1973-1971: نظام الانتكاسة، هل يُدرك الشعب كم من أشياء خسرها؟

 

سمحت حرية التعبير والتنظيم التي أقرها دستور 1961 للمجتمع عامة، وللشباب خاصة، بالتفكير في مجال السياسة والتعرف على الإيديولوجيات والممارسات السياسية والاجتماعية في العالم، إلى جانب الحركات السياسية في البلاد.
وعلى حين سرعان ما خلق هذا مجتمعًا تعدديًا وديناميكيًا، كانت البلاد تفتقر إلى رأس المال لتحقيق التنمية الاقتصادية. وخلق هذا توترًا بين الجماهير العريضة، وخاصة العمال الذين يريدون الحصول على حصة أكبر من الدخل القومي ورأس المال الذي يرغب في النمو بإمكانيات الدولة.
أدت الحياة السياسية والاجتماعية التي تشكلت كنتيجة لهذا الوضع إلى استقطاب أيديولوجي يميني ويساري. وأصبح الشباب اليساري بصفة خاصة قوة سياسية إلى جانب الطبقة العاملة نتيجة مقارنات عقدها مع العالم الخارجي.
وبينما كانت الأيديولوجية اليسارية، التي وجدت مؤيدين لها في الجيش، تناهض الولايات المتحدة الأميركية، بدأت تتدهور علاقات الأحزاب اليمينية والحكومة مع أميركا، وأثر في ذلك القرارات السياسية كالحصول على دعم من الاتحاد السوفيتي لمشاريع لم تدعمها أميركا، وفتح المجال الجوي للطائرات الحربية الروسية في الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967، وتقييد تحليق طائرات التجسس يو -2 التابعة لأميركا.
كما أن أصحاب المشاريع المتوسطة الحجم المتحفظون تجاه الغرب، والباحثين عن سبل للنمو بالأناضول، بدأوا البحث عن رؤى سياسية جديدة تمثلهم.
خلقت هذه البيئة اضطرابًا سياسيًا، بحيث بدأت البلاد تُدار بالائتلافات القائمة على التنازلات المقدمة للأحزاب الصغيرة وحسابات المنفعة بدلاً من الائتلافات القائمة على الإجماع السياسي للجماهير؛ فتدهورت الحياة السياسية الخالية من المبادئ.
حاول سليمان ديميريل إضعاف المعارضة الاجتماعية، وخاصة الحركة العمالية، باستخدام الشرطة الخاضعة له مباشرة؛ لأنه لم يكن واثقًا بالجيش.
كانت المحاكم في كل حالة تتعارض فيها تصرفات المعارضة الاجتماعية مع القوانين أثناء حكم حزب العدالة تتخذ القرارات بتفسير الحريات على نطاق واسع. لهذا لجأت السلطة إلى ضرورة تغيير القوانين بدعوى "أن الشرطة تقبض، والمحاكم تترك، فماذا تفعل؟"
كان حزب العدالة منزعجًا من لوائح الحقوق والحريات التي أقرها دستور 1961 منذ تأسيسه، وكان دميرل منذ توليه رئاسة الوزراء يراه قد منح المجتمع أكثر من اللازم.
وقبيل انتخابات 1969 تمّ إعداد برنامج لتعديل الدستور، بهدف تعزيز السلطة التنفيذية، وتسهيل عمل البرلمان، وتقييد الحريات الأكاديمية، وإعادة تنظيم المنظمات المستقلة، ومنع إساءة استخدام الحريات.
كان العسكر أيضًا في اجتماعات مجلس الأمن القومي، ومجالس القيادة الموسعة، يرون الدستور غير ملائم لبنية المجتمع، وأنه كان متحررًا للغاية، ويشتكون من النقابات المهنية والقضاء الإداري.
رئيس الأركان العامة ممدوح طغماج كان يريد تغيير الدستور مُعتبرًا أن الصحوة الاجتماعية فاقت التنمية الاقتصادية؛ فتم تشكيل "مجموعة للتخطيط" تقوم بإجراء التعديلات الدستورية.
وقُمع الانقلاب الذي أراد تنفيذه المجلس العسكري للإيديولوجية اليسارية بالجيش في 9 مارس 1971 بانسحاب قادة القوات المتوقع مشاركتهم فيه، وصدرت مذكرة من رئيس الأركان العامة والقوات المسلحة التركية في 12 مارس 1971، ذكرت أن البلاد جُرَّت للفوضى بسبب مواقف البرلمان والحكومة، ولم تتم الإصلاحات، وأن الجمهورية تواجه خطرًا عظيمًا، وطُلب تأسيس حكومة غير حزبية، توقف الفوضى وتجري الإصلاحات، وإلا فستتولى القوات المسلحة التركية إدارة البلاد.
أراد العسكر حكومة تكنوقراط. واتفق على نهاد أريم نائب حزب الشعب الجمهوري عن "قوجه علي" كنائب محايد، فاستقال من حزبه في 26 مارس، وأسس من التكنوقراط حكومة إصلاح غير حزبية.
