إعادة كتابة تاريخ التملق

خبر طريف. جامعة سودانية سحبت شهادة الماجستير من الرئيس المخلوع عمر حسن البشير. المعهد الذي في الجامعة يعبّر اسمه عن نفسه. اسمه معهد “إسلام المعرفة”. الجامعة لم تسحب الشهادة فقط، بل شطبت المعهد نفسه.

لا أعرف إن كان البشير يستحق شهادة الماجستير يوم منحته إياها الجامعة. الشهادة كانت موقفا متملقا واضحا أشد الوضوح. لكن حكم البشير يستحق أيضا أن تعدّ عنه الكثير من أطروحات الماجستير والدكتوراه. ثلاثون عاما من التناقضات تستحق النظر إليها بجدية في السودان وغير السودان.

ما فعلته الجامعة ليس تصحيحا لخطأ بل محاولة لإعادة كتابة تاريخ التملق. مثل هذه المؤسسات التي تمتلك صفة المنح المجانية تنسى دورها التعليمي ولا تهتم بالمصداقية.

لكنها تبقى مؤسسة. تستطيع أن تمحو مثل هذا التاريخ بسهولة وأن تتناساه. ثمة حالة مقلوبة. مؤسسات تحمل أسماء كبيرة تمنح الجوائز لشخصيات. هذه الشخصيات تفرح بالجوائز وهداياها المرافقة، ثم تنقلب لاحقا.

خذ مثلا جائزة صدام للآداب. منحت للأديب المصري يوسف إدريس أواخر الثمانينات. فرح بها إدريس أيّما فرح. بعد الجائزة بأقل من سنتين قال أقذع الكلام في من منحه إياها. برّر ما قاله بغزو الكويت. تحدث عن إعادة الجائزة لصاحبها، ثم طُوي الأمر في زحمة الحرب ووفاة المنتفع في نفس العام.

جائزة القذافي العالمية للآداب مثال آخر. أول من حصل عليها الكاتب والناقد جابر عصفور. احتفت به ليبيا في وقتها وفرح بالجائزة. ثم قرر التنازل عنها بعد أن قمع معمر القذافي الشعب الليبي. هذا على أساس أن القذافي لم يكن يمارس القمع قبل الثورة. لا نعرف أين ذهبت هدية الجائزة المالية المصاحبة.

بعض الحاصلين على الجوائز أذكى. واحد من هؤلاء الأذكياء هو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. مُنح جائزة القذافي العالمية لحقوق الإنسان عام 2010. كان هذا في ذروة غرور القذافي وفي ذروة التمهيد للزعامة الأردوغانية وفي ذروة سيل العقود للشركات التركية في ليبيا. ولأن أردوغان ذكي، فإن الموضوع لم يُثر بعدها، وعملت تركيا ما عملته في ليبيا القذافي وما بعد القذافي. والحبل على الجرار.

هذه أمثلة قليلة من محطات في النفاق وإعادة كتابة تاريخ النفاق. يوسف إدريس وجابر عصفور وغيرهما قامات أدبية وثقافية ما كانت في حاجة إلى التملق قبولا وجعلت أمرها أصعب حين وجّهت سهامها لمن قبلت الجوائز منهم. هنا لا نحكم على من تحمل الجائزة أسماءهم. هؤلاء التاريخ سيحكم عليهم. ربما كما سيحكم التاريخ على مستمتع بالتملق مثل أردوغان.

 

مصدر المقال صحيفة "العرب":

https://alarab.co.uk/%D8%A5%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%84%D9%82
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.