أبحر أميرال تركيا وبقي الوطن الأزرق

مع استمرار تأثير جائحة كورونا على شركات الطاقة مما ساعد على تقليص عملياتها البحثية، كانت تركيا تنتهج سلوكاً عنيداً بشكل واضح في دفعها للبحث عن الموارد على الرغم من انخفاض أسعار النفط. 

يرى البعض سعي تركيا المستمر للحصول على موارد الطاقة التي يراها الفاعلون الآخرون الآن زهيدة الثمن للغاية بحيث لا تستحق التنقيب عنها، أنه مرتبط بمشروع الوطن الأزرق التركي، الذي يسعى إلى التوسع في المياه الإقليمية في بحر إيجه والبحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود.

ويقول آخرون إن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا يستخدم هذا المبدأ كغطاء لحشد الدعم لأهداف سياسته الخارجية.

تصدر مشروع الوطن الأزرق عناوين الصحف في سبتمبر 2019 عندما ألقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كلمة أثناء وقوفه أمام خريطة تظهر 462 ألف كيلومتر مربع يتصورها كوطن أزرق لتركيا. وقد أجرت البحرية بالفعل تدريبات عسكرية عملاقة تحمل نفس الاسم في وقت سابق من ذلك العام.

وشهدت الخطوة الأخيرة لتركيا في المياه القريبة منها إحدى سفن التنقيب، الفاتح، وهي تبحر إلى طرابزون على الساحل الشمالي لتركيا يوم الجمعة لبدء التنقيب في البحر الأسود. كانت الفاتح نشطة في شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث لا تزال سفن تركيا الأخرى، وهما يافوز وكانوني، متمركزة.

وقد أدت مبادرات الدولة لزيادة نفوذها في هذه المناطق بالفعل إلى زيادة التوترات مع جيرانها، لا سيما بعد أن نشطت سفن الأبحاث التركية منذ العام الماضي في المناطق الواقعة في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص.

وفي نوفمبر، زادت تركيا من حدة التوتر بعقدها اتفاق مع الحكومة الليبية المعترف بها من قبل الأمم المتحدة التي تعتبر الدولتان جارتان بحريتان، يعطي تركيا أجزاءاً من البحر الأبيض المتوسط تقع قبالة الجزر اليونانية وبالقرب من قبرص. تحمي الحكومة التركية الحكومة التي تتخذ من طرابلس مقراً لها والصفقة من خلال إرسال معدات عسكرية ومستشارين ومرتزقة سوريين، لقلب الطاولة في القتال ضد خصومها المقيمين في الشرق، الجيش الوطني الليبي.

ذهبت المناورة في ليبيا حتى الآن لصالح تركيا، وقد ساعدت قوتها من الطائرات ذاتية القيادة حكومة طرابلس على استعادة المناطق الرئيسية على الرغم من أنها تواجه الجيش الوطني الليبي، وهو الجيش المدعوم من روسيا والقوى الإقليمية مثل مصر والإمارات.

وبالمثل، تنأى تركيا بنفسها عن قبرص، حيث وقعت الدول الأوروبية والمتوسطية اتفاقيات مع الدولة الجزيرة التي لا تعترف بها أنقرة.

تم تعليق مشاريع الغاز الدولية في جميع أنحاء الجزيرة مع قيام شركات الطاقة بوقف أنشطتها للتغلب على جائحة كورونا.

وقال مصطفى قراحان، مدير شركة الاستشارات "دراغون إنرجي"، لصحيفة الغارديان هذا الأسبوع "يظهر سعي تركيا لعمل هذه المشاريع على الرغم من الركود الاقتصادي أن الدفع من أجل السيطرة على أي نفط وغاز في حوض البحر الأبيض المتوسط لا يعتبر في الحقيقة مشروعًا اقتصاديًا على الإطلاق: إن إمدادات الغاز ليست حاجة ملحة أو ضرورة مالية لتركيا حتى الآن. لكن هذا يتعلق حقا بإسقاط القوة السياسية".

