جان تيومان
يناير 06 2018

2017: تركيا الأعلى في مستوى التضخم.. عام الفقر، وعودة غلاء المعيشة

يمكننا القول إذا أردنا التعبير بجملة واحدةٍ عن المعدل الذي سار به الاقتصاد التركي في عام 2017 "أن العام الذي انقضى كان عام الفقر، وعودة غلاء المعيشة ". الشيء اللافت للنظر هنا أن هذا الحدث بمنأى عما شهدته الساحة الدولية؛ أو بشكل أكثر دقة أن ذلك قد حدث في وقت زادت فيه نسبة الرفاهية على مستوى كل دول العالم تقريبًا.
ويرجع السبب وراء هذا أن ما شهدته تركيا لم يكن نتيجةً تمخَّضت عن  الوضع الاقتصادي العالمي أو الظروف الاقتصادية بقدر ما كان بسبب ظروف أخرى مغايرة تمامًا.
تماماً كما قال علاء الدين أقطاش من جريدة دنيا "نعلم جميعًا أن الاقتصاد لا يعني فقط مجرد قرارات أو بيانات اقتصادية تُقدَّم؛ لأن الظروف والقرارات السياسية تساهم هي الأخرى في صنع الاقتصاد".
سنعمل جاهدين في مقالتنا هذه كي نُجري تقييمًا مُنصفًا للاقتصاد بعيدًا عن السياسة قدر الإمكان.
تشير الإحصائيات، على عكس ما تُصرِّح به السلطة الحاكمة في تركيا، إلى ارتفاع نسب التضخم؛ الأمر الذي أثّر بدوره على ارتفاع الأسعار، وزيادة نسبة الفقر في تركيا. فمن المعروف أن نسبة التضخم السنوية قد بلغت 12.98 بالمئة في شهر نوفمبر وهو أعلى معدل سنوي يتم تسجيله منذ 13 عامًا.
وعلى الرغم مما اتخذته الدولة من إجراءات، وما بذله البنك المركزي في نفس الإطار، إلا أن هذا لم يُجدي نفعًا في تلجيم هذا الوحش. فقد نصّبت الإحصائيات المنشورة مؤخرًا تركيا بطلًا في دوري التضخم في عالم وسيط، ووصل الأمر إلى سقوط تركيا في وضع مشابه لما عايشته فترة التسعينيات. (لقد اُستبعدت فنزويلا  بعد أن قدَّمت بيانات لا قيمة لها بالمقياس العالمي؛ والتي جاءت مخالفة للإحصائيات التي قامت بها المؤسسات العالمية).


فيما يلي بيان بنسب التضخم في دول العالم:

التضخم

حسنًأ، دعونا نفكر في السبب وراء ارتفاع نسب التضخم بهذا الشكل؛ وهي النسب ذاتها التي عملت على زيادة معدلات الفقر بين أبناء الشعب التركي؟ يمكننا القول أن السبب وراء ذلك إنما يعود إلى ارتباط الاقتصاد التركي بالخارج في السلع الوسيطة، وبالمواد الخام خاصة البترول والغاز الطبيعي، أضف إلى هذا ارتفاع فاتورة الواردات تزامنًا مع الارتفاع الحاص في سعر الصرف. 
ففي الوقت الذي ارتفعت فيه نسبة تضخم الإنتاج إلى 12.98 بالمئة، وأسعار الاستهلاك بنسبة 17.03 بالمئة، نجد أن معدل التضخم في المنتجات المُستوردة قد تخطّى حاجز 26 بالمئة.
يمدّنا الجدول التالي ببعض المعلومات عن مدى تأثير أسعار الصرف، ويرصد كذلك أكثرالدول التي استوردت منها تركيا، ومقدار ما فقدته الدولة بالليرة في عام 2017 مقابل  عملات هذه الدول.
وعلى الرغم مما قام به البنك المركزي التركي في عام 2017 من رفعٍ لسعر الفائدة بنسبة 4.5 بالمئة، بالإضافة إلى بعض الإجراءات الأخرى، إلا أن ذلك لم يجدي نفعًا لوقف نزيف الليرة التركية.
فقد خسرت الليرة التركية أمام كل العملات:

التضخم في تركيا

وكما هو معلوم  أن الليرة التركية فقدت الكثير من قيمتها داخل تركيا أمام عملات أكبر شركائها التجاريين؛ أي أن الأمر لم يقتصر على الدولار واليورو فحسب.
يتضح مدى وخامة الوضع أكثر إذا علمنا أن الليرة التركية فقدت 5.7 بالمئة أما بوليفار فنزويلا التي اُبعِدت عن الاقتصاد العالمي بعد أن أعلنتها الولايات المتحدة الأميركية " دولة قاطع طريق ".
وحدِّث ولا حرج عن أسعار النفط والغاز التي تسببت هي الأخرى في ارتفاع فاتورة الواردات؛ فقد ارتفعت أسعار النفط في العام الأخير بنسبة 20 بالمئة؛ أي أنها قفزت من مستوى 54 دولارا لتصل إلى 65 دولارا. أما الغاز الطبيعي فقد انخفضت أسعاره هو الآخر بنسبة 17 بالمئة بعد أن بدأت الولايات المتحدة الأمريكية في تصدير الغاز الصخري.
ومع هذا فإذا كانت تركيا قد ربطت سعر الغاز في الاتفاقيات التي أبرمتها مع كل من روسيا وإيران، بوصفهما أكبر مزود لها بالغاز، بأسعار النفط، فهذا يعني أنها لن تستفيد من الهبوط السريع لأسعار الغاز على مستوى العالم بسبب هذه الاتفاقيات طويلة الأمد ، بل ستواصل أسعار الغاز ارتفاعها على عكس المتوقع.
وستؤثر هذه الزيادة كذلك على أسعار الطاقة فترتفع فاتورة الواردات. لقد زادت واردات تركيا من الغاز والنفط في العشرة أشهر الأولى من العام بنسبة 36 بالمئة مقارنةً بنفس الفترة من العام السابق؛ أي أنها قفزت من 21.9 مليار دولار لتصل إلى 29.8 مليار دولار.
وعندما تتزايد أسعار ومقدار الواردات معًا، حينها يرتفع العجز في التجارة الخارجية الذي يمثل المشكلة الرئيسة للاقتصاد على الرغم من زيادة الصادرات وحركة السياحة الوافدة؛ لقد ارتفعت نسبة العجز في التجارة الخارجية نهاية أكتوبر في نفس الفترة من العام الماضي بنسبة 24.7 بالمئة بما يعادل 41.9 مليار دولار. وينبغي علينا ألا نغفل أن هذا الوضع قد تسبّب في دخول الاقتصاد إلى دائرة مُفرغة انعكست آثارها على أسعار الصرف، والتضخم والفائدة معًا.
أضف إلى هذا ضعف التمويل المُوجّه لسد عجز التجارة الخارجية مقارنة بالسنوات الماضية، وتسارعت الخُطى نحو أموال المضاربة قصيرة الأمد (نقود جوالة وراء سعر الفائدة من بلدٍ لآخر للبحث عن استثمار أفضل أو تجنباً لاخفاض سعر صرف العملة ). يبين الجدول التالي نسب العجز في التجارة الخارجية بالأرقام، وكيف قامت الدولة بتمويله:

بيان سنوي بنسب العجز في التجارة الخارجية، مقدار تمويلها:

التضخم في تركيا

 المصدر: البنك المركزي التركي


يتجه الاقتصاد التركي كما هو موضح بالجدول إلى الارتباط بأموال المضاربة قصيرة الأمد بالتدريج. وفي رأيِّ أن الأمر سيتضح أكثر لو أننا قارنا النسب والأرقام بين الفترة التي سبقت عام 2008 وهي الفترة التي عانى فيها العالم من أزمة اقتصادية كبيرة، وفترة 15 عامًا الأخيرة تحت حكم حزب العدالة والتنمية. الجدول التالي يوضح هذا الأمر بشكل أفضل:


من أين تحصل الحكومة على الأموال لتقوم بتمويل العجز في التجارة الخارجية؟

التضخم تركيا

 *: يناير – أكتوبر
المصدر:  البنك المركزي التركي


يمثل حزب العدالة والتنمية السلطة البراجماتية؛ فهو يتبنى سياسات اقتصادية ليبرالية تخالف أي فكر آخر ينتقد القومية، وسعر الفائدة. لهذا السبب  فإنه لن يعارض أموال المضاربة قصيرة الأمد حتى لو ظهر أمامنا بمظهر مختلف قليلًا.
ومع هذا فإن مساهمة الاستثمار في الأوراق والسندات التي تعرف بتدفقات أموال المضاربة بنسبة 69 بالمئة في تمويل العجز في التجارة الخارجية يبين أن عام 2017 كان الأعلى بين من معدلات 15 عامًا مضت.
أضف إلى هذا أن استثمارات رأس المال الأجنبي المباشر الذي هاجم تركيا في فترة ما من أجل إقامة أعمال ومشاريع، وتوظيف العمال، قد سقط هو الآخر سريعًا.

 

يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً:

 

https://ahvalnews.com/tr/enflasyon/2017nin-ozeti-turkiye-enflasyonda-dunya-sampiyonu