يونيو 19 2019

أبعاد المعركة الإنتخابية من أجل اسطنبول

إسطنبول – تصوت إسطنبول لاختيار رئيس بلدية جديد للمرة الثانية خلال ثلاثة أشهر يوم الأحد المقبل ، بعد أن قام سياسي معارض بعرقلة طموح الحزب الحاكم في الاستحواذ على المنصب، ليحقق فوزا استثنائيا سرعان ما تم انتزاعه منه لأنه لم يرق للحزب الحاكم ولم يتمكن من قبوله او استيعابه.

فقد فاز أكرم إمام أوغلو 49 عاما من حزب الشعب الجمهوري العلماني بانتخابات رئيس بلدية إسطنبول في31 مارس الماضي ، حيث هزم بن علي يلدريم 63 عاما من حزب العدالة والتنمية بفارق 13 ألفا و729 صوتا.

غير أن اللجنة العليا للانتخابات ألغت التصويت في 6 مايو الماضي استجابة لطلب من حزب العدالة والتنمية الحاكم، الذي ادعى حدوث مخالفات، وأمر بإعادة الانتخابات في 23 يونيو الحالي ولم يكن امام اللجنة الانتحابية الا تنفيذ امر الحكومة والحزب الحاكم.

ودفع القرار، الذي أثار احتجاجات سلمية في المدينة التي يبلغ عدد سكانها 16 مليون نسمة وأدى إلى إدانة من الحلفاء الأجانب حول حالة الديمقراطية وحكم القانون في تركيا، إمام أوغلو إلى الظهور بقوة على المسرح السياسي ندا لايستهان به.

و فجأة بدأ اعتبار رئيس بلدية بيليكدوزو باسطنبول، المهذب والذي لم يكن مشهورا، قوة سياسية يحسب حسابها، وربما حتى في يوم من الأيام يكون قادرا على منازلة الرئيس رجب طيب أردوغان.

أكرم امام اوغلو السياسي الذي فاجأ حزب العدالة والتنمية وتحدى اردوغان
أكرم امام اوغلو السياسي الذي فاجأ حزب العدالة والتنمية وتحدى اردوغان

كان أردوغان يزمجر في الحملة قبل الانتخابات المحلية التي أجريت على مستوى البلاد في مارس محذرا من أن "وجود تركيا أصبح على المحك". و في وقت لاحق وصف حكم إعادة الانتخابات في إسطنبول بأنه "خطوة مهمة في تعزيز ديمقراطيتنا".

في المقابل، خاض إمام أوغلو حملته منطلقا من برنامج يقوم على التفاؤل والحب، متعهدا بتدمير جدران الشعوبية. بل أنه لم ينحن أمام الهزيمة عندما انتهت فترة ولايته كرئيس بلدية بشكل مفاجئ بعد 18 يوما. وقام بتهدئة أنصاره قائلا: "كل شيء سيكون على ما يرام" ، والذي أصبح على الفور الشعار الجديد الجذاب لحملة حزب الشعب الجمهوري.

لا يمكن لأردوغان أن يتحمل خسارة مثل هذه الانتخابات، على الرغم من أنه ليس مدرجا على بطاقة الاقتراع. المحافظون الإسلاميون يحكمون اسطنبول منذ 25 عاما. إنها المدينة التي بدأ منها مسيرته السياسية باختياره رئيسا للبلدية في عام 1994 قال ذات مرة إن من يخسر اسطنبول، يخسر تركيا.

وباعتبارها محرك الاقتصاد التركي، تعد إسطنبول أيضا موقعا لمشاريع بنية تحتية مربحة تبلغ قيمتها ملايين الدولارات وتساهم بثلث الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

ويقول مطلعون على الأمور في حزب العدالة والتنمية، إنه حتى استطلاعات الرأي داخل الأحزاب قبل أسبوع من الانتخابات تظهر إمام أوغلو متقدما.

وقال وولفانجو بيكولي، الرئيس المشارك لشركة الأبحاث تينيو إنتلجنس الأسبوع الماضي: "تعتمد فرص إعادة انتخاب إمام أوغلو إلى حد كبير على
مدى استعداد حزب العدالة والتنمية للغش ومقدار الغش التي يمكن أن يفلت به".

لكن مصطفى كوكسالان من هيئة مراقبة الانتخابات المستقلة التي ستنشر آلاف المراقبين في جميع أنحاء المدينة، قال لوكالة الأنباء الألمانية إنه "من الصعب للغاية الغش في اسطنبول، لأن هناك الكثير من الأشخاص الذين يهتمون بأصواتهم".

