مارك بنتلي
يناير 12 2018

2018: عام التركيز على أردوغان

في الوقت الذي يجري فيه محللون حسابات عن المستوى الذي سيكون عليه الاقتصاد التركي في عام 2018، فإن الشيء الوحيد المهم حقا هو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وعندما يتعلق الأمر بجميع المسائل ذات الصلة بتركيا، فإن أردوغان يمثل المجهول الأكبر، وخلال السنوات الخمس الماضية أو أكثر كان أردوغان هو عامل الخطر الأكبر بالنسبة للمستثمرين.
ومن ناحية أخرى، فإن البلاد لم تتغير كثيرا، وظلت مواطن ضعفها قائمة بصورة أو بأخرى لعقود، ومن بين مواطن الضعف هذه ارتفاع التضخم والإفراط في الاعتماد على الواردات ورأس المال الأجنبي.
ومن بين نقاط القوة بالنسبة لتركيا: الروح النشطة للإقدام على تنظيم المشاريع، وزيادة نسبة الشباب بين السكان وتعداد السكان الذي يشهد تزايدا سريعا والموقع الاستراتيجي للبلاد بين أوروبا والشرق الأوسط. وفي ظاهر الأمر، فإن تركيا تمثل مكانا جذابا لاستثمار أموالك به.
لكن أردوغان تصدر عناوين الأخبار في تركيا مجددا الأسبوع الماضي، ومرة أخرى لأسباب جميعها خاطئة.
وبثت القنوات التلفزيونية في جميع أنحاء العالم مقطعا مصورا عن الهجوم الذي شنه أردوغان على صحفي فرنسي تجرأ على سؤاله في مؤتمر صحفي أقيم في العاصمة الفرنسية باريس عن التسليح المزعوم للمتشددين الإسلاميين في سوريا الذي تقوم به المخابرات التركية. 

