آفجيلار.. بوّابة إسطنبول الغربيّة مغلقة حتّى إشعار آخر

إسطنبول - تبدو إسطنبول هذه الأيام أشبه بمدينة أشباح، توقّفت فيها دورة الحياة بشكل كبير، متأثرة بتداعيات أزمة تفشّي فيروس كورونا المستجدّ.

وعلى الرغم من أنّ إسطنبول تبدو عادة للزائر أو السائح مدينة مترامية الأطراف، شاسعة، منفتحة على أكثر من منفذ، لكن حين التعرّف إليها عن كثب، يدرك المرء أنّها أشبه بعدّة مدن في مدينة كبرى تحتويها، ويمكن توصيفها ب«مدن إسطنبول» التي تشكّل بنيانها وترسم معالم خريطتها المؤثّرة.

تضطلع مدن إسطنبول؛ التي هي أحياء – بلدات كبرى ملتصقة بها، لكنّها في العمق مدن متكاملة من مختلف النواحي، بأدوار هامّة ترسم ملامح مدينة إسطنبول وتستكمل صورتها اللافتة. من تلك الأحياء يحضر اسم آفجيلار كبوّابة غربيّة للمدينة.

آفجيلار تعني «الصيادين» باللغة التركية، وقد أخذت نسبتها واسمها من كونها منطقة صيد ساحلية، فضلاً عن جغرافيّتها الغنية بالتلال والسهول المحيطة.

تقع آفجيلار في بداية المنطقة الغربيّة من القسم الأوربيّ من إسطنبول، تطلّ على بحيرة مرمرة، تنهض على تلّ شاهق، توصل الجزء الغربيّ بالمدينة بشرقها، وتتصدّر الواجهة الساحليّة بجوار منطقة كوجوك جكمجه ذات الأهمّية الكبرى بدورها. وكانت آفجيلار طريقاً إجباريّاً في زمن الحرب للقوّات، ما كان يمنحها أهمية قصوى.

تحوي المنطقة على كثير من المعالم التاريخيّة وبخاصّة الجوامع التي تتميّز بها إسطنبول بعامّة، وتبدو مساجدها صوراً مصغّرة لمسجد السلطان أحمد، أو متحف آيا صوفيا الشهير، وحتّى تلك الجوامع التي يتمّ ترميمها أو تشييدها فإنّها تؤسّس على هندسة تحاكي العمارة العثمانيّة، من حيث القباب المتعدّدة التي تتدرّج من حيث الحجم لترسم الصورة النهائيّة للجامع المؤلّف من عدّة قباب بيضويّة ومنارات عموديّة، تشهد على عراقة المدينة وتقدّم هويّتها التاريخيّة والمعاصرة.

بالإضافة إلى عدّة جوامع، تمتاز المنطقة كمعلم سياحيّ بوجود العديد من الأماكن السياحيّة، كالساحل الذي يقصده السوّاح والزوّار ويرتاده أبناء المنطقة في مختلف الأوقات، بحيث تبقى الحركة دائبة من حوله، بالإضافة إلى المتاجر والمولات الحديثة التي تنتشر في الأرجاء.

في الساحة العامّة للمدينة، والتي تكون قريبة من السوق المركزيّ الذي يضمّ مختلف أنواع الماركات الحديثة وكثيراً من المحلّات الأثريّة، والصناعات المحلّيّة، كانت الحركة تظلّ دائبة ليل نهار. وكان الميدان الرئيسي يشهد أنشطة متنوّعة، سواء سياسيّة أو اجتماعية أو فنّيّة أو مسرحيّة.

قبل أزمة كورونا، كانت تتواجد فرق مسرحية تقدّم عروضها في الهواء الطلق، تمتّع المتفرجين من رواد الحديقة العامة والمارة، وتذكّر المرء حين مروره بها بأجواء الروايات الكلاسيكيّة، حين كان يتمّ تصوير فرق مسرحية جوّالة، ويضع مدير الفرقة قبّعة أمام المتفرجين ليضعوا فيها ما يريدون من نقود، دون أن يطلب منهم ذلك بطريقة مباشرة.

زلزال إزميت طبع في ذاكرة الأتراك
زلزال إزميت طبع في ذاكرة الأتراك

عدا العروض المسرحية كان يقدّم بين الفينة والأخرى فريق من الهواة مسرحيات للأطفال، على طريقة «الكركوز والعيواظ»، وترى حشود الأطفال تقهقه وتندمج مع العروض وتستمتع بها أيّما استمتاع. هذا عدا عن استغلال الأحزاب السياسيّة الساحة لتقديم برامجها وطروحاتها في محاولة لكسب أصوات الناخبين وتحصيل تعاطفهم مع ما ينشدونه وما يشتغلون عليه، لأنّ الساحة تعتبر ميداناً دائماً لتجمّع الناس ونقل الأخبار وتواردها.

