أخطاء سياسة تركيا الخارجية مع مصر

تواصل تركيا التقلب في السياسة الداخلية والخارجية تحت قيادة الرئيس رجب طيب أردوغان. فلطالما كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي العدو الأكبر لأردوغان، وأصبح فجأة محبوب الرئيس التركي. ويعلن وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو ووزير الدفاع خلوصي أكار عن تجديد العلاقات الدبلوماسية مع مصر بشكل شبه يومي.

تبدو أنقرة على ركبة واحدة وهي تتوسل للقاهرة، لكن رد مصر ظل رسميا. فبعد تصريحات دافئة من تركيا على المستوى الرئاسي، ردت مصر بطريقة أكثر تحفظا على مستوى وزارة الخارجية. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية المصرية الأسبوع الماضي إن "الارتقاء بمستوى العلاقة بين البلدين يتطلب مراعاة الأطر القانونية والدبلوماسية التي تحكم العلاقات بين الدول على أساس احترام مبدأ السيادة ومقتضيات الأمن القومي العربي، ومصر تتوقع من أي دولة تتطلع إلى إقامة علاقات طبيعية معها أن تلتزم بقواعد القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار وأن تكف عن محاولات التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة". ودعا البيان نفسه تركيا إلى الامتناع عن التدخل في الشؤون مصر الداخلية، واحترام علاقات الجوار، وإلى خروج تركيا من ليبيا حيث يوجد الطرفان على طرفي نقيض، مع ضمان التمييز بين نظام أردوغان والشعب التركي.

ما الذي عزل تركيا في شرق البحر المتوسط ​​وبحر إيجة وجمع مصر وإسرائيل وقبرص واليونان في جبهة موحدة؟ يكمن ذلك في تقليص أردوغان للسياسة الخارجية إلى المستوى العسكري والسعي إلى نهج قائم على مطالبات القوة والحقوق بدلا من الجلوس على طاولة المفاوضات. وقد أدى ذلك إلى وقوف جميع الدول والمؤسسات الدولية في مواجهة أنقرة في خطوة تجاوزت دول المنطقة. ولكن أردوغان اضطر إلى سحب سفن المسح السيزمي التي نشرها في المياه المتنازع عليها في شرق البحر المتوسط، مؤجلا الوعد ببشرى الموارد الهيدروكربونية إلى وقت آخر. ويسعى اليوم لاستعادة الورقة الرابحة التي خسرتها تركيا مع اليونان من خلال اللجوء إلى إسرائيل ومصر بعد إطلاق سلسلة من الإهانات للزعماء وقطع العلاقات الدبلوماسية مع البلدين. وينبع ازدراؤه لمصر من كراهية السيسي لمحمد مرسي، الزميل الإيديولوجي لأردوغان، ووقوف السيسي الفعلي في وجه أحلام أردوغان العثمانية الجديدة من خلال العقبة التي وضعها أمام إمبراطورية الإخوان التي كان يأمل في إقامتها في مصر وفلسطين وسوريا.

لنتذكر نوعية الكلمات التي وجهها أردوغان ذات مرة للسيسي، والتي يبدو وكأنه نسيها.

ونقلت صحيفة حرييت عن أردوغان قوله قبل رحلة إلى المملكة العربية السعودية في 2015، عندما سأله صحفي في إسطنبول عما إذا كان جدول أعماله سيسمح بلقاء الرئيس المصري. "هل تمزح؟ ... لا يوجد شيء من هذا القبيل على جدول أعمالنا. ولكي يحدث مثل هذا الشيء، يجب اتخاذ خطوات إيجابية جادة أولا".

في 2019، رفض أردوغان حضور اجتماع مع الرئيس المصري على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. ولم يرد لقاءه في تجمع العشاء، حيث كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب حاضرا. فعندما رأى السيسي على الطاولة، رحل تاركا المقعد المخصص له شاغرا.

في مارس الماضي، خلال حفل توزيع جوائز دولية في تركيا، للأتراك والأجانب لأعمالهم الطيبة وإلهام الناس على مستوى العالم، قال أردوغان إن هناك قادة عالميين يتطلعون للمساعدة في دفن الأحقاد بينه وبين السيسي.

ونقل هابر تورك عن أردوغان قوله: "لن أجلس على طاولة واحدة أو أواجه شخصا مناهضا للديمقراطية، أطاح بمرسي، الذي يحظى بدعم 52 في المئة من السكان، وأصدقائه".

في يونيو 2019، قرر أردوغان تسمية السيسي بالطاغية.

نقلت قناة تي آر تي عن أردوغان قوله إن السيسي طاغية وليس ديمقراطيا. وإنه ليس شخصا تولى منصبه نتيجة لعملية ديمقراطية حقيقية. وانتقد رفض الحكومة المصرية تسليم جثة مرسي لعائلته. وتابع أردوغان قائلا إنه لن يسمح بنسيان موت مرسي، ولن يسمح بمحو مقتل الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي في 2018 من الأذهان.

والآن، يتصرف أردوغان وكأن شيئا من هذا لم يحدث أبدا. ويبدو الأمر كما لو أنه لم يوجه الشتائم بل كما لو كان هناك خلاف صغير يمكن إصلاحه لتعود الأمور إلى طبيعتها لمجرد أنه يرغب في أن يكون الأمر كذلك. ويبدو الأمر كما لو أن السيسي سينسى هذه الكلمات وكل السياسات، ويطرح جانبا التوازن الدقيق للتحالف الذي شكله في شرق البحر المتوسط ​، بدءا من اليونان.

بالطبع، يمكن أن تجلس البلدان المتنازعة إلى طاولة المفاوضات وتجري محادثات وتتصالح. لكن، لكل حرب رابح وخاسر. وقد خسرت تركيا الصراع على السلطة الذي دخلته مع دول، تشمل مصر، في شرق البحر المتوسط، وتلوّح بعلم أبيض بتجاهل ما قيل ضد السيسي.

لا يختلف أسلوب تركيا الإداري الحالي عن أسلوب ألمانيا  التي بدأت الحرب العالمية الثانية. وتدرك جميع الدول، بدءا من مصر، أن أردوغان يتطلع إلى الاحتفاظ بالسلطة وينتظر حدوث تغيير في التوازنات الدولية وأنه لا يسعى إلى علاقة قائمة على المفاوضات.

وتكمن المشكلة في أن محاوري أنقرة شخّصوا المشكلة مع تركيا ويتخذون الخطوات وفقا لذلك. لكن تركيا دولة يجب أن الإبقاء على مسافة معها لأنها قد تتحذ عند المواجهة منعطفا كاملا دون أي وعد بأنها لن تكرر ذلك في المستقبل. هذا هو الوضع الذي وصلته جمهورية عمرها 100 سنة في الوقت الحالي فيما يتعلق بسياستها الخارجية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/egypt-turkey/turkeys-error-ridden-personalised-foreign-policy-egypt