أوز اركول
يناير 05 2018

2017.. عام المتناقضات الاقتصادية في تركيا

كان 2017 عاما مختلطا بالنسبة للأسواق التركية إذ أصبحت العائدات من مختلف فئات الموجودات متباينة بشكل ملحوظ.
الأسهم، بعدما فاتها السباق مع نظرائها في الأسواق الناشئة، أصبحت تسعى للحاق بهم، وسجلت أعلى عائدات بين كل الأصول المحلية. رغم ذلك، مالت الليرة التركية إلى التقلب طول فترات العام وجددت انخفاضها التاريخي أمام سلة عملات تشمل الدولار الأمريكي واليورو، بينما بدت سوق السندات متجهة للهبوط كما شاهدنا عائداتها تقفز إلى أعلى مستوياتها في عدة سنوات.
التفاؤل الراسخ ظل ثابتا في الأسواق الناشئة وأيضا في تركيا خلال العام الماضي. وكان المحرك الرئيسي لسوق الأسهم التركية النشاط الاقتصادي المتسارع الذي أدى إلى نمو قياسي في إيرادات الشركات.
هنا ينبغي الانتباه إلى أن جهود الحكومة لتحفيز النمو الاقتصادي، من خلال برنامج ضمانات للقروض وهو بالتحديد صندوق ضمانات الائتمان، كانت واحدة من العوامل الرئيسية في التحسن والخروج من فترة كارثية شهدت تضرر الاقتصاد من محاولة الانقلاب في يوليو تموز 2016 وقضايا هيكلية أخرى منها نقص رؤوس الأموال.

مخطط بياني

وبجانب أنه أصبح شريان الحياة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، فإن الصندوق جلب أعمالا تجارية ضخمة للمؤسسات المالية وعزز الطلب المحلي في المجمل.
الانتعاش في أوروبا كان عاملا إيجابيا أيضا للاقتصاد وانعكس في صورة نمو قوي لإيرادات الشركات الصناعية التركية.
ومثال على ذلك قطاع السيارات. فقد سجل إنتاج السيارات في تركيا أعلى مستوى على الإطلاق في 2017. كما أظهرت صناعة السياحة، التي تراجع نشاطها خلال عامي 2015 و 2016 إلى أقل مستوياتها، مؤشرات واضحة على الخروج من الأزمة وأصبحت محركا آخر للسوق تزامن معها ارتفاع كبير في أسعار أسهم شركات قطاعي الطيران والسياحة.
لكن النظرة المستقبلية الإيجابية في الاقتصاد تضررت بعض الشيء بالمخاطر السياسية المتصاعدة ومتغيرات سلبية أخرى بالاقتصاد الكلي منها التضخم المتسارع وعجز متزايد في الحساب الجاري والميزانية العامة.

مخطط بياني

ورغم تسجيله واحدا من أقوى نسب الأداء في عشر سنوات، إلا أن مؤشر الأسهم التركي القياسي لم يتمكن من الظهور في مرتبة متقدمة بين الأسواق الناشئة.
هذا يبرز القاعدة رقم واحد في الاستثمارات بالأسواق الناشئة وهي أن اتجاهات وأمزجة المستثمرين على المستوى العالمي هي المحركة للأسواق بصرف النظر عن تحسن أو تدهور التطورات المحلية.
لكن، وبعد سنوات من التخلف عن نظرائها، سجلت الأسهم التركية أداء إيجابيا هذا العام.
وعندما نتحول إلى الأخبار السيئة نجد أن الليرة التركية وبالأخص أسعار الفائدة تركت الكثير من المستثمرين في مأزق خلال العام الماضي.
وعلى عكس سلة العملات (0.5 دولار + 0.5 يورو) تراجعت العملة التركية 15.6 في المئة وهي نسبة فشلت العوائد على معظم الموجدات بالعملة المحلية في تخطيها مما عاد بمرود سلبي على المستثمرين في فروق العملات.
وكان المحرك الرئيسي لضعف العملة المحلية هو قرار البنك المركزي التركي إنهاء عملية "تبسيط آلية السياسة النقدية" والعودة إلى أساليب غير تقليدية أفضت إلى وجود نظام مالي يُمول فقط من مؤسسة تعرض القروض كملاذ أخير وهي "البنك المركزي".
وبعدما سبب تدهورا كبيرا في التوقعات الخاصة بالتضخم، أسفر التجاوب المتأخر  من جانب البنك عن مزيد من الضعف.

مخطط بياني

الآن يبدو أن الأسواق ليس لديها ثقة تذكر في سياسة نقدية مشددة ستؤدي إلى زعزعة استقرار سعر الصرف بعد محاولة البنك المركزي الأخيرة التي كانت في الأساس رفعا آخر للفائدة في مخالفة للتوقعات.
وبمجرد حل ما تبقى من مشكلات بشأن السيولة في الأسواق عبر حملة إقراض برعاية الحكومة لا يستبعد المرء عمليات بيع سريعة تفضي إلى انخفاض أسعار السندات.
هذا وأكثر هو ما حدث في الأسواق التركية العام الماضي عندما تعرضت سندات خزانة لضغوط بيع لامست فيها العائدات أعلى مستوى في عدة سنوات.
وتوجد نقطة خفية هنا وهي المخاوف بشأن استقرار الأسعار كما ناقشنا سلفا وأيضا الاقتراض الأعلى من المخطط له من جانب الحكومة الذي ربما كان مفاجأة للكثير من المراقبين.
لاحظنا زيادة عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات فوق 13 في المئة للمرة الأولى (أصدرت الخزانة التركية أول دين حكومي لأجل عشر سنوات في مطلع عام 2010) وكذلك 
أسعار مبادلة العملات إلى أعلى مستوياتها على الأطلاق في فترة ما بعد الأزمة المالية.
وبالمضي قدما، فإن التوقعات تشير إلى نمو اقتصاد راسخ في تركيا خلا الفترة المقبلة لكنه سيسبب على الأرجح قلقا بشأن ارتفاع التضخم واتساع عجز الحساب الجاري وأيضا إصدار ديون مرتفعة من جانب الحكومة.
في هذه المرحلة، وفي ظل بقاء المزاج الاستثماري العالمي إيجابيا، فمن السهل الإبقاء على التفاؤل بشأن مستقبل الأصول التركية خاصةالأسهم.
لكن، ينبغي أن نتذكر أن أسواق الأسهم العالمية تشهد نشاطا كبيرا منذ فترة طويلة وحتى الآن، وأسواق كهذه تعتاد على الفتور بعد حين.
وهذا السيناريو السيئ سيكلف الأسواق التركية ساقها العاملة الوحيدة وسيؤدي إلى دوامة نزولية واسعة النطاق. 
يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: