مايو 26 2019

أحوال تركية تسأل سكان إسطنبول: من سرق أصوات الناخبين

تعتبر منطقة "محمود باشا" التجارية واحدة من أكثر النقاط ازدحاماً في مدينة إسطنبول التركية. فالمنطقة التي تعتبر مركز تسوق لا غنى عنه بالنسبة للمُعدمين ومتوسطي الدخل، لا زالت تحافظ على وجودها كمركز تجاري، بل وكقلب يبنض بالحياة، رغم تقدم العصر، وانتشار مراكز التسوق الكبيرة في كافة الأرجاء. وفي هذا المنطقة نكاد نلحظ أن السياسة تتم متابعتها عن كثب شأنها في ذلك شأن الاقتصاد. وذلك لأن أي اضطراب أو ترنح في السياسة ينعكس حتمًا على المشتغلين بالتجارة في تلك المنطقة، أي أن أي وضع جديد في السياسة يعني إما دخول نقود لخزائنهم أو خروجها منها.

ومن الأحداث السياسية الهامة التي تشهدها تركيا خلال الشهرين الأخيرين، الانتخابات المحلية التي جرت يوم 31 مارس الماضي، والتي شهدت مماطلة من حزب العدالة والتنمية، رفضًا لهزيمته في مدينة إسطنبول تحديدًا، ومن ثم خاض سلسلة من الطعون أفضت إلى إرغام اللجنة العليا للانتخابات على إعادة الاقتراع الشهر المقبل على منصب رئيس بلدية المدينة الكبرى.

ولما سألوا بن علي يلدريم، مرشح العدالة والتنمية الذي خسر رئاسة بلدية إسطنبول في الانتخابات الأخيرة، عن المبرر الذي بموجبه تم اتخاذ قرار إعادة الاقتراع على منصب رئيس البلدية، رد قائلًا "الأمر بسيط للغاية، لأنهم (في إشارة للمعارضة) سرقوا أصوات الناخبين".

لكن المثير في الأمر هو أن مسألة سرقة الأصوات التي زعمها يلدريم، لم تكن ضمن المبررات التي ساقتها اللجنة العليا للانتخابات في تقريرها المسبب الذي كشفت فيه الدواعي التي دفعتها لإلغاء نتائج إسطنبول، وإعادتها مرة ثانية يوم 23 يونيو القادم. فاللجنة ذكرت في التقرير أن انتخابات إسطنبول ستتم إعادتها "لأنه كانت هناك مخالفات في تعيين رؤساء وأعضاء لجان صناديق الاقتراع".

الأمر لم يقتصر على مجرد قول يلدريم "لأنهم سرقوا أصوات الناخبين"، بل إن الحزب الحاكم تمادي في الأمر، وعكفت وسائل الإعلام المقربة منه على العمل ليل نهار لترويج زعم يلدريم ودعمه لينتشر في كافة الأنحاء.

حسنًا، ماذا يعتقد سكان إسطنبول بخصوص مسألة سرقة الأصوات هذه، وهو يستعد للتوجه إلى صناديق الاقتراع مرة ثانية بعد 37 يومًا؛ للمشاركة بجولة الإعادة. ولمعرفة الإجابة على هذا السؤال تجولنا في منطقتي محمود باشا، وتاهته قاله، والمناطق القريبة من السوق المصري بمدينة إسطنبول. ووجهنا للضيوف الكرام سؤالًا مفاده: مَن سرق أصوات الناخبين في إسطنبول؟

وأول ضيف سجلنا معها كان أحد الزبائن المتجولين بمنطقة محمود باشا، واسمه أحمد ساق، وكان محتدًا للغاية وهو يرد على السؤال، وفي إشارة لأردوغان أجاب قائلا "فلينظر إلى ابنه (يقصد بلال نجل أردوغان)". ثم سرعان ما انصرف مبديًا عدم رغبته في الحديث أكثر من ذلك.

أما ماجد سَتْشكِينجي، القادم من ولاية باتمان إلى إسطنبول، ليبيع الملابس الداخلية، فرد على السؤال قائلا "من يعني سيسرقها، بن علي يلدريم هو من سرقها، فالسرقة وكل شيء هم (في إشارة للنظام الحاكم) مشهورون بها". وحول مزاعم يلدريم آنفة الذكر رد المواطن التركي قائلا "هذا كذب، إنه يكذب"، وأضاف "وحتمًا سيفوز أكرم إمام أوغلو مرشح الشعب الجمهوري بجولة الإعادة"

مواطن آخر متقاعد، يدعى مؤمن يلدريم، أجاب قائلا "لو سرقت فعلًا الأصوا، فحزب العدالة والتنمية هو من فعلها، إذ من بمقدوره غيره أن يسرقها؟! وهل حزب الشعب الجمهوري يمكنه سرق الأصوات في ظل وجود تكنولوجيا تتحكم في كل شيء. لكن هذا النظام يماطل، ويخترع الحجج والبراهين، ولو كان هو الذي فاز بفارق كبير من الأصوات، لأعلنوا أنفسهم منتصرين منذ الدقيقة الأولى".

