إعادة تصوير الخلافة: أسطورة بائسة لا تنتهي

مع انتشار صورة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وهو يتلو القرآن في آيا صوفيا، مع خطيب الجمعة الذي حمل سيفا، عاد موضوع الخلافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي.

ليس حلم الخلافة الإسلامية جديدا. فمنذ ولادة الجماعة الأم التي اطلقت ما أصبح يعرف بالإسلام السياسي، استخدمت جماعة الإخوان المسلمين القرآن والسيف كشعارات ترمز إلى حلم استعادة الخلافة. وأشعلت مشاهدة السيف والقرآن مباشرة من آيا صوفيا حنينا إلى الخلافة التي بدت حقيقة محتملة.

ما نوع الخلافة التي يريد الإسلامويون تأسيسها؟

عوضا عن تقديم صورة واضحة تفصل مشروعهم، يميل معظم الإسلامويين إلى الترويج إلى النتائج المرجوة من الحكم الإسلامي، ورفض أنماط الحكم الأخرى. ويؤكد جميعهم رفضهم لما يرونه "جوانب غير إسلامية" للحداثة الغربية و"الإمبريالية". كما يرفضون الخلافة التي سعت إليها الدولة الإسلامية قبل هزيمتها، حيث يرونها استغلالا لمفهوم يعتزون به.

كتب الكاتب التركي يوسف كابلان في صحيفة "يني شفق" المؤيدة لأردوغان إن "الخلافة هي مؤسسة متعددة الطبقات والوظائف، وليست مبنية على بُعد سياسي فقط، بل على بُعد إداري واقتصادي وثقافي وفكري يأخذ أبعادا دينية أيضا".

وأكد على ضرورة أن تكون الخلافة مستقلة عن سيطرة القوى الإمبريالية و"دُماها وأتباعها". وبدا يتبع طريقة للتهرب من الكشف عن تفاصيل مشروعه المقترح الذي يتناسب مع أعتراض أردوغان لإعلان الخلافة في الوقت الحالي.

ليس كابلان وحده الذي سار على هذا النهج. فقد تجنّب معظم المفكرين الإسلاميين الخوض في تفاصيل مشاريعم الشائكة، وتحديد كيف ستَحكم "مؤسستهم متعددة الأطراف والأبعاد والوظائف" العالم الإسلامي بعقيدة دينية عادلة. هل سيحدث ذلك عبر مبايعة خليفة مطلق؟ أم بوضع أسس تحدد خلافة دستورية؟ أم تعيين خليفة رمزي؟

ليست فكرة الخلافة الحديثة جديدة كذلك. إذ عاش المفكرون المسلمون الحنين إلى الماضي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ودرسوا مفهوم الخلافة تحت قيادة خليفة "عادل وحازم وتقي" قادر على تطبيق نظام إداري وسياسي واجتماعي يوحّد جميع البلدان الإسلامية. ولقيت فكرة المستبد العادل رواجا لدى البعض. ونراها على سبيل المثال في كتابات عبد الرحمن الكواكبي في كتابه "طبائع الاستبداد" وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وغيرهم.

فقد فسروا فكرة الاستبداد على أنها تجمع "الحزم والقوة والعدالة" مشددين على اختلافها عن مفهوم الاستبداد الغربي، والذي يعني "التفرّد بالحكم"، حيث أن الحزم لا يعني الظلم والتعسف. ثم ألهمت نفس الأفكار القوميين العرب مثل عبد الناصر وصدام حسين، ونعلم جميعا نتائجها الكارثية فلا حاجة إلى التذكير بها. وتبقى الفكرة القائلة بأن الخليفة الإسلامي سيكون أفضل من هؤلاء القوميين العرب هو مجرد أحلام بائسة، إذ لن يتمكّن الإسلاميون من وضع آلية واضحة تمنع الخلفاء من الانزلاق إلى طريق الظلم بعد وصولهم إلى السلطة.

وإذا قررنا أن نعتمد تاريخ الخلفاء المسلمين كدليل لنا، فسيمكننا أن نقول دون ذرّة شك أن الدولة الأموية أو العباسية أو العثمانية لم تشهد مرّة واحدة تمكّنت فيها الشعوب المسلمة من منع الحكم الظالم. فعلى عكس ذلك، وُصف كل من ثار على الحاكم الظالم بالخائن والمرتد. وتبدو هذه هي نفس الطريقة التي يتبعها الرئيس أردوغان اليوم مع خصومه السياسيين، من الأكراد إلى العلمانيين.