وبعملية المطرقة العسكرية التي نُظمت بعد اختطاف وقتل القنصل العام الإسرائيلي على يد مسلحي حزب-جبهة التحرير الشعبي التركي تم حظر التجوال بشوارع إسطنبول. وبدأت سلسلة من الاعتقالات. وأغلق اتحاد نقابات العمال الثوريين، وبدأت مرحلة من الاعدامات (دنيز غزمش، وحسين إينان، ويوسف آسلان). وحاول أريم إضفاء الشرعية على هذه الممارسات بقوله "تُخنق الديمقراطيات إن لزم الأمر".
سحق الانقلاب العسكري 12 مارس المعارضة اليسارية المتطرفة خاصة، وتصاعدت التناقضات والصراعات الاجتماعية بسبب الصدمات التي أحدثها العسكر وأذنابهم من السياسيين والمدنيين.
انبرى حزبا العدالة، والديمقراطي للتعديلات الدستورية التي طلبها العسكر، لكن أصواتهما لم تكفِ للتعديل، وبينما دعمها جناح حزب الشعب الجمهوري اليميني بزعامة إينونو، أُضعف جناحه اليساري بزعامة بولنت أجاويد المعارض للمذكرة العسكرية. وهكذا تحققت الانتكاسة من خلال التعديلات الدستورية التي أُجريت بدعم من الشعب الجمهوري.
حوّل دستور 1961 هيئة شبه عسكرية مثل مجلس الأمن القومي إلى جهاز دستوري، وجعله شريكًا للسلطة التنفيذية، ووسع مجال القضاء العسكري، ولأول مرة حول المحاكم العسكرية والقضاء العسكري لأجهزة دستورية، وأقر بمحاكمة المدنيين في القضاء العسكري بسبب بعض الجرائم المهمة.
بعد التدخل العسكري عام 1971، مُدِّد ووُسِّع مجال محاكمة المدنيين بالمحاكم العسكرية بتعديل المادة 138 من الدستور المنظم للقضاء العسكري. 
ومع التغييرات التي أدخلت على إنشاء وصلاحية مجلس الأمن القومي زادت سيطرة القوات المسلحة التركية على السلطة التنفيذية، والأهم من ذلك، أن الرقابة القضائية على الإجراءات الإدارية المتعلقة بالعسكريين أخذت من مجلس الدولة ومُنحت للمحكمة الإدارية العسكرية العليا، والتي أنشئت حديثًا.
وأُفسدت وحدة القضاء الإداري، وسُهِّلت شروط إعلان الأحكام العرفية، وتم الخلي عن مراقبة أموال الدولة التي بحوزة القوات المسلحة التركية.
كما أُجريت تعديلات مهمة تتعلق بمجلس الأمن القومي، وشارك فيه "ممثلو القوة" و"قادة القوات"، وزاد تأثير قراراته على السلطة التنفيذية. وحُكم على المحكمة الدستورية أن تراجع التعديلات الدستورية من حيث الشكل فحسب.
وبتلك التعديلات نفسها أُضعفت السلطة القضائية وعُزِّزت السلطة التنفيذية؛ مثل منح الحكومة صلاحية تعديل القوانين الضريبية (مادة61، فقرة تكميلية)، وإصدار مراسيم بقوة القانون (مادة 64/فقرات تكميلية2-6). وتم تقليل أو إلغاء استقلالية مؤسسات مثل الجامعات ومؤسسة الإذاعة والتليفزيون التركي. والأهم من ذلك التعديلات التي تمت في مجال الحقوق والحريات الأساسية؛ حيث كانت تصب في صالح سلطة الدولة ضد المجتمع والفرد. وقُيّدت حدود الحريات، وأُدرجت في المادة المختصة مصطلحات غامضة وزلقة...
وأصبح مستحيلًا على موظفي الخدمة المدنية تشكيل نقابات عمالية (مادة 46، و119)، وانضمام أعضاء هيئة التدريس ومساعديهم للأحزاب السياسية (مادة 120)، وخفضت الأنشطة السياسية والقانونية للأحزاب الصغيرة، ومُنع تلقيها مساعدات من الخزانة (مادة 149) ... إلخ
وبصرف النظر عن كل هذه الانتكاسات، فقد اتُجه إلى تعديل الدستور من أجل إنشاء محاكم أمن الدولة، التي تتميز بخصائص المحاكم الاستثنائية، بعد أن تبين أنه من المستحيل إنشاؤها بموجب القانون. (المادة 136|) ...
وانطلاقًا من رأي البيروقراطية العسكرية بأن دستور 1961 كان أكثر تحررية، وأدى إلى الفوضى تزامنت مطالب حزب العدالة مع مطالبها، وتحقق الوئام بين العسكر والسياسيين.
وكما هو الحال دائمًا، اقتنع حزب الشعب الجمهوري، وعندما عين أحد نوابه لتشكيل الحكومة حدث انتكاس كامل فيما يتعلق بالحقوق والحريات وسيادة القانون. وعلى حين كانت تركيا تعمل وكأنها تتقدم خطوة إلى الأمام كما هو الحال دائمًا، كانت تفلح أكثر في الرجوع خطوتين إلى الوراء. أما المجتمع فلم يكن يدرك كم من أشياء خسرها.
 

- الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي" أحوال تركية".

- يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/darbe/1971-1973-geriye-gidisin-ara-rejimi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.