وقال عدة محللين إن أي محاولة للتزوير سيتم إحباطها إذا ما حصل إمام أوغلو على حصة ضخمة من الأصوات بما يكفي لجعل تزوير النتيجة مسألة مستحيلة.
وقال محمد جونال أولجر، رئيس بولميتر وهي شركة لاجراء استطلاعات الرأي، إنه يتوقع أن يفوز إمام أوغلو بهامش يتراوح بين 500 ألف إلى مليون صوت هذه المرة، لو كان موقف حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد والناخبون الأكراد لهم نفس الموقف كما كان في 31 مارس.

ويرى محمد علي كولات من وكالة استطلاعات الرأي ماك أن الناخبين الأكراد المحافظين يشكلون عاملا رئيسيا، الجيل الأول والثاني من الأسر التي نزحت بسبب القتال مع حزب العمال الكردستاني وأجبروا على الانتقال الى إسطنبول.

وقال  إنه على الرغم من أنهم عادة ما كانوا يصوتون لصالح حزب أردوغان "فقد قاطعوا انتخابات مارس لأنهم لا يحبون سياسات حزب العدالة والتنمية الأخيرة ضد الأكراد".

كما تم إثارة نفور العديد من الناخبين الأكراد بسبب تحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرف.

اردوغان يعد انتخابات اسطنبول قضية مصيرية بالنسبة له ولحزبه الحاكم
اردوغان يعد انتخابات اسطنبول قضية مصيرية بالنسبة له ولحزبه الحاكم

ما زال هناك فرصة لاجتذاب 1.7 مليون شخص لم يصوتوا في مارس، من بينهم الناخبون الذين يشعرون بالإحباط من الركود الاقتصادي والسياسات المثيرة للانقسام في الحزب.

وفقًا لما ذكرته وكالة أنباء الأناضول الحكومية وقناة إن تي في، فإن 8.68 مليون من الناخبين المؤهلين في اسطنبول البالغ عددهم 10.57 مليون ناخب مارسوا حقهم في التصويت في مارس.

وفي 16  يونيو، شهد الأتراك حدثًا نادرا، وهو مناظرة متلفزة بين رئيس الوزراء السابق يلدريم وإمام أوغلو.

وتم بث أول مناظرة من نوعها منذ 17 عاما على جميع الشبكات في بلد يسيطر فيه الحزب الحاكم بصورة ساحقة على موجات البث، تاركا المعارضة للجوء إلى حملات مواقع التواصل الاجتماعي.

خلال المناظرة التي استمرت ثلاث ساعات، اعترف كلاهما بالمشاكل الاقتصادية للمدينة، ووعدا بتوفير المزيد من فرص العمل والمساحات الخضراء، وتعهدا بتخفيف الازدحام المروري.

في حين يوجد 19 مرشحا آخرين يخوضون السباق على منصب رئيس البلدية، فإن المعركة الحقيقية تدور بين إمام أوغلو ويلدريم.

ووضعت شركة الاستطلاع أو آر سي يلدريم في المقدمة بنسبة 48.3 %، متقدما على إمام أوغلو الذي حصل على 47.7%، بعد مقابلات أجريت الأسبوع الماضي مع 6580 من المشاركين في الاستطلاع.

وقالت وكالة جيزيجي لاستطلاعات الرأي إنها لن تنشر نتائجها بسبب الأجواء المشحونة سياسيا.

وذكر مراد جيزيجي مالك الوكالة: "الاستقطاب قوي لدرجة أنه حتى الإخوة والأزواج والعشاق معادون لبعضهم البعض"، واصفا الوضع بأنه لا يمكن إصلاحه.

قبل ساعات من المناظرة التلفزيونية، قال أردوغان إن من يحترم الديمقراطية يجب أن يكون راضيا عن النتيجة يوم الأحد.

وقال: "مهما كانت النتيجة، ستفوز تركيا إن شاء الله"، بينما قلل من شأن الانتخابات باعتبارها مجرد انتخابات بلدية.

يقول جونول تول، مدير برنامج الدراسات التركية بمعهد الشرق الأوسط: "قد تكون هذه الانتخابات بمثابة الاختبار النهائي لما تبقى من الديمقراطية التركية. فسكان إسطنبول لا يختارون فقط عمدة جديد لمدينتهم ، بل أيضا مسار المستقبل لبلدهم".