ولم يكن الميدان المنفتح على عدّة شوارع فرعيّة وحدائق مجاورة يخلو من مغنّين وعازفين جوّالين، كنت ترى أحياناً أزواجاً من المغنّين والمغنيات يتجوّلون في أرجاء الحديقة، أو يختارون ركناً معيّناً يعزفون فيه ألحانهم ويقدّمون أغنياتهم لجمهور المارّة، يمارسون هوايتهم، فضلاً عن تحصيل ما يتيسّر لهم من نقود. كما أنّ الكثيرين من السكّان والمقيمين كانوا يجدون في التجوال والتنزّه هناك متنفّساً للترويح عن أنفسهم.

يرمز النصب التذكاريّ الموضوع في قلب السوق المركزيّ بآفجيلار، إلى ضحايا الزلزال المدمّر الذي ضرب مناطق واسعة من تركيا سنة 1999 وعرف حينها بزلزال إزميت، وراح ضحيّته الآلاف، وكانت آفجيلار إحدى المناطق المنكوبة، وقد دمّر فيها الكثير من البيوت فوق رؤوس أصحابها الذين قضوا تحت الركام والأنقاض، وجاء وضع النصب كخطوة رمزية للاحتفاء بأولئك الراحلين.

والنصب التذكاري عبارة عن يد تمتدّ من الأعلى لتنتشل يداً أخرى من تحت الركام، ويرمز بذلك إلى حالة التكافل والتضامن من قبل الناس مع بعضهم بعضاً في أوقات الأزمة، ومع ضحايا الزلزال وذويهم بشكل خاصّ، كما أنّه يحمل إيحاءات العمل الدؤوب يداً بيد لتجنيب المنطقة الكوارث المحتملة.

وكان لزلزال إزميت تأثير كبير على المدينة، إذ غيّر جانباً من التركيبة السكانية، فقبل وقوع الزلزال، كانت الغالبية العظمى من السكان من المهاجرين الأتراك من البلقان ومن موظفي الخدمة المدنية وطلبة الجامعات، لكنّ الزلزال شتّت الناس وفرّقهم، وخشي كثيرون من السكّان الأصليّين استمرار الإقامة فيها، ما دفعهم إلى الانتقال إلى مناطق تعتبر أكثر أمناً منها.

ومعلوم أنّ إسطنبول تقع على خط الزلازل نفسه الذي تقع عليه مدينة إزميت المنكوبة، وأنّها كلّها مهدّدة بخطر الزلازل دوماً، وقد وضعتها الأمم المتّحدة على لائحة المدن المهدّدة بخطر الزوال جرّاء زلازل قد تودي بها.

وطبع زلزال إزميت في ذاكرة الأتراك، ودخل تاريخهم الحديث، بعدما أصبح أحد المنعطفات التاريخية للدولة الحديثة.

أمّا من الناحية الاقتصاديّة فإنّ آفجيلار تعدّ منفذاً اقتصاديّاً هامّاً، تضمّ ميناء تجاريّاً مطلّاً على بحيرة مرمرة، تنقل منه وإليه البضائع المختلفة عبر سفن من مختلف الأحجام والأماكن. ويعتبر الميناء نقطة انطلاق بحرية تجارية من أوربا وإليها، ما يمنح المنطقة امتيازاً مضاعفاً على غيرها من المناطق، فعدا عن كونها وجهة سياحيّة، واشتمالها على معالم تاريخيّة، فإنّ لها دوراً اقتصاديّاً هامّاً في المشهد الاقتصاديّ في إسطنبول.

كما أنّ في آفجيلار الكثير من ورشات الخياطة التي تصدّر البضاعة إلى المدن الداخلية كما إلى دول العالم، وتساهم في إنعاش المدينة وتوفّر فرصاً كثيرة للعمل بالنسبة للمقيمين فيها.

بعد الحرب الأهلية في سوريا، لم تعد آفجيلار مدينة الصيادين أو موئلهم فقط، بل أصبحت تحتضن خليطاً من الشعوب والأعراق، من الترك والكرد والبلقان والجورجيّين والقوقاز والروس والبلغار واليونانيين، ومن السوريّين الهاربين من الحرب، والعراقيين أيضاً، وتراها تتبدّى كإسطنبول صغرى، من حيث اشتمالها على كلّ ما تشتمل عليه المدينة، لذلك فإنّها تحظى بشهرة كغيرها من الأماكن التاريخية والسياحية في إسطنبول.

أمّا اليوم، وفي ظلّ أزمة كورونا، فتجد آفجيلار نفسها كغيرها من الأحياء، مغلقة حتّى إشعار آخر، تعطّلت فيها الحياة بدورها، وتنتظر انفراجة، لا يلوح طيفها في الأفق قريباً، لتعود إلى دورة حياتها الطبيعية، وأنشطتها المتنوعة التي تجمّلها..

إسطنبول تترقب انجلاء أزمة كورونا
إسطنبول تترقب انجلاء أزمة كورونا