Yavuz Baydar
سبتمبر 21 2019

"أحوال تركية" منصّة مشتركة لكل الكُتّاب حتى القابعين في السجون

تركيا مطلة على أيام حرجة للغاية.. قد يطرح البعض أسئلة من قبيل: "متى لم يكن كذلك؟ أليس الشعب يُضطر منذ أمد بعيد إلى التجوّل في حقل ألغام؟ ألم يتعرض الناس لكل أنواع الظلم والاضطهاد والقسوة بحيث سئموا حتى من الحياة في ظل حالة الطوارئ وقانون الغابة المطبق في البلاد؟ بعد كل ذلك فأي أيام حرجة ينتظرنا يا ترى؟ وما شاكلها من الأسئلة التي لا تنتهي. 
لكن نحن في هذه المرة أمام نوع مختلف من العد التنازلي، ونعيش الدقائق الإضافية قبل أن نخرج من عنق زجاجة بالغ الضيق. إذا ضمَمْنا الانسداد في السياسة الخارجية والانهيار الداخلي النابع من الاضطرابات الاجتماعية الثقيلة وصراع الثقافات القاسي، وتعطل مؤسسات الدولة، وتفشّي المحسوبية، وانهيار نظام العدالة بالكلية، إلى الأزمة الاقتصادية، فإنه من المحقق أن تركيا سوف تتحوّل خلال مدة قصيرة إلى دولة غير قابلة للإدارة. لا شكّ أن الذي يعجز عن رؤية أمارات هذا المصير الذي ينتظر تركيا إما خادم أعمى لمصالح "السراي" أو غبي أحمق لا يدرك ماهية الأمور!
لقد كتبتُ من قبل أيضًا. هذه أزمة نظام متعددة الطبقات. يقول البعض انطلاقًا من رؤية سطحية دون عناءِ تفكيرٍ إن ميلاد هذه الأزمة يعود إلى عام 2017 حيث جرى الاستفتاء العام على تشريع النظام الرئاسي في البلاد. غير أن هذا التشخيص ليس صائبًا، ذلك لأن تركيا كانت حتى عام 2017 رهين نظام دستوري فاسد متخلّف مبتذل لا يستجيب لمطالب وطموحات المجتمع. أما حزب العدالة والتنمية فضيّع فرصة كبيرة لإصلاح هذا النظام بعدما علّقت فئات الشعب آمالاً كبيرة عليه، لتصبح المشاكل أعْقدَ وأسوأ ألف مرة من السابق، بسبب إجراءات أردوغان التي يشكّل كلٌّ منها نموذجًا على الجهل والاستبداد والبلطجة.   
ومن الواضح أن اعتراضات المواطنين العفوية التلقائية التي نشهدها اليوم مؤشرات على ظهور المشكلات العميقة التي لم يتمّ حلها إلى السطح والعلن. فالموطنون المحتجّون يؤكدون أن هذا النظام زادهم مرضًا، ويقولون "أبدي ردة فعل؛ لأن مشكلتي كبيرة تفوق قدراتي، كما أنها مشكلة العامة وليست خاصة بي."
هذا النظام الجديد المؤسس على مخلفات النظام المستبد القديم، والذي ورث عقليته، لا يجد أي مخرج من مآزقه إلا من خلال ضرب ضحايا بضحايا آخرين والإيقاع بينهم، وتعميق الانقسام والاستقطاب بين فئات المجتمع لصنع مشاكل تملأ فراغات خطاب البقاء أو الزوال.
لماذا؟ لأنه جاهل مقطوع الصلة بالعالم، مصاب بعلة القومية، وفوق ذلك يفتقر إلى الحنكة والفطنة الضرورية لتسوية المشاكل. واستغلاله مطالبات الأمهات بإعادة أبنائهنّ المجندين من قبل حزب العمال الكردستاني، وتحويله الاعتصام بهذا الغرض أمام مقر حزب الشعوب الديمقراطي الكردي إلى حملة معارضة لمطالب الأكراد المشروعة، ليس إلا مظاهر ونماذج جديدة لهذه العقلية القديمة.
