أجندة إيجابية مع تركيا: بأي ثمن؟

تدعي تركيا أنها تقدم "أجندة إيجابية" للعمل مع أوروبا، لكن القبول الأعمى لما تقدمه من إيجابية وهمية، يمكن أن يشكل تخليًا عن القيم والمصالح الأوروبية.

ويأتي عام 2023 ليكون التتويج المزدوج في الحياة السياسية للرئيس التركي: حيث تنعقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي لا يستطيع أن يخسرها واحتفالات الذكرى المئوية للجمهورية التي لايمكن أن يفوتها.

وفي هذه المرحلة، فإن هذا المسار تعيقه أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة. بدأ تحالف 2018 بين حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس (حزب العدالة والتنمية، الذي تولى السلطة منذ نوفمبر 2002) وحزب الحركة القومية اليميني المتطرف. وبالإضافة إلى ذلك، لم يعد النموذج الرئاسي شديد المركزية الذي تم تبنيه منذ عام 2017 مقبولاً من قبل غالبية المواطنين، كما تظهر الانتخابات البلدية لعام 2019 والاستطلاعات الأخيرة.

وبدافع الانزعاج، تشدد القيادة التركية موقفها يومًا بعد يوم، من خلال تنفيذ إجراءات تطهير، ومضايقة أحزاب المعارضة، وسيطرة على الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي، وقمع للمجتمع المدني، تسييس القضاء، حتى أن البعض يتصور أنه يمكن حظر حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد.

وعلى الصعيد الخارجي، نشرت تركيا سياسة خارجية عسكرية في السنوات القليلة الماضية، في سوريا والعراق وليبيا وأذربيجان وشرق البحر المتوسط. هذه هي "تركيا الجديدة" القائمة على استعراض للقوة، والرغبة بنفس الوقت في حل المشاكل طويلة الأمد مثل القضاء على القواعد الخلفية لحزب العمال الكردستاني المتمردين الأكراد، وكذلك تقسيم جزيرة قبرص بشكل رسمي، وتغيير الحدود البحرية مع اليونان.

وبالتواوزي مع هذه الأحدث، أصبح برنامج التصنيع العسكري الواسع الذي تم إطلاقه في عام 2000 حقيقة واقعة، وهو يعمل الآن على تغيير الموقف العسكري للبلاد، التي تشهد الآن إنشاء معدات عسكرية، مثل الطائرات ذاتية القيادة، وصواريخ بحر-بحر، وحاملات طائرات هليكوبتر، وفرقاطات، وغواصات. والأهم من ذلك، أن تركيا قد نشرت أنظمة الدفاع الصاروخي الروسية إس 400، الذي يُعرف بأنه غير متوافق تمامًا مع الهيكل الدفاعي لحلف الناتو، وبالتالي ضرب الحلف بضربة كبيرة وإثارة الشك حول موقف أنقرة في حالة التوترات بين موسكو والغرب.

اهتزت القيادة التركية بفوز جو بايدن، وعكست فجأة روايتها السياسية منذ نوفمبر 2020. وبغض النظر عن دعوة الناخبين الفرنسيين إلى "التخلص في أقرب وقت ممكن" من رئيسهم، وتسمية السياسيين الألمان بالنازيين، إلا أن الرواية التركية عكست مسارها وأعلنت عن سلسلة من الإصلاحات العميقة، ورؤية إستراتيجية موالية لأوروبا، وجهود مضنية للحصول على علاقة شخصية مستمرة مع الرئيس الأميركي الجديد.

هذه الرواية المعكوسة ليست فقط لا تمتلك مصداقية كبيرة، ولكنها أقرب إلى الخداع السياسي. إن أي إصلاح سياسي وقضائي سيتعارض مع طبيعة النظام الاستبدادي الذي نما ببطء منذ عام 2017 ويتم تعزيزه بشكل يومي. من في الغرب يمكن أن يصدق هذه الرواية؟

علاوة على ذلك، فإن وجود أجندة إيجابية مع أوروبا من شأنه أن يستبعد حقوق الإنسان وسيادة القانون، كما هو مذكور صراحة في بيان وزارة الخارجية الصادر في 4 فبراير. كما تقول أنقرة إن أنظمة إس 400 ستظل كما هي. ومن هنا يتضح أن هناك العديد من الطرق المسدودة.

وينبغي كذلك على أوروبا أن تأخذ في الحسبان كبر حجم الدولة التركية وقوة اقتصادها وجيشها، وأن العديد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لديها مصالح اقتصادية ومالية هناك.

لكن يجب على أوروبا أيضًا أن تأخذ في الاعتبار عامل تغيير أساسي في اللعبة: فاليوم، لم تعد تركيا، كما شكلها التعديل الدستوري لعام 2017 وتحالف حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، جزءًا من "الفريق الغربي"، سواء من خلال انتهاكاتها لحقوق الإنسان أو من خلال خياراتها العسكرية.

لن تعمل "الأجندة الإيجابية" على عكس هذه الاختيارات التي هي في الأساس اختيارات القادة وحتى الآن من الناخبين. يجب ألا يتحلى الاتحاد الأوروبي بهذه السذاجة حتى عام 2023، ويجب أن يدعو إلى إعادة التفكير بشكل كامل في علاقة الاتحاد الأوروبي مع أنقرة، لأنه لا توجد فرصة لتهدئة العلاقات بشكل دائم مع القيادة الحالية.

وحتى اجتماع المجلس الأوروبي يومي 25 و 26 مارس، ستعمل أنقرة على خمسة جوانب رئيسية: إحضار أورسولا فون دير لاين وتشارلز ميشيل لزيارة تركيا؛ والحصول على حزمة مساعدات ضخمة للاجئين السوريين على أراضيها؛ وإيجاد الدعم لمحادثاتها مع اليونان بشأن الحدود البحرية؛ وتجنب العقوبات والضغط على سيادة القانون؛ ودعوة الرئيس التركي إلى اجتماع المجلس الأوروبي.

وتعد بعض من هذه المطالب مشروعة، ويجب أن تؤدي إلى عقد اتفاقيات خاصة في أقرب وقت ممكن: الحدود البحرية واللاجئين السوريين في تركيا والاتحاد الجمركي.

لكن بعض المطالب الأخرى ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالضغط على البقاء السياسي لهذا النظام المستبد، بينما يحاول الاتحاد الأوروبي تهدئته من خلال الصمت وعقد القمم. وبعبارة أخرى، تصدق أوروبا على نموذج تركيا الاستبدادي وتبقى صامتة بشأن هجماتها المتعددة ضد المصالح الأوروبية.

هل ينبغي تجاهل التوسع التركي في البحر الأبيض المتوسط ​​وشمال إفريقيا عمداً؟ هل ينبغي التخلي عن الحلول المتعددة الأطراف للصراعات في قبرص وليبيا وسوريا؟ هل ينبغي قبول رفض تركيا لأحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في القضايا البارزة مثل قضية احتجاز صلاح الدين دميرطاش وعثمان كافالا وغيرهما، على الرغم من كونها ملزمة قانونًا لتركيا؟ هل ينبغي أن يستمر دعم حكومات الاتحاد الأوروبي للحشد العسكري التركي في غياب أي رؤية لاستخدامه في المستقبل؟ وأخيرًا، هل يجب على الاتحاد الأوروبي التخلي عن قيمه ومصالحه؟

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-eu/positive-agenda-turkey-what-price
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.