فهمي كورو
أغسطس 09 2018

يوم مصيري لحزب الشعب الجمهوري

هناك من ينظرون إلى هذا اليوم باعتباره "يوماً مصيرياً" بالنسبة إلى حزب الشعب الجمهوري، وينتظرون ميلاد حزب جديد من رحم هذا الحزب، تحت أي ظرف من الظروف.

إذا نجح "فريق المعارضة داخل الحزب"، الذي يرى أن الإخفاق في الانتخابات يستدعي الدعوة للاحتشاد في "مؤتمر عام"، في جمع عدد كافٍ من توقيعات النواب من أجل هذا الأمر، فمن المحتمل – وبشكل كبير- أن تتغير إدارة الحزب الموجودة في المؤتمر العام، وأن يتم دمج حزب جديد لحزب الشعب الجمهوري. أما إذا لم يجتمع المؤتمر العام للحزب؛ بدعوى وجود نقص في عدد التوقيعات (5-10 توقيعات)، فمن المتوقع أن ينفصل "المعارضون داخل الحزب"، أو على الأقل جزء منهم؛ لأنه لم يعد لهم مكان فيه. أو بتعبير آخر، سيتم استبعادهم؛ لأنهم صاروا مصدراً للمشكلات داخل الحزب.

وعلى كل الأحوال، فاحتمال ميلاد حزب جديد من حزب الشعب الجمهوري لا يزال قائماً.

لا يمكنني أن أقول كلمة "مستحيل" أمام هذه الاحتمالات؛ لأن حزب الشعب الجمهوري حزب "مثمر"، ويشهد تاريخه الكثير من النماذج المشابهة. 

يعود حزب الشعب الجمهوري إلى فترة أقدم من عمر الجمهورية نفسها. ولهذا السبب استمر لسنوات طويلة ينظر إلى السلطة والحكم باعتبارهما حق أصيل من حقوقه، كما كان حزب الشعب الجمهوري قاطرة التحول في تركيا مرة أخرى، بعد الحرب العالمية الثانية؛ عندما وجدت تركيا نفسها عضواً في جبهةٍ عرفت باسم "العالم الحر". وخرجت المعارضة من داخل الحزب نفسه.

من هذا الحزب خرج أتاتورك، وتولى رئاسة الوزراء بعد إعلان الجمهورية، إلى جانب أنه أصبح اسماً مهماً في مرحلة التحول إلى الحكم الجمهوري. وبعد موته استطاع جلال بايار بأسلوبه أن يضمن مجيء عصمت إينونو لمنصب رئاسة الجمهورية، وضم إلى جانبه ثلاثة أسماء أخرى؛ لكل منها سماته المختلفة.

أراد بايار ورفاقه كورالتان والبروفيسور كوبريلي وعدنان مندريس أن يساير حزب الشعب الجمهوري المرحلة الجديدة، فأعدوا برنامجاً جديداً؛ طالبوا فيه أن يكفل الدستور الحقوق والحريات الأساسية، وأن تُفعَّل الديمقراطية بكامل أسسها ومؤسساتها، وقدموا "تقريراً" إلى الكتلة البرلمانية لحزبه؛ كي يتم مناقشة هذه الأمور.

يعود تاريخ هذا المقترح، الذي عرف باسم "التقرير الرباعي"، والموقع من قبل الأصدقاء الأربعة، إلى السابع من يونيو 1945.

وبعد جولة صعبة من المناقشات تم رفض هذا المقترح (12 يونيو 1945)، وتم استبعاد مندريس وكورالتان وكوبريلي من حزب الشعب الجمهوري (21 سبتمبر 1945)، وتقدم بايار بعد ذلك باستقالته من الحزب (1 ديسمبر 1945). ولم يمضِ وقت طويل حتى أسس الأصدقاء الأربعة حزباً جديداً عُرف باسم الحزب الديمقراطي (7 يناير 1946).

كان عصمت إينونو يدرك جيداً أن حزب الشعب الجمهوري لن يلبي طموحات الشعب، وأنه سيقف عاجزاً أمام تغيرات المرحلة الجديدة التي يشهدها العالم. من أجل هذا، كان يُنظر إلى الحزب الديمقراطي بوصفه محاولة لتكوين معارضةٍ تضم أشخاصاً يثق بهم إينونو؛ هدفها مسايرة المرحلة الجديدة. من أجل هذا، عرف هذا الحزب في فترة من الفترات باسم "حزب المتواطئين".

واستطاع الحزب الديمقراطي في عام 1950 الوصول إلى السلطة في ثاني انتخابات عبر صناديق الاقتراع. 

لم ينفرد حزب الشعب الجمهوري بالسلطة بعد عام 1950 -بخلاف الفترة القصيرة، التي تولى فيها إينونو رئاسة الوزراء عقب انقلاب 27 مارس 1960-بعد أن حكم لفترة طويلة عرفت في تاريخنا السياسي باسم "فترة الحزب الواحد". 

استمر حزب الشعب الجمهوري على هذا الحال حتى يومنا الحالي أيضا، ولم يصل إلى حكم تركيا بنسبة 25% التي حصل عليها في الانتخابات، بل ولم يتمكن في كثير من الأحيان من إدراك سقف اﻟ 30% مهما فعل.

وعندما سُمِح بإعادة تكوين الأحزاب بعد انقلاب 12 سبتمبر (1980)، فضَّل بولنت أجاويد، الذي نجح في تخطي حزب الشعب الجمهوري من بعد عصمت إينونو، أن يخرج إلى الشعب بحزب جديد تماماً؛ عُرف باسم (حزب اليسار الديمقراطي). كان يريد بهذا أن يعلن بوضوح انقطاع أية صلة له بحزب الشعب الجمهوري.

لا يمكن حصر مشكلة حزب الشعب الجمهوري في نقاط بعينها؛ مثل الزعيم وكادر الإدارة، أو حتى في المبادئ التي يدافع عنها، أو في تصوره للحياة في تركيا، أو في فلسفته كما يعتقد البعض؛ لأن المشكلة تضرب بجذورها، في الأساس، إلى تاريخ حزب الشعب الجمهوري نفسه؛ لذلك لم يختلف الأمر كثيراً داخل الحزب مع توالي القيادات أو مع اختلاف السياسات؛ إذ لم يستطع تخطي هذه العقبة على أي حال من الأحوال.

ولم يتخط هذه العقبة، مع ظهوره في صورة "يسار الوسط"، أو في صورة "الديمقراطي الاجتماعي".. لم يتخط هذه العقبة كذلك مع (أردال إينونو)، الذي يحمل اللقب "إينونو". وقد رأينا كمال كليجدار أوغلو، وهو يبذل جهوداً غير عادية؛ حتى ينفتح على كتلة أكثر رحابة، ومع هذا لم يستطع أن يغير من حظ الحزب العاثر..

هل سيتغير الوضع لو جاء محرم إينجه على رأس حزب الشعب الجمهوري؟

إذا قام حزب الشعب الجمهوري (حزب المعارضة الرئيس) بواجبه بصدق وإخلاص، وأعد نفسه لمتطلبات المرحلة، حينها يمكن القول إنه أنجز عملاً سليماً.

أعتقد أن الانطلاق بتقرير على شاكلة "التقرير الرباعي" سيحمل معنى كبيراً لدى السلطة الحاكمة. وقد عاش حزب الشعب الجمهوري هذا الأمر في عام 1945.

وبالنسبة لليوم، فلا أعتقد أن طموحات "اليوم المصيري" سيكون لها معنى حقيقي بالنسبة لحزب الشعب الجمهوري؛ فإذا حدث الانفصال عن الحزب، فهذا الأمر ليس بجديد، فقد عاش الحزب الوضع نفسه في عام 1972، عندما خرج من داخله حزبٌ أُطلق عليه اسم "حزب الثقة"، وعندما ترك إينونو وأجاويد مكانيهما في الحزب. لم يفلح حزب الشعب الجمهوري بعد هذا كله، ولم يجنِ الذين انفصلوا عنه، وأسسوا أحزاباً جديدة إلا خيبة الأمل كذلك.


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا: