110مليار ليرة قروض متعثرة، مخاوف المستثمرين تُهدّد بنوك تركيا

 

يكتسب دعم المستثمرين المحليين لليرة التركية درجة كبيرة من الأهمية، خاصة مع استمرار الانخفاض في قيمتها، وسط حالة من الغموض تخيم على الوضع السياسي في الداخل والخارج على حدٍ سواء، وتدهور المؤشرات الاقتصادية. ومع ذلك، يُصرّ أصحاب الودائع والمستثمرون المحليون في تركيا على اتخاذ موقفٍ لن يكون في صالح العملة المحلية، على الرغم من الدعوات المتكررة من جانب الحكومة للحفاظ على قيمة العملة المحلية من الانهيار.
فعلى الرغم من القرارات التي اتخذتها الحكومة التركية لتعديل سعر الفائدة، رغبة منها في جذب المستثمرين، ورفع نسبة إقبالهم على العملة المحلية، إلا أن هذا كله لم يفلح في تحويل اهتمامهم عن العملة الصعبة، بل وكانت النتيجة أن هذه الإجراءات أثارت الكثير من التساؤلات حول جدوى سياسة البنك المركزي التركي، بعد أن أقرّ العام الماضي سعر فائدة يُعدّ من أعلى أسعار الفائدة على مستوى العالم.
اقترب سعر الفائدة، في الأسابيع الأخيرة، على الودائع، وخاصة بالنسبة لأصحاب الحسابات الضخمة لنسب البنك المركزي البالغة 24%. ولن يكون مستغرباً لو اضطر البنك المركزي، إذا لم ينجح في إدراك هدفه بشأن كبح اتجاه المواطنين نحو الادخار بالعملة الصعبة، أن يعاود، تحت ضغط السوق، رفع سعر الفائدة مرة أخرى.
والحقيقة أن أية محاولة من هذا القبيل؛ أي اتجاه البنك المركزي لإقرار أية زيادة محتملة أخرى على سعر الفائدة، سيكون من شأنها إثارة الكثير من المشكلات على الساحتين السياسية والاقتصادية، اللتين تمران في الوقت الحالي بحالة ركود شديدة. ومن الطبيعي أن وضعًا كهذا سيثير المشكلات بالنسبة للبنوك، التي منحت قروضاً بمقدار 1.5 ضعف الودائع بالليرة التركية، ولا تزال تعاني من مشكلات القروض المتعثرة بما يقرب من 20% من قيمة القروض التي منحتها. وهذا يعني أن إقرار أية زيادة جديدة في سعر الفائدة سيشكل عبئاً آخر على الاقتصاد التركي، وسيؤجج - من ناحية أخرى - مشكلات القروض المعدومة في البنوك التركية؛ الأمر الذي سيدفع القطاع المصرفي بكامله إلى طريق مسدود.
استطاعت المجموعة الاقتصادية داخل الحكومة الحالية أن تلبي مطالب المستثمرين المحليين من العملة الصعبة في السنوات الأخيرة بفضل تدفقات رأس المال القوية على البلاد في ذلك الوقت، وهو الأمر الذي يبدو من الصعوبة بمكان تحقيقه اليوم؛ لأن تدفقات رأس المال الخارجي قصيرة الأجل على البلاد صارت محدودة للغاية. لهذا السبب، يمكن القول إن ضغوط العملة الصعبة من جانب المستثمرين المحليين قد غيَّرت جميع الحسابات الاقتصادية في تركيا. لذلك، حظيت تفضيلات المستثمر المحلي بأهمية حاسمة بالنسبة للاقتصاد التركي بشكل لم نره منذ فترة طويلة.
وعلى الجانب الآخر، تشير البيانات الصادرة عن البنك المركزي التركي ولجنة مراقبة الأعمال المصرفية وتنظيمها إلى أن خيارات المستثمرين المحليين التركية فيما يتعلق بمدخراتهم وودائعهم داخل البنوك التركية، لم تتأثر من زيادة سعر الفائدة على الليرة.
وعلى العكس من توقعات الحكومة التركية تماماً، فإن المستثمر التركي، الذي حصل  خلال فترة الأشهر الثلاثة السابقة لإجراء الانتخابات المحلية، على ما يقرب من 20 مليار دولار، قام بإيداعها مرة أخرى في البنوك، في خطوة أدت إلى ارتفاع معدل الدولرة في البنوك التركية بنسبة 54%، قد ازداد تمسكاً بما لديه من عملة صعبة غير عابئ بالزيادة الكبيرة في سعر الفائدة على الليرة التركية.
أشارت بيانات لجنة مراقبة الأعمال المصرفية وتنظيمها كذلك إلى أن نسبة 53.8% من الودائع الموجودة في البنوك التركية لا تزال بالعملة الصعبة، على الرغم من ارتفاع  معدل سعر الفائدة على الودائع بعد 31 مارس بنسبة 1.5 نقطة، بما يعادل 21.5%. وبمقارنة الأرقام خلال هذه الفترة يتبين لنا أن إجمالي ودائع المستثمرين المحليين من النقد الأجنبي في البنوك المحلية قد انخفضت من181.9 مليار دولار في 31 مارس إلى 180.4 مليار دولار في 26 أبريل، مما يعني أن السياسة التي طبقتها الحكومة التركية طوال ستة أشهر لم تحقق الهدف الذي كانت تطمح إليه من وراء خلخلة حسابات العملة الصعبة والسندات.
من ناحية أخرى، لا يمكن الجزم إن كان مبلغ اﻟ 1.5 مليار دولار، التي تم سحبها من حسابات العملات الأجنبية، قد تم إيداعها مرة أخرى بالليرة التركية أم لا؛ إذ تؤكد البيانات الصادرة عن لجنة مراقبة الأعمال المصرفية وتنظيمها كذلك أنه على الرغم من ارتفاع الحسابات بالليرة التركية في الفترة بين 31 مارس-26 إبريل إلى 18 مليار ليرة (بما يعادل 3 مليار دولار تقريباً)، إلا أن هذه الزيادة لا تعدو كونها قيمة الفائدة المتراكمة على الودائع الموجودة في الأساس بحوزة تلك البنوك، أو بمعنى آخر إن الحسابات بالليرة التركية لم تتلق أية زيادة جديدة من خارج البنوك.
 
80 مليار ليرة تركية قروض متعثرة في قطاع الطاقة وحده
تدور النقاشات منذ فترة طويلة حول قيمة الديون المتعثرة في البنوك التركية. ومع الاتجاه نحو تطبيق المعيار الدولي لإعداد التقارير المالية (IFRS-9) في إعداد الميزانية العمومية في مطلع العام الماضي، وما أسفر عنه من ظهور جماعي لعدد ضخم من القروض الرديئة، التي جرى التعتيم عليها، تزامناً مع تطبيق نظام التعويم، على الرغم من وجود مشكلة في السداد امتدت لفترة طويلة، زادت مخاوف المستثمر المحلي بشكل كبير، خاصة مع  ارتفاع قيم أرقام هذه القروض. 
حسناً، إنّ السؤال الآن هو عن هذه القطاعات التي اقترضت كل هذه المبالغ؛ إذ تتركز معظم مشكلات القروض المتعثرة والمعدومة في البنوك في قطاعي الطاقة والبناء والتشييد، بيد أننا سنركز هنا على قطاع الطاقة؛ لأن الأطراف به أكثر تحديداً، كما أن الأرقام أكثر انضباطاً. فعلى الرغم من أن البنوك التركية قدّمت ما مجموعه 50 مليار دولار كتمويل ائتماني لهذا القطاع في السنوات الأخيرة، إلا أن نسبة الديون المتعثرة كانت دائماً مثار جدل. وتشير الإحصاءات إلى اقتراب مجموع القروض اليوم؛ سواء القروض المعدومة أو المتعثرة أو تلك التي جرى إعادة هيكلتها، إلى نسبة بين 17-20% من إجمالي القروض الممنوحة لهذا القطاع. وهو ما يعني أن إجمالي القروض المخالفة لقواعد السداد الخاصة بالبنوك التركية يتراوح بين 400-500 مليار ليرة تركية.
كشف خبر نشرته رويترز خلال هذا الأسبوع ، لم يحظَ بكثير من الاهتمام، عن صورة مُفصلة للغاية لمستوى القروض المتعثرة في قطاع الطاقة.
أفرد الخبر مساحة للمعلومات التي أدلى بها أحد مسؤولي بنك "غرانتي بنك"، وهو أحد أكبر البنوك الخاصة العاملة في تركيا، بخصوص المستوى الذي وصلت إليه القروض المتعثرة في قطاع الطاقة في تركيا، وجاء على النحو التالي:
"حصل قطاع الطاقة في تركيا على قروض قيمتها 70 مليار دولار. تمّ سداد 23 مليار دولار منها، وتبقى 47 مليار دولار؛ منها 40 مليار دولار تخص المنشآت الإنتاجية، و 7 مليار دولار تخص منشآت التوزيع، كما تم تخصيص 60% من القروض الممنوحة لمنشآت الإنتاج؛ أي بما يعادل 24 مليار دولار، لصالح  المشروعات المتجددة. ويمكن القول إن هناك مشكلة بقيمة 10% في حافظة الطاقة المتجددة؛ أي بما يعادل 2.5 مليار دولار، في حين تبلغ مشكلات محطات الطاقة الحرارية حوالي 50%، بما يعادل 8 مليارات دولار.
وإذا علمنا أن قروض منشآت التوزيع قد بلغت 2 - 2.5 مليار دولار، فإننا نتحدث حينئذٍ عن قروض متعثرة في شكل حزمة ائتمانية تتراوح بين 12-13 مليار دولار".
تشير هذه البيانات إلى اقتراب مبلغ القروض المتعثرة في قطاع الطاقة إلى 80 مليار ليرة تركية. وتتبع البنوك، في الوقت الراهن، أساليب مختلفة للتخلص من هذه القروض؛ أي تصفيتها من ميزانياتها العمومية. وعلى الجانب الآخر، ومع تزايد الطلب على القدرة الكهربائية الجاهزة (وهو النظام المعروف باسم "القدرة الكهربائية تحت الطلب"، والذي يجري من خلاله تدبير قدرات كهربائية بديلة في حالة انخفاض القدرة الإنتاجية لمحطات توليد الكهرباء على اختلافها لأي أسباب أخرى غير تعرضها لأعطال مثل عدم كفاية الوقود، أو سكن الرياح بالنسبة لمحطات توليد الكهرباء من الرياح) إلى الضعفين، أضيفت عقبة جديدة أمام تلك البنوك من أجل استرداد تلك القروض المتعثرة، بعد أن وجدت الشركات - مع تزايد الطلب على "القدرات الكهربائية الجاهزة" - صعوبة كبيرة في تحقيق أرباح تمكنها من سداد ديونها. أضف إلى أن الركود الاقتصادي الراهن، وضعف الطلب، كان سبباً آخر أدى إلى تعقيد الأمور بشكل أكبر.
يبدو من الصورة الحالية أن الأيام المقبلة لن تشهد حلاً لمشكلة القروض المتعثرة لدى قطاع الطاقة في تركيا. ومن ناحيتها، تبحث البنوك عن صيغة جديدة تجنبها كتابة ما تتعرض له من خسائر بسبب هذه الديون في ميزانياتها العمومية، كما حدث في نموذج شركة الاتصالات التركية، عندما حوَّلت القروض إلى الشركات التابعة لها، وبذلك لم تدرجها في ميزانياتها.
وفي رأيي الشخصي، إن البنوك التركية كانت مُحقة في اتخاذ هذه الخطوة؛ لأن هذا الرقم يتجاوز نسبة 70% من إجمالي نسبة القروض المتعثرة البالغة 110 مليار ليرة تركية، وفق لجنة مراقبة الأعمال المصرفية وتنظيمها، وهو أمر كفيل بإثارة الشكوك في أداء القطاع المصرفي التركي، ليس فقط على المستوى المحلي، ولكن أيضًا على المستوى الدولي كذلك. وهو ما نفهم منه أن البنوك التركية تحاول في الوقت الراهن استمالة الحكم إلى جانبها لإطالة أمد المباراة قليلًا..
 
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/ekonomi/tl-faizindeki-artis-da-yatirimciyi-dolardan-vazgeciremedi