Tiny Url
http://tinyurl.com/y9gdypt4
Nesrin Nas
يناير 12 2019

2019: عام القضاء على المؤسسات التي تستمد شرعيتها من البرلمان

كانت أكثر ليلة رأس سنة ظلامًا وحزنًا أتذكرها في حياتي. بدت إسطنبول وكأنها تودع التعددية الثقافية التي تعرفها وتعهدها وتستوعبها منذ سنين، بدلًا من أن تعيش بهجة استقبال عام جديد. لذلك كانت مظلمة، وحزينة، خالية من الأضواء...
ولو لم يذهب السوريون أيضًا إلى ميدان "تقسيم" لأصبحت إسطنبول صامتة كما كانت مظلمة.
ربما أن إسطنبول قدمت أفضل استقبال في العالم لعام 2019. فقد كان مستحيلًا أن يُستقبل بالبهجة عام جديد انهارت فيه الديمقراطيات واحدة تلو الأخرى، وساد فيه الخوف والغموض...
ليس من المستغرب على الإطلاق أن نكون نحن أول من أدرك أن العالم الذي وعد به كل من: ترامب، وبولسونارو، ومادورو، وبوتين، وأوربان، ومودي يركض نحو مستقبل مظلم؛ سيما وأننا من الأوائل الذين أظهروا للعالم أن الدساتير والمؤسسات ليست مهمة على الإطلاق في تحديد قوة السلطة.
إن ريادتنا عالميًا أمر قابل للنقاش، بيد أنه لا شك في أننا حققنا أولويات عديدة منذ عام 2015.
فالقضاء على الحالة الدستورية وإزالة الطابع السياسي يعزز من قوة السلطة الفعلية، ويوسع مجالها، والأهم من ذلك أن العالم الديمقراطي تعلم منا نحن أن ذلك أهم الخطوات في عملية شخصنة السلطة.
بل إنهم تعلموا منّا نحن أن مبادئ تحقيق المساواة والعدالة والصدق والنزاهة في الانتخابات ليست مهمة، وأنه يمكن إجراء استفتاء على الدستور حتى في ظل حالة الطوارئ، وأنه يكفي وضع صندوق الانتخابات أمام الناخب للحفاظ على ادعاء وجود الديمقراطية.
وفي عام 2018 كان لدينا شبه دستور على الأقل، وكانت لا تزال لدينا حقوق وما إلى ذلك ننادي بها استنادًا إليه. أما في 2019 فليس لدينا ولو حتى هذا. فبالرغم من أن كلام رئيس البرلمان التركي كان واضحًا بما لا يدع مجالًا لمناقشة لفظ "الدستور"، فقد بطل الدستور فعليًا مع ترشح رئيس بلدية حزب أردوغان (فما بقي من حزب العدالة والتنمية سوى اسمه) دون استقالة.
وهكذا قُضِيَ على جميع المؤسسات، ولا سيما البرلمان، والتي كانت تستمد مشروعيتها من الدستور. وبالطبع حقوق المواطنة أيضًا...
بعد ذلك بات ضروريًا أن يتعلم الجميع السباحة في البحار المحيطة العاصفة والمضطربة، باستثناء أقلية صغيرة تتمتع بامتياز ركوب قوارب النجاة. 
وفي مقال "علي دوران طوبوز" الصادر في صحيفة "دوار" نجده يسأل "أين الدستور"، ويجيب هكذا:
"إذا كانت تصريحات الرئيس، وليست الأحكام المكتوبة التي تحدد الممارسة، هي القاعدة العليا فإننا نستطيع القول إن الدستور هو رئيس الجمهورية نفسه. لقد أنهت تركيا بالفعل تقليد الدستور المكتوب الذي يرجع تاريخه إلى 1876 إذ اعتبرت كلمة رئيس الدولة بمثابة قانون أساسي. أي إن هناك قانونًا روحيًا ساري المفعول، ووفقًا لهذه الفلسفة اللاهوتية التي أسميها "مناهضة القانون" فإن المُشَرِّع والمفسر حاليًا هو "الرئيس" شخصيًا. إن الرئيس أردوغان ليس رئيسًا طبيعيا متوائمًا مع الشعب فحسب، بل إنه الدستور نفسه في الوقت عينه. وقد وصف طوبوز هذا الوضع بــــــــــــــ "الدستور الناطق".
والواقع أننا فيما يتعلق بما يُعتبر جريمة وما لا يُعتبر، ومن يُعاقب ومن لا يُعاقب قد اعتدنا حتى الآن على وضع يكون فيه الرئيس شخصيًا هو صانع القوانين.
