أكراد تركيا: المعركة مستمرة ولا نخشى الموت أو السجن

كانت الانتخابات البلدية في 31 مارس 2019 بالغة الأهمية في السياسة الوطنية وفي الصراع السياسي الذي يخوضه الشعب الكردي في البلاد. وقد اكتسبت أهمية خاصة في إطار اتخاذ موقف ضد الاعتداء على حقوق الناس في جنوب شرقي تركيا، حيث يتركز السكان الأكراد.

وقبل الانتخابات، كان هناك رؤساء بلديات منتخبين، وكان لهم زملاء يقبعون في السجن، وكان هناك مسؤولون عينتهم الحكومة لإدارة المناطق بدلاً من رؤساء البلديات المنتخبين. وقال الشعب الكردي كلمته في الانتخابات، عندما قرر التخلص من الحكومات المحلية في الكثير من المدن الخاضعة للوصاية، على الرغم من كل الضغوط التي واجهها الناس.

وعلى الرغم من أن نتائج الانتخابات أطاحت بهؤلاء المسؤولين المعينين من قبل الحكومة من مناصبهم في مارس، فإن الحكومة أعادت الكرّة وأزاحت العُمد المنتخبين المنتمين لحزب الشعوب الديمقراطي وأتت بأشخاص آخرين ليتولوا الإدارة بدلاً منهم.

وأجد نفسي في حيرة عندما أتساءل ما الخير الذي قد يأتي به هؤلاء لتركيا. فتعيين هؤلاء المسؤولين من جديد هو في واقع الأمر بمثابة الانقلاب السياسي. وأي شخص يتبنى رأياً مخالفاً لرأي الحكومة هو في نظرها من الأعداء.

دعا الرئيس رجب طيب أردوغان رؤساء بلديات 30 من المدن التركية الكبرى لحضور اجتماع، وعبر عن سعادته "بالاجتماع برؤساء بلديات نأوا بأنفسهم عن الإرهاب". ويتلخص في هذه الدعوة نهج الرئيس تجاه الشعب الكردي.

ويجب هنا أن نتساءل لماذا لم يُعقد مثل هذا الاجتماع قبل استبدال العُمد المنتمين لحزب الشعوب الديمقراطي. وقد قوبلت كل محاولاتنا لإجراء لقاءات مع الحكومة بالتجاهل، ناهيكم عن أن نُدعى لاجتماعات خاصة. وتحاول الحكومة الآن التغطية على إهمالها بإرهابنا. وغياب الحقيقة في ادّعاءات هؤلاء الفارغة أمر واضح.

والهدف الحقيقي هو تقويض نظام القيادة المشترك الذي يتبناه حزبنا. هذا النظام، الذي أُعلن في عام 2014 ولاقى تأييداً قوياً خلال الاقتراع، يستلزم أن يتولى رجل وامرأة منصبين قياديين، ومن بين ذلك أن يكون هناك رئيسان مشتركان لحزب الشعوب الديمقراطي وأن يتشارك اثنان في منصب العمدة.

ولا يمكننا أن نتخلى عن نظام القيادة المشتركة إذا كنّا نريد وضع إطار مؤسسي للديمقراطية. وقد بدأنا تطبيق نظام الرئاسة المشتركة بشكل عملي في عام 2006، وجرى تقنينه في عام 2013 من خلال "حزمة تحقيق الديمقراطية" الأردوغانية.

ولدينا أيضاً رؤساء بلديات في هذا المنصب بحكم الأمر الواقع، وما زلنا نكافح من أجل تمرير قانون في هذا الشأن. نحن عازمون على تحقيق هذه الغاية ولن نتراجع.

فضلاً عن ذلك، فإن المادة السادسة من الميثاق الأوروبي للحكم الذاتي المحلي، وهي بعنوان "الهياكل الإدارية والموارد الملائمة لمهام السلطات المحلية" تنص على أنه يتعين على "السلطات المحلية أن تكون قادرة على تحديد هياكلها الإدارية الداخلية لتكييفها مع الاحتياجات المحلية والتأكد من وجود إدارة مؤثرة".

ولا يجب أن ننسى أن 50 في المئة من هذا المجتمع هو من النساء. وتنص المادة العاشرة من الدستور التركي على أن "تتمتع المرأة والرجل بحقوق متساوية. الحكومة مسؤولة عن ضمان تحقيق هذه المساواة".

ووفقاً للمادة 127 من الدستور، فإن "هيئات الإدارة المحلية هي كيانات عامة تأسست بهدف تلبية الاحتياجات العامة لسكان المحافظات والبلديات والقرى على المستوى المحلي، على أن يكون اختيار الهيئات القائمة على صنع القرار في هذه التقسيمات الإدارية بالانتخاب وفقاً لما هو منصوص عليه في القانون. ويحدد القانون أيضاً مبادئ الهيكل التنظيمي".

إذن، فعندما استبدلتنا الحكومة بمسؤول إدارة بعد أن عملنا في منصبنا على مدى عامين بعدما حققنا الفوز في انتخابات عام 2014، ماذا فعلوا؟ من المهم الانتباه إلى ما حدث هنا، فقد انتشر السلب والنهب على نطاق واسع. أو بمعنى آخر، كان هناك استغلال لأموال الشعب والبلديات.