هل الشعب الجمهوري يمكنه سرق الأصوات في ظل وجود تكنولوجيا تتحكم في كل شيء؟
هل الشعب الجمهوري يمكنه سرق الأصوات في ظل وجود تكنولوجيا تتحكم في كل شيء؟

أما عبد القادر درهجي (78 عامًا)، قال لنا إنه ينتمي لحزب الحركة القومية، وبدأ كلامه مشيدًا ببن علي يلدريم، وبأنه كان يبهره بأعماله في السابق، وأضاف قائلا:

"كنت أعتقد أن بن علي يلدريم مخلص صادق، لكن بعد تصريحاته التي يتهم فيها المعارضة بسرقة أصوات الناخبين، سأصوت لصالح أكرم إمام أوغلو يوم 23 يونيو، رغم أني منتمٍ للحركة القومية المتحالف مع العدالة والتنمية. وفي الانتخابات الماضية كنت قد صوتُ ليلدريم".

وأعرب درهجي عن ندمه على التصويت لصالح يلدريم في الانتخابات الماضية، مضيفًا لكن في جولة الإعادة سأصوت أنا وعائلتي وعدد أصواتها 55 صوتًا لصالح إمام أوغلو.

وتابع قائلا "تركيا خلال السنوات الأخيرة لم ترَ رجلًا صادقًا ومخلصًا كإمام أوغلو، فهو رئيس البلاد القادم. لقد وهب الله تعالى زعيمًا لهذه البلاد، كما وهبها من قبل مصطفى كمال أتاتورك، أسأل الله أن يطيل بعمري لأرى ذلك اليوم".

وأثناء تجولنا قابلنا المواطنين ولي شكر، وموسى أيدوغدو، وهما يطوفان بالأرجاء محملقين في واجهات عرض المحلات، ويحملان قارورات مياه، وردًا على سؤالنا قالا لنا: "من يمكنه سرقة الأصوات، هو من يمتلك القوة بيده(في إشارة لنظام أردوغان). فهم لما خسروا انقلبوا على الصناديق وزعموا سرقة الأصوات، وهذا كله كذب".

المواطن سرقان آقصو، رد علينا قائلا "أعتقد أنه لم تسرق أية أصوات"، مضيفًا "فهذا امر غير ممكن مطلقًا، والفائز بالانتخابات معروف، ولدي يقين بأن الحق سيعود لمجراه مجددًا في الانتخابات المقبلة".

أما صديقه ذكي أرتورك، فبدأ كلامه معنا وهو يقول "كل ما يحدث ويدور في إسطنبول معروف للجميع، فهم (النظام) يقولون إن أصوات الناخبين سرقت، وهذا يعني أنهم كانوا يسرقون منذ 17 عامًا وهي المدة التي يحكمون فيه البلاد. لكن أرى أن الانتخابات المحلية الأخيرة جرت بكل شفافية، وإن شاء الله يفوز إمام أوغلو بجولة الإعادة، ويجلس ثانية على مقعد رئيس بلدية إسطنبول".

أما الحرفي حامد كارت أوغلو، الذي يشتغل في مهنة الأحذية، فأدلى بدلوه قائلًا "واقعة السرقة هذه باتت وكأنها موضة في تركيا. لكن هل وقعت سرقة بالفعل أم لا فهذا ما ستسفر عنه انتخابات الإعادة في يونيو المقبل. ولا يمكنني أن أتهم أحدًا دون آخر بسرقة الأصوات؛ حتى لا أرتكب ذنبًا لا سيما أننا في يوم من أيام شهر رمضان المبارك. لكن إذا أردنا أن نقول صدقًا، فإن حزب الشعب الجمهوري هو الفائز بالانتخابات المحلية الأخيرة".