لكن هذه مرحلة جديدة. لا توجد قواعد دستورية مكتوبة. ظللنا جميعًا بلا دفاع ولا حماية عرضة لمن يحتكرون القوة في أيديهم. لا توجد أية مؤسسة على الإطلاق للحد من السلوك التعسفي لحكام البلاد. نحن في العراء وبلا أمن ولا أمان.
فهل يمكن أن نقول في هذه الظروف "عام جديد أمل جديد"؟ ناهيك عن أن العام الجديد نفسه قسمنا إلى فريقين: "المحتفلين بالعام الجديد" و"من يعتبرون الاحتفال بالعام الجديد ذنبًا". واجتماع هذين الفريقين على أرضية مشتركة، بل وتصالحهما يبدو أمرًا صعبًا للغاية.
على حين أن أكثر ما نحتاجه اليوم داخليًا وخارجيًا على حد سواء هو المصالحة والتوافق. وأي دستور هو النص الذي يمثل أكبر حالات التوافق الأكبر وأساسها. ومن خلال تجاهل الدستور أدرنا ظهرنا للمصالحة الاجتماعية التي نسجناها عروة إثر عروة منذ أكثر من قرن. ومن الآن فصاعدًا فإن الخوف والقلق وعجزنا أمام القوى سيوجه كل خطواتنا في 2019 باعتبارنا أفرادًا محرومين من حقوقهم الدستورية. ونحن بطبيعة الحال سننطوي على أنفسنا، ولن نثق بأحد، ولن نكون شركاء في شيء، ولن ننتج، ولا نستهلك.
وسوف تعمق الظروف الاقتصادية السيئة هذا الخوف والغموض، وسوف يعمق هذا الخوف والغموض أيضًا المشاكل الاقتصادية بصورة أكثر. سوف ندخل في دوامة التضخم المرتفع-النمو المنخفض-البطالة المرتفعة التي ستستمر طويلًا والتي لم نشهدها من قبل قط.
وعلى الرغم من احتفاء إدارة الاقتصاد بمعدل تضخم 4 أضعاف أهدافها السنوية تقريبًا باعتباره نجاحًا فإن جميع المؤشرات بدءًا من أرقام النمو إلى أرقام الديون، ومن أرقام التجارة الخارجية إلى تحركات رأس المال والقروض، ومن مؤشر قياس ثقة المستهلك إلى مؤشر إدارة المشتريات تدل على ركود شديد.
إن الإجابة على سؤال: متى وأين وكيف يتم الخروج من هذه الحلقة المفرغة؟ يجب أن تأتي من السلطة، أكثر من المعارضة. وحين تدرك السلطة أنها هدمت المؤسسات من أجل الاحتفاظ بالسلطة، وقوّضت الأرضية التي تقف عليها فربما تقل معاناة المجتمع.
ومع ذلك فإن قادة عصرنا "العضويين" لا يتصرفون مثل "عوليس" الذي أولع بجاذبية أناشيد صافرات الإنذار التي لا تقاوم. وكم من المؤسف أن القادة الذين لا يتحمسون تأثرًا بتحفيز وتشجيع من الحماس الجماهيري، ويدفعون السفينة باتجاه الحوريات في قاع البحر قليلو العدد.
إنهم كي يخلقوا مناخًا لا يحتاجون فيه إلى الجماهير التي أوصلتهم إلى السلطة، يُعطلون السياسة أولًا، ثم جميع البنيات المؤسسية بما فيها الدستور من أجل ترسيخ ذلك. إنهم يدمرون ثقافة التسامح والمصالحة في المجتمع حماية للقوة عبر الإفراط في شخصنة السلطة... وهم يفعلون ذلك بغطرسة وتكبر.
إن تاريخ العالم ملئ بأمثلة عديدة تظهر أنه حين يتم المساس بكبرياء الزعيم فوق أرضية التوافق والتصالح في أي مجتمع يبدأ العنف يسود ويسيطر.
وإذا خلت أية دولة من الدستور الذي يضع حدودًا لأية سلطة، ويضمن حقوق المواطنين وحرياتهم، ويعتبر وثيقة التوافق والتصالح الأساسية بالنسبة لأي مجتمع فإنه لا مفر من اختلال السلم الاجتماعي وحدوث التدهور الاقتصادي.
ذلك أن أي توافق مرهون بالخوف يستحيل أن يبقى ويستمر، على العكس إنه يُسرِّع من التدهور الأخلاقي والانهيار الذي يؤدي إلى تدمير المجتمع. تمامًا مثلما هو عليه الحال اليوم.
لقراءة الموضوع باللغة التركية على هذا الرابط

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.