وجميع الفواتير والمبالغ المستلمة من بداية تسلمي المنصب معلنة، والخدمات التي قُدّمت واضحة، والهدايا التي تم تبادلها معروفة. لقد خدمنا شعبنا بشفافية، ووثّقنا مواردنا وإنفاقنا.

وخلال فترة الأربعة أشهر التي كنت فيها في منصب العمدة المشترك، جاء عشرات الآلاف من الناس لزيارتنا. ظل الناس يتوافدون لتهنئتنا، حتى بعدما جرى استبدالنا.

لم أتوقف أبداً عن مساعدة الناس، وظللت أستمع إليهم باهتمام وصبر، وهم عاملوني وزملائي بالمثل. تحدثنا طويلاً عن كيفية تحويل ماردين إلى أفضل مدينة، وتحدثنا بصدق وإخلاص عن تجاربنا، سواء في أحاديثنا الشخصية أو في اجتماعاتنا الكبيرة.

ويعيش في ماردين الكثير من الناس على اختلاف صنوفهم. ولا يوجد مجال هنا للسياسات الوحدوية التي تُطبّق في البلاد، ولهذا السبب يريدنا الناس، ولا يريدون مغتصبي مناصبنا. ومن واقع خبراتنا، فإنه لا يوجد قضاء مستقل في ظل النظام الاستغلالي المستبد الذي يحكم بلدنا.

والشيء الوحيد الذي من الممكن أن ينجح ضد هذا النظام، بغض النظر عن أي شيء آخر، هو المقاومة. إذا لم نقف في وجه هذه العقلية، وإذا لم نرفع أصواتنا، فإننا لن ننجح وستُسحق مطالباتنا بالحقوق والقانون والعدالة في ظل وجود هذه العقلية الوحدوية.

لذلك، فإن أولويتنا يجب أن تكون ضمان وحدة المعارضة والتوسع في سياسات حزب الشعوب الديمقراطي. يجب أن نضع في الاعتبار المنطق من سجن رئيسينا المشتركين، صلاح الدين دميرطاش وفيغان يوكسيكداغ، فضلاً عن مئات السياسيين الآخرين الذين لا يتسع المجال لذكرهم هنا.

أصدقاؤنا في السجن، لأنهم كانوا يحاربون هذه العقلية. وعلى الرغم من كل شيء، فإنهم لم ينحنوا أبداً. فالوقوف في صفوف الجماهير والكفاح من أجل مطالبهم مسألة ضمير، ولهذا السبب لم ولن نتراجع أبدا. لقد بدأنا كفاحنا بالعزيمة والإصرار على أن "حزب الشعوب الديمقراطي لن يخضع أبداً لسياساتكم".

وكوننا شعباً كرّس سنين من عمره للكفاح، فإننا لن نخشى الموت أو السجن. ويجب أن يفهم من نوجه لهم كلامنا هذه الرسالة بوضوح. إن الشعب لن يتنازل عن مطالبه، ونحن لن نتخلى عن مقاومتنا.

لا يمكنك أن تحل هذه المشاكل بسحق إرادة الناس وتعيين مسؤولي إدارة. لا يمكن أن يكون هناك عذر لعدم احترام الإرادة التي أفرزتها صناديق الاقتراع. وإذا أغلقتم أبواب الديمقراطية والحوار، فإنكم تُظهرون أنكم لا تريدون إيجاد حلول.

أي نوع من السياسات تلك التي من الممكن أن تدعم حكم السجن عشر سنوات بحق جنان كفتانجي أوغلو، رئيسة حزب المعارضة الرئيس، حزب الشعب الجمهوري، في إسطنبول بسبب تغريدات على تويتر؟ أي نوع من السياسة يمكن بها الادعاء بوجود قضاء مستقل؟ ليس لدينا شك في صدق وإخلاص الجماعات اليسارية التي ساندتنا. لقد كان الشعب الكردي دائماً أحد الداعمين للحقوق في تركيا، ولقد أثبتنا أن وحدتنا سر قوتنا.

إن معاقبة كفتانجي أوغلو هي في حقيقة الأمر عقاب لها على الوقوف في صف الشعب الكردي. إنها محاولة لتجريم الشعب الكردي، ويجب أن نجد سُبلاً لتوسيع كفاحنا.

يجب أن نخلق تركيا أكثر ديمقراطية من خلال تعزيز إيماننا بالتضامن، ومن خلال الدفاع عن سياساتنا. لا يوجد سبب يجعلنا نثق في ادعاء الحكومة بأنها لن تعيّن مسؤولي إدارة لأنقرة وإسطنبول.

والقضية الأساسية التي أمامنا ليست قضية مسؤولي الإدارة المعينين من قبل الحكومة، وإنما الانقلابات السياسية وتجاهل القانون. ونحن مؤمنون بأن حزب الشعب الجمهوري بوسعه أن يرى هذا.

إن الطريق للأمام واضح، وهو إيجاد حل عبر الحوار.

وكما قلت في وقت سابق، فإن هذا يمكن ضمانه من خلال اتخاذ خطوات ديمقراطية وفتح المجال أمام الحوار.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/dismissed-kurdish-mayors/fight-will-continue-we-do-not-fear-death-or-prison#gsc.tab=0
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.