وفي وقت سابق من هذا الشهر، استقال الأميرال جهاد يايجي وهو العقل المدبر لمشروع الوطن الأزرق، من رتبته الفعلية بعد خلاف واضح مع وزير الدفاع خلوصي أكار.

حزن الكثيرون في تركيا بعد سماعهم لهذه الأخبار، والذين اعتبروا الأميرال مدافعًا قويًا عن مصالح تركيا دوليًا ورجلًا رئيسيًا في الحرب ضد حركة غولن الدينية، والتي يعتقد على نطاق واسع أنها تسللت إلى مواقع رئيسية في الدولة على مدى العقود الأخيرة وكانت السبب في محاولة الانقلاب يوليو 2016. طور يايجي مقياساً لتحديد المشتبه في أنهم أتباع لحركة غولن في الجيش.

ومع رحيل يايجي واستمرار السياسة الخارجية التوسعية، أخبر توركر إيرتورك، الأميرال المتقاعد والمؤيد للمنظور الأوروآسيوي، المعلق الإعلامي، روشين شاكر من تلفزيون "ميديا سكوب"، أن حزب العدالة والتنمية قد اختطف المشروع لخداع الجمهور حتى يقبل فكرة تدخل الحكومة في ليبيا.

وقال إيرتورك إن استقالة يايجي أظهرت عمق التسييس في القوات المسلحة التركية، وفي منشور على مدونته الشخصية في وقت سابق من شهر مايو، قال "سقط يايجي ضحية لمؤامرة من أكتار، الذي اعتبره منافسًا بسبب شعبيته".

لكن إيرتورك قال إن رحيل يايجي لن يعني نهاية لمشروع الوطن الأزرق في البحرية. وقد ردد ذلك أميرال متقاعد آخر معروف بتأثيره في إنشاء مشروع الوطن الأزرق، سيم غوردينيز، الذي قال في العديد من المقابلات على "يوتيوب" منذ إقالة يايجي، أن الحكومة ليس لديها نية للتخلي عن المشروع.

في الواقع، يبدو أن الحكومة عازمة على المضي قدماً في الاستراتيجية، التي كانت محط اهتمام وسائل الإعلام الصديقة خلال العام الماضي. وذكرت صحيفة صباح أن رحيل سفينة الفاتح إلى ساحل البحر الأسود يوم الجمعة هي خطوة من شأنها "تغيير التوازن"، وقد غطت وسائل الإعلام المبادرات في ليبيا وشرق البحر الأبيض المتوسط.

وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى مشروع الوطن الأزرق كوسيلة لتعزيز الدعم من خلال تحويل تركيز وسائل الإعلام إلى المغامرات الأجنبية بينما لا يوجد الكثير للاحتفال به في الداخل. كان الاقتصاد التركي متعثراً بالفعل منذ أزمة العملة في 2018، ثم فاقمت جائحة كورونا مشاكله.

ولكن أكثر من تشتيت الانتباه عن هذه المشاكل، كان بإمكان أردوغان أن ينظر إلى مشروع الوطن الأزرق كوسيلة للتعامل مع بعض هذه المشاكل أثناء اتباع عقيدة توحد قاعدته الإسلامية مع حلفائه الأوروآسيويين والقوميين.

وبالنسبة لدولة تعتمد بشكل كبير على جيرانها للحصول على إمدادات الطاقة، سيكون تأمين مصادر الغاز الطبيعي بالقرب من قبرص بمثابة هدية كبيرة لحكومة أردوغان.

ومع ذلك، يعتبر وجود موارد الطاقة في ليبيا أكثر إغراءاً بالنسبة لتركيا، حيث يتم استغلال احتياطيات النفط الوفيرة بالفعل. ومنذ ذلك الحين، سمح التدخل أيضًا لأردوغان بالاستمرار في سياسته طويلة الأمد لدعم الجماعات الإسلامية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.  

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-energy/turkeys-blue-homeland-sea-doctrine-sails-despite-admirals-resignation
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.