ادروغان

وكان رد الرئيس على السؤال صادما حتى بالنسبة للمراقبين المحنكين في تركيا. فقد اتهم في رده لوران ريتشارد مؤسس شبكة أصوات الحرية بالتحدث كعضو بجماعة إسلامية محظورة ووبخ الولايات المتحدة على إرسالها الأسلحة إلى المتشددين الأكراد. لكن هذه ليست أنقرة أو إسطنبول، بل إنها باريس.
وفي الوقت الذي التزم فيه بعض المحللين بالقول إن تصريحات أردوغان يجب تجاهلها لأنها موجهة إلى الناخبين الأتراك والانتخابات المقررة هذا العام، فإن توبيخه هذا يعد جزءا من نمط سلوكي يؤدي إلى زيادة تضرر صورة تركيا في الخارج.
وعلى الرغم من المطالبة بدعم العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، وهو أكبر شريك تجاري بالنسبة لتركيا ومصدر الاستثمارات الأجنبية، فإن أردوغان يبذل القليل لإعادة العلاقات إلى مسارها القديم، باستثناء طلب عدد قليل من طائرات إيرباص من الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون. ويطالب الاتحاد الأوروبي الرئيس التركي بتعزيز الإصلاحات الديمقراطية والالتزام بسيادة القانون فيما يتعلق بتعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية. لكنه لا يرغب في ذلك.
وفيما يتعلق بالولايات المتحدة، فإن النظرة قاتمة أيضا. فتوبيخ أردوغان لواشنطن يتزايد، ويشير إلى أنه لا يوجد أي مؤشر على انفراج الأزمة التي تشهدها العلاقات الدبلوماسية.
وصعد أردوغان يوم الخميس من المخاطرة السياسية قائلا إنه لن يسلم بعد ذلك أي أشخاص مطلوبين من الولايات المتحدة في جرائم إرهاب والذين يفترض أن يكون من بينهم إرهابيين ينتمون إلى تنظيم الدولة الإسلامية. وقال إن الولايات المتحدة لم تعد حليفا يمكن الوثوق فيه مشيرا إلى دعمها للأكراد في شمال سوريا وإيوائها فتح الله غولن رجل الدين الإسلامي المتهم بأنه العقل المدبر لمحاولة الانقلاب التي شهدتها تركيا في 2016.
ويرى تيم آش، وهو أحد كبار الاستراتيجيين في الأسواق الناشئة في شركة بلوباي لإدارة الأصول في لندن، أن اللغة الخطابية التي يستخدمها أردوغان تمثل نهجا صداميا قد يستهدف به الجمهور التركي محليا لكن لها صدى سيئا في الولايات المتحدة وفي الخارج. 
كما أن النهج العدائي لأردوغان يشير أيضا إلى أنه ليس لديه النية في التراجع عن نقطة أخرى من النزاع بين واشنطن وأنقرة وتحديدا الادعاءات المتعلقة بتواطؤ مسؤولين مصرفيين أتراك كبار ووزراء سابقين في خطة لكسر العقوبات المفروضة على إيران.
ومن المحتمل أن يدفع الحكم الذي أصدرته محكمة أميركية هذا الشهر على محمد حقان عطا الله نائب الرئيس التنفيذي السابق لبنك خلق الذي تديره الدولة، والذي وصفه أردوغان بأنه خطة موجهة ضد تركيا، وزارة الخزانة الأمريكية بفرض عقوبات مالية على بنك خلق كما يحتمل أن تفرض عقوبات على مقرضين أتراك آخرين.
وحذر محللون من أن هناك حاجة لتقبل بنك خلق والسلطات التركية أي مخالفات واتخاذ الخطوات اللازمة لضمان الالتزام مستقبلا بنظام العقوبات الأميركي. وتؤدي عدم القدرة على القيام بذلك إلى المخاطرة بالمزيد من العقوبات المالية والتي ستؤدي في النهاية إلى إدراج البنوك التركية على القائمة السوداء ويمكن أيضا إضافة مسؤولين حكوميين كبار إلى هذه القائمة ومن بنيهم أردوغان نفسه.
لذا، وفي ضوء التوترات السياسية المتزايدة باطراد بين أردوغان وكل من واشنطن وبروكسل، ليس من قبيل الدهشة أن يحجم المستثمرون عن استثمار أموالهم في تركيا.
لكن تركيا تحتاج إلى رأس المال الأجنبي للمساعدة في تمويل الزيادة في عجز الحساب الجاري والذي تفاقم بسبب إفراط البلاد في الاعتماد على الواردات.
وتشير البيانات الصادرة بعد الأزمة المالية إلى أن أداء تركيا كان سيئا نسبيا في هذا الصدد. وفي 2016، اجتذبت تركيا استثمارا أجنبيا مباشرا قدرت قيمته بحوالي 12.3 مليار دولار أمريكي مقارنة بحوالي 19.7 مليار دولار في 2008. وأوضحت أرقام الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي أن الاستثمار الأجنبي المباشر في تركيا شهدت تراجعا نسبته 19 في المئة مقارنة بنفس الفترة في 2016 حيث وصل إلى 7.3 مليار دولار.

الاستثمار الأجنبي المباشر في تركيا
الاستثمار الأجنبي المباشر في تركيا

في الوقت الذي شهدت فيه تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في الأسواق الناشئة في الإجمال تراجعا منذ 2018، فإن الاقتصاديات التي يمكن المقارنة بها في دول مجموعة العشرين للدول الصناعية وتحديدا الهند وروسيا وكوريا الجنوبية، قد شهدت أداء أفضل من تركيا. وقد ظل الاستثمار في الهند ثابتا نسبيا، كما هو الحال بالنسبة للتدفقات في روسيا.
وشهدت تدفقات رأس المال الأجنبي إلى كوريا الجنوبية اتجاها تصاعديا منذ 2008. 

الاستثمار الأجنبي المباشر في كوريا الجنوبية
الاستثمار الأجنبي المباشر في كوريا الجنوبية

وفي الوقت الذي يمكن فيه إلقاء اللوم جزئيا على محاولة الانقلاب والتهديد الذي يمثله الإرهاب في تراجع أداء تركيا، فلا يمكن التقليل من شأن تأثير التوترات الدبلوماسية والمعارك التي يخوضها أردوغان مع الحلفاء الغربيين التقليديين للبلاد، ولا تلوح في الأفق نهاية لهذه التوترات.
وباقتران تضخم في خانة العشرات (ويمنع أردوغان البنك المركزي من رفع أسعار الفائدة للتعامل مع هذا التضخم) مع القمع المتواصل للخصوم السياسيين –تم حظر حزب كردي فعليا من البرلمان ويواجه زعيم المعارضة الرئيسية في البلاد احتمال توجيه اتهامات جنائية له- فإن النظرة المستقبلية لتركيا في 2018 قاتمة بالفعل.
يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/economy/2018-its-all-about-erdogan