2019 عام الخيبات والنكسات لأردوغان وحزبه الحاكم

إسطنبول – مثّل عام 2019 نقطة تحوّل في مسار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان السياسي، وشكّل عام الخيبات والهزائم بالنسبة له ولحزبه الحاكم العدالة والتنمية.

حوّل أردوغان تركيا إلى دولة مارقة، ألصق بها صفة الإرهاب من خلال دعمه ومساندته لميليشيات متشدّدة في سوريا وليبيا، وذلك على الرغم من محاولاته الظهور بمظهر المناوئ للإرهاب والمحارب للمتشددين، ورغم حملات الاعتقال التي تشنها القوات التركية لاعتقال دواعش على أراضيها. 

تجلّت النكسات في عدد من المحطات أثناء العام، ففي الانتخابات المحلية التي جرت في نهاية مارس الماضي فقد حزب العدالة والتنمية السيطرة على سبع بلديات كبرى بينها بلدية إسطنبول وأنقرة وإزمير. ومُني بأكبر هزيمة سياسية في تاريخه، حين خسر مرشحه بن علي يلدريم في بلدية إسطنبول أمام مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو في مارس، وخسر بهزيمة أكبر بعد إعادة الانتخاب بحجج واهية، بنسبة أكبر بكثير، ما شكّل ضربة قاسية له.

كما تضعضع حزب أردوغان أكثر بعد الانشقاقات التي تعرّض لها، حيث وصل عدد المنشقين عنه إلى قرابة المليون عضو، كما أسّس بعض القيادات البارزة المنشقة عنه أحزاباً سياسية منافسة له - أبرزها رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو الذي أسّس حزب المستقبل، ووزير الاقتصاد الأسبق علي باباجان، بالإضافة إلى قيادات أخرى بارزة - وأخذت من قاعدته التي تآكلت وفقدت الثقة بقيادته، ولا سيما أنّه وصفت علناً بالاستبداد والفشل في إدارة الأزمات الاقتصادية والسياسية.

هذا فضلاً عن تحويل أردوغان لحزبه إلى مركز للتنفيعات للمقربين منه والموالين له، ما نزع عنه الصفة المؤسساتية التي كان يحرص على إظهارها، ووضعه في صدارة الفساد السياسي والاقتصادي والمؤسساتي في البلاد. 

استمرّ أردوغان في قمع الحريات السياسية في البلاد، عمل على اعتقال المئات بتهم مختلفة مكررة، ظلّت هي نفسها منذ سنوات، وهي الانتماء لجماعة فتح الله غولن، أو الاشتباه بأنّ المعتقلين على صلة بها، أو مزاعم واتهامات بالإرهاب، أو دعم مَن يصنّفون على لائحة أنقرة للإرهاب.

عزل أردوغان أكثر من ثلاثين رئيس بلدية منتخب، أغلبهم من حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد، بتهم الإرهاب، وعيّن أوصياء بدلاً عنهم، ما يوصف بأنّه انقلاب على الديمقراطية، وتعزيز للقبضة الأمنية. ووسّع هوّة الانقسام داخل المجتمع التركي، وأقصى الأكراد من المشهد السياسي، وحاول التعتيم عليهم، وإسكات أصواتهم وقمعها. 

وأفقد كذلك الثقة بالقضاء التركي الذي قام بتحويله إلى أداة سياسية للتنكيل بالمعارضين، وأظهر القضاء التركي بصورة المتردد الذي يقضي بموجب الإملاءات السياسية وليس تبعاً لأحكام القضاء والقانون، كما يفترض به أن يكون. 

ورّط أردوغان بلاده في الحرب على سوريا، وأطلق في أكتوبر عملية عسكرية سماها بنبع السلام، للسيطرة على أراضٍ سورية تمتد بين مدينتي تل أبيض ورأس العين الحدوديتين، بذريعة إنشاء منطقة آمنة للاجئين السوريين فيها، معتمداً على عصابات من المرتزقة السوريين تتبعه وتأتمر بأمره وتنفّذ أجنداته.

تسبّب الغزو التركي لشمال شرق سوريا بكوارث إنسانية في المنطقة، واتّهمت عصابات أنقرة من قبل منظمات دولية بارتكابها جرائم حرب وجرائم تطهير عرقي بحق الأكراد في المنطقة.

وعمل أردوغان على سياسة الهروب إلى الأمام، والاستمرار في افتعال الأزمات، فانطلق من التحرّش بالسفن اليونانية في المتوسط، إلى تهديدها، وتأجيج الصراع على الغاز في المتوسط. كما أكثر من الإساءات اللفظية لعدد من الزعماء العالميين، ومنهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. 

ووصل إلى حدّ التهديد الإقليمي لعدد من الدول المشاطئة للمتوسط، بتوقيعه مع فائز السراج رئيس حكومة الوفاق الليبية اتفاقية عسكرية، وأخرى لترسيم الحدود البحرية، ما فتح الباب واسعاً أمام التدخل التركي في ليبيا، وإطالة أمد الحرب الليبية، ودعم مشروع الإخوان المسلمين هناك، والمحافظة على مكتسبات الإخوان المسلمين وما تبقى منها لهم في طرابلس التي يهيمنون عليها بتحالف مع الميليشيات المتشددة وبدعم منها.

ابتعدت تركيا عن الناتو، وزاد أردوغان الشروخ في العلاقة التاريخية التي تربط بلاده بهذا الحلف الذي انضمت إليه سنة 1952، وذلك بالتقرّب من روسيا، وشراء منظومة الصواريخ الروسية الدفاعية إس-400 التي قال حلف الناتو إنّها تتعارض مع أنظمته الصاروخية وتشكّل تهديداً عليها.

وزادت تهديدات أردوغان بإغلاق قاعدتي إنجرليك وكوراجيك الأميركيتين في بلاده، قبل أسبوعين، من حدّة الشقاق مع الولايات المتّحدة التي فرضت عقوبات على تركيا، وأخرجتها من نظام إنتاج طائرات إف-35 المقاتلة، بعد إتمامها صفقة شراء صواريخ إس-400 الروسية. 

حصاد الخيبة والهزيمة.. أردوغان يحاول إلهاء الرأي العام
حصاد الخيبة والهزيمة.. أردوغان يحاول إلهاء الرأي العام

وفي مسعى أردوغان الحثيث للزعامة الإسلامية، حاول الانقلاب على منظمة التعاون الإسلامي، ونسّق وأعدّ لقمة كوالالمبور الإسلامية في ماليزيا في ديسمبر الجاري، وجهد للاستعراض فيها وتقديم نفسه الزعيم الإسلامي الأبرز، وعمل على بثّ خطاب الكراهية تجاه غير المسلمين، بزعم محاربة الإسلاموفوبيا.

وحاول استعادة الأمجاد السلطانية العثمانية، من خلال تدخلاته المباشرة وغير المباشرة في الإقليم وفي دول أخرى بعيدة، بحجة الدفاع عن الجاليات المسلمة فيها، كما حصل بعد مجزرة نيوزيلندا التي وقعت في منتصف مارس، ومحاولته استغلالها لدعايته الانتخابية.

وقبل ذلك تمادى أردوغان في سياسة الاستقطابات، وحاول ابتزاز المملكة العربية السعودية بقضية مقتل جمال خاشقجي التي ظلّ يتاجر بها طيلة العام، ولكن القضاء السعودي قطع عليه الطريق، ولم ترضخ المملكة لابتزازه. كما حاول تشويه صورة مصر عالمياً بعد وفاة الرئيس المصري المعزول محمد مرسي في السجن، ما وضعه في موقف محرج يظهر فيه أنه يقوم باستغلال أي موقف لاستعراض زعامته، وافتعال المشاكل والأزمات مع الآخرين الذين لا يرضخون له. 

