن فهي تصنع الأريشته منذ نحو 50 عاما. وتقول كبار إن كيسا واحدا من الطحين يمكن أن ينتج حوالي 20 كيلوجراما من الأريشته. 
وتقول توركان إن أهم خاصية في عمل الأريشته هي تجفيفها في الشمس. ويتم هذا في سبتمبر لأن حرارة الشمس لا تكون شديدة بدرجة تحرق الخبز. 
وبرغم كونها إحدى أكبر نساء قرية كوناج سنا، فقد جاءت أموجا زاتون (85 عاما) للمساعدة، وكذلك فعلت العمة ميروني (80 عاما) التي كانت تصنع الأريشته حتى بضع سنوات قليلة مضت. وتقول كلتاهما إن القرية تقوم بعمل الأريشته منذ تأسيسها. وتضيف توركان قائلة "كانت جداتنا يجعلننا نأكل الحساء كمضاد حيوي".
في الماضي، كانت صاحبة الضيافة تقدم للنساء خبز زيرويت التقليدي الكردي، وتتمّ إضافة لبن زبادي مجفف يعرف باسم جورتان إلى حساء الأريشته. لكن حتى التقاليد معرضة للتغيير. 
لكن السبب الرئيسي لاحتفاظ الأريشته بمكانة مهمة في الثقافة الكردية هي عادة الناس، ومعظمهم النساء، في التجمع للعمل معا في عمل جماعي مشترك، لكل واحد فيه مهمة مختلفة. 
في الغالب، يقوم شخص بإعداد العجين ويقوم آخر بتقطيعه إلى أجزاء في حجم قبضة اليد على أن يقوم ثالث بفردها ويعمل آخر على وضعها في الشمس كي تجف، ثم يقوم شخص بتقطيعها وهكذا. ويتناوب العاملون، ومعظمهم نساء، على تلك الأعمال ويؤدون المهمة بشكل جماعي. 
وفي كوناج، مثلما هو الحال في القرى المجاورة، يمكن أن ينضم الرجال أيضا إلى عملية إعداد الأريشته. لكن بوجه عام، تهيمن النساء الكرديات على عملية صنع الأريشته. 
تقوم بسيمة، التي تستضيف عملية اليوم، بنشر العجين على أغطية كبيرة على الأرض وتقديم أطعمة خفيفة. وتتحرك لطفية هنا وهناك، وتبسط العجين الذي تم فرده للتو وتحمل الجاف منه إلى شرف الدين وإلى شقيقها بيرم. وهناك، تأخذ الأريشته التي تم تقطيعها وتقوم بغربلتها في غربال خشبي قبل وضعها على مشمع مرة أخرى. 
وشرف الدين، سائق سيارة أجرة ويعمل أيضا في تربية النحل. ويقول إن الأريشته هي الأكلة الوطنية للأكراد، لاسيما أهل كوناج. ويقول شرف الدين الذي كان يقوم بتقطيع الأريشته منذ ساعات إنه يعرف ما إذا كانت قد صنعت جيدا عندما يكون صوت التقطيع جميلا. 
عندما ينتهي عمل الأريشته، يقوم كل شخص بتنظيف نفسه قبل أن يأخذ مكانه على طاولة العشاء. وأعدت بسيمة قائمة طعام غنية، لكن العشاء قد التُهم سريعا. وفي نهاية يوم عمل طويل وشاق، يكون بوسع النساء أخيرا أن يخلدن إلى الاسترخاء ويتجاذبن أطراف الحديث وهن يتناولن الشاي. 
ويخشى بعض النساء أن يختفي تقليد صنع الأريشته الجماعي مع مرور الوقت. وتثق هدية في أن ابنتها ستظل متمسكة بهذا التقليد، بينما تعتقد هاتون أن الجيل القادم سيخرج ويشتري الأريشته الجاهزة الصنع. وتقول "لا أعتقد أنها ستكون مثل الأريشته المصنوعة في المنزل".
بالتأكيد لن تكون مثلها.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey/erishte-day-kurdish-village
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.