التقينا كذلك علي غولتيكَن، الذي يبيع إكسسوارات أفراح، وقال لنا ردًا على سؤالنا: "على عكس ما يقوله النظام الحاكم، المعارضة حالت هذه المرة دون سرقة أصوات الناخبين، لذلك جاءت النتيجة بهزيمة أردوغان ورجاله الذين لا يحق لهم أن يتحدثوا عن السرقة؛ لأنهم مغتصبون للحقوق، ولا سيما سيطرتهم عنوة على رئاسة بلدية إسطنبول، وهي لا تحق لهم. وشاركتهم في هذه الجريمة اللجنة العليا للانتخابات التي أصدرت قرارًا غير قانوني بإعادة الانتخابات، وهذا امتهان للقانون".

ولفت أن النظام الحاكم بتركيا يسعى خلال هذه الأيام للترويج لمزاعم تصب في صالحه من قبيل "هؤلاء (النظام) يفعل ما يريد، وسيفوز بالانتخابات"، مناشدًا سكان إسطنبول "لا تصدقوا مثل هذه الأكاذيب، انزلوا جميعًا وانتخبوا إمام أوغلو، ليكون فارق الأصوات 120 أو 130 ألف صوت على أقل تقدير".

أثناء تجولنا التقينا كذلك صدّيق قاراتاي، وهو يتسوق مع زوجته، وبدأ حديثه معنا قائلًا "من يقولون إن أصوات الناخبين سرقت، عليهم أن يطرحوا هذا السؤال على ضمائرهم أولا. فالفائز في الانتخابات الأخيرة كان معروفًا، وكذلك من سرق نتئاج الانتخابات معروف أيضًا.

واستطرد قائلا "أيعقل أن تتطور الأوضاع في تركيا إلى هذا الحد، لقد دأب النظام الحاكم على لصق تهم الإرهاب للشعب بأكمله، إذ بتنا مصنفين إما منتمين لتنظيم فتح الله غولن، أو إلى منظمة (بي كا كا - في إشارة لحزب العمال الكردستاني)، فهل هناك انحطاط أكثر من ذلك؟ وهل يعقل أن يصف نظام في أي دولة شعبه بمثل هذه الصفات؟ لا سيما أنهم أعروضوا عن الشعب، وتوجهوا إلى الأغنياء وعلية القوم، ويستنزفون مقدرات وخيرات هذا الوطن. ولقد دأبوا على تفاخرهم بتشييد المطارات، وتعبيد الطرق، ونسوا أو تناسوا أننا نعيش بالقرن الحادي والعشرين وأن أشياءً كهذه يجب أن تُفعل. فهل هذه أشياء تقال أو يتم التفاخر بها؟ وهل بمثل هذه الأشياء يتم استجداء الشعب من أجل التصويت له؟ أليس هذا عيبًا؟ لكن إذا نظرنا إلى حقيقة الأمور لاتضح لنا أنكم قضيتم على ميراث 100 عام كانت تتمتع به البلاد".

الفائز بالانتخابات معروف
الفائز بالانتخابات معروف

من جانبه قال المواطن، قوطلو قره تاخته جي، ردًا على السؤال ذاته "أنا أيضًا أسألكم من الذي سرقها.؟. وأضاف ساخرًا مما تشهده تركيا بسبب الانتخابات "إذا كان رب البيت بالدف ضارب، فشيمة أهل البيت الرقص. وكمثال آخر أقول لكم أنه إذا كان هناك حارس في قرية، فإن اللص لا يمكنه أن يلج القرية طالما لم يفتح له الحارس طريقًا. واليوم عندما ننظر للدولة وأحوالها نجد أن لدى النظام كل شيء قوة الشرطة، وقوة المال، والقوة العسكرية".

وشدد المتحدث على أن مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو هو الفائز بجدارة بانتخابات إسطنبول الأخيرة، مشيرًا إلى أن "مستشاري الرئيس أردوغان قاموا بتوجيهه بشكل خاطئ، وهم يفعلون ما يفعلونه من أجل الحفاظ على مصالحهم هم، والأمر لا علاقة له بالدولة. وكنت كمواطن أنتظر من الرئيس أن يخرج علينا ويقول: لقد فاز من فاز، وخسر من خسر، فيعكف كل على عمله. لكن لم يحدث".

قره تاخته جي، لفت إلى أن العدالة والتنمية يرى أنه من الطبيعي أن تدار حملته الانتخابية بإمكانيات ومقدرات الدولة، مضيفًا "تستنفذ أموال الدولة، وتنفقها من أجل الحفاظ على مصالحك كنظام".

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/secimler/istanbullulara-sorduk-oylari-kim-caldi &nbsp