وبالموازاة مع  فشله في تعزيز الاقتصاد التركي وتمكينه، والخروج من الأزمة الاقتصادية، أضاف أعباء جديدة إليه من خلال إطلاق مشاريع يراد من خلالها إظهار  نفسه أنه مؤسس الجمهورية التركية  الثانية، كمشروع مطار إسطنبول الذي أشار كثير من المراقبين والأتراك أنّه لم يكن هناك أية حاجة إليه، وكان يمكن بقليل من التكاليف ترميم تجهيز مطار أتاتورك وتحديثه ليَفي بالغرض بشكل مناسب.

وكي يقوم بترقيع خيباته ونكساته، عمل أردوغان على تفتيت المعارضة التركية أكثر فأكثر، وقام بتأليب بعض الأحزاب المعارضة على بعضها، وأحدث شروخاً في صفوفها، من ذلك مثلاً مخططه لإبعاد الحزب الصالح بقيادة ميرال أكشينار عن تحالف الأمة وحليفه الأبرز حزب الشعب الجمهوري المعارض، تمهيداً لضمه لاحقاً إلى ائتلاف حكومي، أو إرضائه ببعض الامتيازات، ولاسيما أن دولت بهجلي زعيم حزب الحركة القومية العجوز يمرّ بظروف صحية سيّئة، تثير التساؤلات حول مستقبله السياسي.  

ولم تسعف الزيارات والجولات التي قام بها أردوغان في ترميم صورته وصورة بلاده التي تسبب بتشويهها والتشويش عليها في تهدئة المشاكل التي تورّط بها..

وقام أردوغان، العام 2019 بعشرات الزيارات الخارجية والداخلية، والمشاركة في مؤتمرات دولية، فضلاً عن استضافة العديد من زعماء البلدان والحكومات في بلاده. وأجرى خلال العام الحالي 19 زيارة خارجية، 4 منها إلى روسيا، واثنتان إلى الولايات المتحدة. وعلى صعيد زياراته الداخلية، أجرى أردوغان 86 زيارة إلى 59 مدينة تركية خلال 2019. 

ومن اللافت أنّ أردوغان يغرق تركيا في عدة ملفات، ويمارس لعبة التعامي عن الوقائع والحقائق، هناك مشاكل مستعصية في الملفين الليبي والسوري، وفي ملف التنقيب الغاز والنفط شرق المتوسط، في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي الذي يواصل تهديده بأزمة اللاجئين، ومع الولايات المتحدة والناتو، وكذلك مع روسيا التي يتقارب معها في بعض المسائل، كالتسلح والملف السوري نسبياً، ويبتعد عنها في أخرى كالملف الليبي وشبه جزيرة القرم. وذلك بحسب ما يشير محللون. 

وحاول الرئيس التركي أن يختم عامه بإنجاز وطني، وتقديم أوّل سيّارة تركية محلّية الصنع، إيطالية التصميم، وإبرازها على أنّها من إنجازاته الصناعية والاقتصادية، والإيحاء أنّ تركيا ستنافس بها الشركات العملاقة، وستجتاح الأسواق العالمية، وأنّ بلاده مقبلة على ثورة صناعية، وذلك للتعتيم على الفشل في إدارة الأزمة الاقتصادية، وإلهاء الراي العام التركي بمسائل لا تهمّه، وتمارس التفافاً على قضاياه اليومية الحسّاسة. 

وبعد ذلك يثير معارضون أتراك أسئلة عن مسار تركيا في ظلّ سياسات أردوغان التسلّطية، وإلى أين سيسير أردوغان بتركيا في العام المقبل، ولاسيما أنّه سيستهلّه بتمرير قانون إرسال جنود أتراك، ومساعدات عسكرية إلى ليبيا، في البرلمان التركي الذي بات رهينة بيده، ينفّذ إملاءته من دون أي معارضة تذكر؟