كما يُعتبر تطبيق العدالة معضلة كبيرة في مفهوم الخلافة. فقد سبق أن قلّل الإسلاميون من مفهوم العدالة في تطبيق أحكام الشريعة، لكنهم تجاهلوا كيف كانت المجتمعات الإسلامية منذ البداية (من العصر الأموي حتى نهاية الخلافة العثمانية) طبقية. فلم نسمع في تاريخ الخلفاء المسلمين عن حدّاد وصل إلى السلطة أو نجّار أدار شؤون مدينته.

تكمن مشكلة الإسلاميين الشبان في أنهم يحلمون بمجتمعات يكونون فيها قادة وأثرياء وعظماء. لكنّهم لا يفكرون بما سيكون عليه حالهم إذا أصبحوا عبيدا أو خدما في قصور خلفائهم. ولتجنب المزالق الشائكة لخلافة مطلقة، دعا العديد من الإسلاميين المعاصرين إلى "خلافة دستورية" مستشهدين ببداية حكم السلطان عبد الحميد الثاني عندما أنشأ جمعية عامة. لكنهم نسوا كيف عطّل الدستور وأعاد البلاد إلى الحكم الاستبدادي المطلق بعد ذلك، ورفضوا أن يحددوا ما قد يمنع أي خليفة مستقبلا من فعل الشيء نفسه. فكيف يمكن لمحبي أردوغان أن يتوقعوا الإنصاف والعدالة من زعيمهم المحبوب، الذي يستشهد بحكم هتلر كمثال للحكومة الفعالة؟

وفي مواجهة مثل هذا السؤال الصعب، حدد أردوغان إجابة جاهزة. وقال إن "تركيا بلد ديمقراطي". وهذا رد خاطئ يتغاضى أردوغان به عن استبداده. كما أنه يتجاهل حقيقة تأسس النظام التركي الحالي على قيم علمانية لا دينية. وإذا خسر حزب العدالة والتنمية الحاكم في الانتخابات المقبلة ، فلن يتبنى الرئيس المقبل عقيدة الخلافة.

في الحقيقة، تبقى فكرة انتخاب الخليفة في حد ذاتها فكرة كوميدية وهزلية، لأنها تنزع عقيدة الخلافة من أساس قيامها وتحّولها إلى نظام لا يختلف عن أي نظام علماني كثيرا. وهذا هو سبب تأييد بعض الأتراك لنسخة أردوغان الأكثر ليونة من الخلافة، حيث يرون تركيا قوة ناعمة، والمجتمعات الإسلامية الأخرى تحوم في مدارها عبر روابط ثقافية واقتصادية وسياسية قوية.

ومع ذلك، يرفض معظم دعاة القوة الناعمة التركية القومية العربية بشدة،. ولا يهتمون بالمساواة سوى بين الأعراق داخل المجال التركي، فهم يعتبرون العرق التركي متفوقا على الآخرين. وقد أثارت هذه النزعة العديد من الثورات بين العرب وغيرهم من مواطني الخلافة العثمانية في العصور الوسطى ضد خلفائهم السابقين.

يوفر مفهوم الخلافة الإسلامية إحساسا لأولئك الذين يرون في الإسلام عقيدة ونظاما سياسيا بنوع من الاستمرارية التاريخية، ومع ذلك، ستظل الخلافة مشروعا محكوما عليه بالفشل دائما. فلأكثر من قرن، فشل الإسلامويون في صياغة إطار عمل واضح وآليات عملية لتحقيق حلمهم في واقع عملي يمكن أن يتجنب الأخطاء الماضية.

يسهل حمل سيف من حقبة ماضية وإلقاء اللوم على الإمبريالية الغربية. لكن، يصعب على أتباع الإسلام السياسي الاعتراف بالعديد من المغالطات وما يمثله هذا السيف وما يمكنه تحقيقه وما يعجز عنه.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/hagia-sophia/rebranding-caliphate-never-ending-dystopian-myth
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.