غير أن هناك نقطةً تغيب عن بال شركاء التحالف القومي الدولتي المتمحور حول أردوغان الذي يسيطر حاليا على النظام في تركيا، ألا وهي: باستثناء الفئة السنية المتدينة المتشددة الداعمة لحزب العدالة والتنمية، لم تبق هناك أي مجموعة اجتماعية إلا ودمرت سعادتها، وتفاقمت مشاكلها، وتعرضت بسبب هذا أو ذاك للظلم والجور، بدءاً من أحداث "غيزي" في إسطنبول عام 2013. 
ولا شكّ أن مبادرة جمال يلدريم، أحد ضحايا حالة الطوارئ، إلى تنظيم اعتصام أمام مقر الحزب الحاكم في العاصمة أنقرة، بالتزامن مع ذلك الاعتصام الذي نظمته أمام مقر الحزب في إسطنبول عائلات الطلبة العسكريين الذين قدمتهم السلطة قرابين لمحاولة الانقلاب الغاشمة في 2016 دون أن تأخذها أي رأفة ورحمة، ومن ثم قيام قوات الأمن بفضّ الاعتصامين، من المؤشرات التي تدل على أن كلاً من الاعتراضات الاجتماعية الموجهة للنظام، وعمليات القمع والكبت المضادة ستشهد زيادة في الفترة القادمة.
من الواضح أنه لن يكون بمقدور حزب العدالة والتنمية ولا شريكه حزب الحركة القومية وقف هذه الانتقادات والاعتراضات الاجتماعية العفوية الصادرة من هذه القطاعات المختلفة التي تبدو في الوقت الحالي أنها منقطعة بعضها عن بعض.
من الممكن أن تنجح السلطة اليوم في قمع احتجاجات معينة، لكن ستندلع غدًا احتجاجت أخرى في مكان آخر. قد لا يتسع حجمها ونطاقها فورًا، لكنها لن تتبخر ولن تغيب، وإنما الشعب سيقوم بإلقاء هذا النظام المستبد على القمامة في أول انتخابات في أحسن الحالات، إن لم يتم الإطاحة به من قبل أصلاً.
لكن هذا سيناريو متفائل. هناك اضطرابات خطيرة في أنقرة. وذلك لأن الرئيس أردوغان وشركائه في الحكم قد أحرقوا الجسور الكفيلة بإسقاطهم من السلطة عبر الطرق والقواعد الديمقراطية. لا تملك الزمرة الحاكمة استراتيجية خروج. حيث إن الجرائم الدستورية والانتهاكات القانونية المرتكبة وصلت إلى مستويات فظيعة، وأصبح أفراد المجتمع مضطربين ويعانون من انقسام حاد للغاية. والأسوأ من ذلك أن سياسات أردوغان القائمة على الأخطاء المتسلسلة صنعت تراكمًا هائلاً من الغضب لدى العديد من الشرائح الاجتماعية. ومن غير المعروف الطريق الناجع في "إدارة" هذا الغضب في حالة حدوث تغيير سياسي أو اجتماعي.
القلق المتزايد لدى الفئات الاجتماعية في هذه المرحلة، التي لا يعرف أحد متى ستنتهي، عميق للغاية بما يكفي أن يقضّ مضجع كل ذي عقل سليم. لا يستطيع أحد التنبؤ بماذا يحدث عندما تتحول أزمة النظام إلى إعصار.. لذا يُجري الجميع حساباتهم وفقًا لأسوأ الحالات.
يبدو أن هذه الصورة الرهيبة للأزمة التي تزداد وضوحًا كلما مضى الوقت قد أقنعت الشخصيات السياسية التي تنشقّ عن الحزب الحاكم لأسباب مبررة -وإن تأخرت- وتحاول فتح قناة ديمقراطية جديدة، وكذلك مجموعة من حزب الشعب الجمهوري تسعى إلى إعداد الأرضية اللازمة للانتقال من كابوس السراي الراهن إلى الحالة الطبيعية لدى القواعد العلمانية والعلوية والكردية، بحتمية وضرورة الحوار الاجتماعي التعددي.
في هذا السياق، ينبغي على كل فرد أو مجموعة اجتماعية، بغض النظر عن هويتها، تضررت من هيمنة هذا النظام الاستبدادي، أن تبدأ في التحدث مع بعضها البعض من أجل تجنب الانخراط في استبداد جديد.
وباعتبار أنّ وسائل الإعلام التي تبنّت شعار الديمقراطية وسيادة القانون ولم تتنازل عن النقد البناء، فإنّه تقع على عاتقها مهمة ثقيلة في هذه الفترة الحرجة.
سوف تنهار قريباً "وسائل الإعلام" التي تتغذّى على نِعَم السلطة مثل الهيكل الفاسد من الداخل. وذلك لأن أيًّا منها لم تكن مخلصة للمهمة الإعلامية أو العمل الصحفي، بل رأت نفسها مبشرةً لأيديولوجية معينة وخادماً للرجل الأوحد.
من المؤكد أننا سنشهد في غضون فترة وجيزة غرق عديد من السفن، لكن هذا قد لا يعني جمع "وسائل الإعلام البديلة" شملها وقوّتها على الفور. لا ضير. ما نحتاج إلى فعله الآن هو أن نكون منصة عامة مفتوحة لجميع الضحايا، بغض النظر عن هوياتهم وانتماءاتهم، ونقومَ بإيصال صوت الصامتين إلى القاصي والداني دون التفريق بينهم.
ونحن باعتبارنا "أحوال تركية" أطلقنا مشوارنا قبل نحو عامين بهذه الرؤية والرسالة وبهدف أن نصبح "منصة تعددية". وقد أكدت التطورات توقعاتنا السابقة، حيث لم يبق هناك أي شريحة إلا وسحقتها جرافة النظام وحطّمت أحلامها المستقبلية منذ احتجاجات "غيزي" في إسطنبول بصفة عامة، وفي آخر ثلاث سنوات بصفة خاصة.
لا يمكن أن يتحقق الحلم بنظام جديد للمجتمع إلا من خلال التقاء الآراء القائمة على حسن النية والإيثار والتسامح والإيمان بفضيلة تعدّد الأصوات على صعيد واحد.  
ولهذا السبب فإن الضحايا والصامتين والمضطهدين والمنكوبين والذين يريدون تجديد أملهم يجدون في "أحوال تركية" قناة وواحة يتنفسون من خلالها، ويرون فيها صوتًا يعبّر عن توقعاتهم ومخاوفهم. 
ولهذا السبب أيضًا فإن رؤساء البلديات الأكراد المعزولين من مناصبهم، بينهم سلجوق مزراقلي وأحمد ترك، يكتبون لموقع أحوال تركية، ويوصلون أصواتهم إلى العالم باللغتين الإنجليزية والعربية، إلى جانب التركية. 
وللسبب عينه نفتح صفحاتنا لزملائنا القابعين في السجون من أمثال ممتازر توركونه وإرين كيسكين وعثمان كافالا وأحمد ألتان، بغضّ النظر عن انتماءاتهم العرقية والفكرية والمذهبية، طالما أنهم يلتقون حول مبادئ الحرية والعدالة والقانون والديمقراطية البرلمانية. لأن شعارنا يتمثل في مقولة: شمس الحقيقة تظهر من خلال تلاقي الأفكار وتصادمها!
وكذلك للسبب نفسه فإننا ننشر أخبار زملائنا في صفحات "أحوال تركية"، بغض النظر عن نزعاتهم السياسية، في محاولة للعثور على الحقيقة، دون إعطاء أي حصة للتمييز الأيديولوجي، الأمر الذي يسمح لكم برؤية ألف وجه من وجوه الحقيقة وتشكيل رأيكم الخاص بكامل الحرية.
بالطبع لدينا استثناءات؛ فالعنصرية، والقومية السلبية، والعسكرة، والترحيب بالانقلاب، والتحيز الجنسي، والعبودية للنظام الفاشي الاستبدادي، والإسلام السياسي الاستبدادي، والجهادية.. وغيرها من السلبيات لا يمكنها أن تجد مكانة لها في صفحاتنا.
وكما سيقرّ المتابعون، فإن أحوال تركية منصة ديمقراطية في هذه الفترة الحرجة تحتضن كل رأي يبحث عن مخرج ناعم وآمن للمأزق الذي تمرّ به تركيا.. وسيبقى هكذا دائمًا.

 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
 

https://ahvalnews.com/tr/turkiye/krize-ortak-cikis-yolu-bulmak-icin-her-magdur-kesim-ahvalde-bulusuyor
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.