آفاق تركيا البحرية التوسعية

عادت مرة أخرى إلى الأنباء عقيدة مافي فاتان، أو الوطن الأزرق - وهي عقيدة تركية تزعم ولاية بحرية واسعة النطاق في بحر إيجة والبحر المتوسط - وذلك باتفاق أعلنته حكومة طرابلس الليبية وداعموها الرئيسيون في أنقرة.

أبرمت الحكومتان اتفاقاً في الثامن والعشرين من نوفمبر بشأن الحدود البحرية لكل منهما. ويرى الاتفاق البلدين كجارتين بحريتين وقام بترسيم الحدود البحرية لتركيا عبر منطقة تستقطع من المطالبات البحرية للجزر اليونانية، بما في ذلك جزيرة كريت.

المفارقة أن الاتفاق يتعلق بمناطق غير خاضعة لحكومة طرابلس المعترف بها دولياً، لأنها خسرت شرق البلاد أمام الجيش الوطني الليبي بقيادة الجنرال خليفة حفتر.

على الرغم من ذلك، أثار الاتفاق ردود فعل شديدة من اليونان وقبرص ومصر أيضاً.

الاتفاق مع ليبيا هو نتاج عقيدة مافي فاتان التركية. فيما يتعلق بجزء البحر المتوسط، فإنه يشير إلى منطقة بحرية ضخمة عبر نصف شرق البحر المتوسط تتجاهل الرفوف القارية لجزر قبرص وجزر رودس وكاستيلوريزو وكارباثوس وكاسوس اليونانية والقطاع الشرقي من جزيرة كريت.

طرح عقيدة مافي فاتان لأول مرة في يونيو 2006 الأدميرال رمضان جيم غوردينيز خلال ندوة في مركز قيادة القوات البحرية التركية.

غوردينيز متطرف كلاسيكي مناهضة للغرب مهووس بالتفوق البحري التركي في المناطق التي قامت بترسيمها عقيدة مافي فاتان وأبعد منها في نهاية المطاف.

الخطوات التركية التالية في هذه العقيدة تتمثل في جهود تركيا لإظهار القوة في الخليج والبحر الأحمر مع وجود قواعد عسكرية في قطر والصومال وقاعدة بحرية مزمعة في جزيرة سواكن السودانية.

في الوقت الحالي، تتضمن رؤية غوردينيز حول الولاية البحرية التركية مناطق شاسعة من البحر الأسود والبحر المتوسط وبحر إيجة.

وقال غوردينيز "سطح هذا الوطن وجسمه المائي وقاع البحر والكتلة الأرضية تحت قاع البحر ملك لنا. حجم هذا الوطن يساوي نصف مساحة أرضنا". في الواقع، تساوي المناطق المعنية حوالي 462 ألف كيلومتر مربع.

يعتبر غوردينيز وأتباع عقيدة مافي فاتان أن الوضع الراهن يمثل "معاهدة سيفر الثانية"، في إشارة إلى المعاهدة التي قسمت تركيا بين القوى الاستعمارية التي فُرضت على الإمبراطورية العثمانية بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى وألغتها وحلت محلها معاهدة لوزان عام 1923 بعد حرب الاستقلال التركية الناجحة.

بالنسبة للأدميرال المتقاعد الآن، يتمثل منفذا "معاهدة سيفر الثانية" في اليونان ومؤخراً قبرص، وللاثنين مطالبات متنافسة على ما يعتبره غوردينيز ولاية بحرية لتركيا.

جرى تطوير أفكار غوردينيز في كتاب من 528 صفحة بعنوان "كتابات عن الوطن الأزرق"، وكذلك في عموده المعتاد في صحيفة أيدينليك اليمينية المتطرفة. كما يرأس مركزاً للبحوث يسمى منتدى كيه يو البحري في جامعة كوج المرموقة.

وخلال حديثه في حلقة نقاشية نظمتها منظمة التراث التركي في الولايات المتحدة في مايو، قال غوردينيز إن ثمة ثلاثة أبعاد أمنية حيوية للجغرافيا السياسية التركية في البحر المتوسط: "التحديات اليونانية على مناطق الولاية البحرية التركية وإمكانية استقلال كردستان مع حرية الوصول إلى البحر المتوسط ومستقبل شمال قبرص مع الآثار الجيوسياسية بالنسبة لتركيا".

وفي نهاية فبراير، بدأت القوات البحرية التركية مناورة عسكرية أطلق عليها للمرة الأولى اسم "مافي فاتان" في هذه المناطق، كما ذكر وزير الدفاع خلوصي أكار أيضاً مافي فاتان للمرة الأولى في خطاب بمناسبة عيد النصر في الثلاثين من أغسطس هذا العام. وفي الآونة الأخيرة، في أوائل سبتمبر، ألقى الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي زار جامعة الدفاع الوطني التي تم إنشاؤها بعد محاولة الانقلاب في يوليو 2016، خطاباً أمام خريطة مافي فاتان.

ينتقد غوردينيز ما يسميه النخبة الجمهورية لكونها ليبرالية بدرجة أكثر من اللازم تجاه اليونان وقبرص لأنها فشلت في الاستجابة على نحو كاف لما يسميه الأمر الواقع من ثلاثينيات القرن الماضي فصاعداً. كما يتهم وزارة الخارجية بالمرونة الشديدة في التعامل مع هذه القضية.

تتكون صيغته السحرية من إبرام الاتفاقات بالقوة والتي تتناسب تماماً مع سياسة أردوغان الخارجية القسرية. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك تنقيب تركيا عن الهيدروكربونات في المنطقة الاقتصادية الحصرية لقبرص والانتهاك شبه اليومي للمجال الجوي اليوناني والآن اتفاق ليبيا.

ليس من قبيل المبالغة أن نقول إن السياسة البحرية لتركيا تديرها الآن مجموعات غير رسمية، لكنها مؤثرة للغاية، بقيادة أمثال غوردينيز.

سيتم إجبار جيران تركيا وحلفائها في حلف الناتو، بدءاً من اليونان، على التعامل مع هذا النمط الخطير للغاية من العلاقات الخارجية في الأشهر والسنوات القادمة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/east-mediterranean/turkeys-expanding-naval-horizons
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.