أكرم إمام أوغلو بحاجة لتغييرات حقيقية للتصدي للفساد

تزايدت الآمال الشعبية في معالجة الفساد المستشري في تركيا بفضل أكرم إمام أوغلو، مرشح المعارضة في إعادة الانتخابات على منصب عمدة إسطنبول.

وكان إمام أوغلو قد أُعلن فائزاً في الانتخابات التي أجريت في 31 مارس الماضي على منصب العمدة. لكن السلطات الانتخابية أمرت بإعادة الانتخابات من جديد في الثالث والعشرين من يونيو المقبل، بعد أن احتج حزب العدالة والتنمية الحاكم على ما قال إنها مخالفات شابت التصويت.

ومنذ إعلان فوز إمام أوغلو في الانتخابات التي تقرر إعادتها، خرجت تقارير كثيرة في وسائل الإعلام حول الفساد والمحسوبية على مدى 25 عاماً منذ أن سيطر حزب العدالة والتنمية والأحزاب الإسلامية التي سبقته على المدينة. وإذا جاءت نتيجة إعادة الانتخابات في غير مصلحة الرئيس رجب طيب أردوغان، فإنها ستشكل ضرراً على الحزب والجماعات التي يدعمها من خلال شبكات المحسوبية التي تمولها البلدية.

وتُنتج إسطنبول، التي يعيش بها نحو 16 مليون شخص، نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي لتركيا، ويسيطر عمدتها على ميزانية سنوية حجمها 23.8 مليار ليرة (4.1 مليار دولار)، تصل إلى 35 مليار ليرة عند إضافة دخل شركات النقل والمرافق.

وقال إمام أوغلو الشهر الماضي إن ديون إسطنبول ارتفعت 4.5 مرة ووصلت إلى 27 مليار ليرة منذ عام 2014، بينما زاد العجز في ميزانيتها السنوية 20 مِثلاً إلى أربعة مليارات ليرة. وتعهد إمام أوغلو بتوفير نحو خمسة مليارات ليرة من الميزانية من خلال منع الإهدار واستحداث إدارة مالية فاعلة.

لكن التعهد الشخصي ليس كافياً؛ فإمام أوغلو بحاجة إلى إحداث تغييرات مؤسساتية إذا كان يريد حقاً أن يعالج مشكلة الفساد.

ومنذ أن وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة قبل 17 عاماً، أجرى الكثير من التعديلات على قانون المشتريات العامة ولجأ إلى مواد كانت تستهدف ظروفاً استثنائية، لكي يجعل من الفساد عرفاً. واستغلت البلديات، بما في ذلك الخاضعة لسيطرة حزب الشعب الجمهوري المنتمي له إمام أوغلو، العطاءات العامة لمصلحة الشركات الصديقة ولبناء شبكات محسوبية.

والعُمد ليسوا محصنين من مطالب أحزابهم؛ لذا فإن التغييرات المؤسساتية وحدها هي التي من الممكن أن تكون سلاحاً فاعلاً في مواجهة الفساد.

ويحظى إمام أوغلو بتأييد قطاع عريض من المجتمع التركي، الذي انحسر خوفه الآن من التعبير عن آرائه بفضل نتائج 31 مارس. ويطالب هذا القطاع من المجتمع بالقضاء على الفساد المستشري وسرقة المال العام والمحسوبية، ويأمل أن يرى تركيا مختلفة.

ويُنافس إمام أوغلو بن علي يلدريم، وزير النقل السابق الذي كان مسؤولاً عن الكثير من المشروعات العملاقة التي جرى تنفيذها من خلال عطاءات حكومية لم تتسم بالشفافية أو المسؤولية، وأثار المزيد من حالات الاشتباه في الفساد.

لكن كل تلك العطاءات كانت تتم في حدود القانون، عبر استغلال الثغرات الموجودة في قانون المشتريات العامة، وهو القانون ذاته الذي ينطبق على البلديات.

وما يجعل من الصعب معالجة قضية الفساد في تركيا هو حقيقة أنه لا يتم خارج إطار القانون، ولكن من خلال القوانين والوائح المعمول بها، ومن ثم لا يمكن الطعن على قانونيته.

وبموجب القانون، فإن السلطات العامة يمكنها أن تطرح عطاءات المشتريات العامة من خلال ثلاثة إجراءات مختلفة: أحدهم إجراء مفتوح، والثاني إجراء مقيّد، والثالث إجراء خاضع للتفاوض.

ومن المفترض أن يكون الإجراء المفتوح هو العرف السائد، وهو إجراء يتيح لجميع المقاولين والمتعهدين تقديم عطاءاتهم.

أما في الإجراء المقيّد، فتتمتع الهيئات العامة بسلطة دعوة مجموعة من المتعهدين أو المقاولين للتقدم بعطاءات وفقاً لشروط مسبقة للتأهل تضعها الجهة المختصة بالتعاقد على المشروع محل العطاء.

وبموجب القانون، فإن الإجراء الخاضع للتفاوض يجب اللجوء إليه فقط في حالة الأحداث غير المتوقعة، مثل الكوارث الطبيعية والأوبئة، عندما تستدعي حوادث محددة ذات صلة بالدفاع والأمن تدخلاً فورياً. ويمكن اللجوء لهذا الإجراء أيضاً عندما تستدعي المشتريات عملية بحث وتطوير، ولا تنطوي على إنتاج كثيف، وفي الحالات التي يستحيل فيها تحديد الجوانب الفنية والمالية للأشغال محل العطاء، وفي حالة أن تكون الخدمات أو البضائع سيتم شراؤها بسبب خصائصها المحددة والمعقدة، والمشتريات التي تقدر تكلفتها بما يصل إلى 50 مليار ليرة (8.6 مليار دولار).

ويسمح القانون أيضاً بتنفيذ عمليات شراء بالأمر المباشر في مجموعة من العطاءات المقيّدة بصورة أكبر عندما تكون تغطية الطلب متاحة فقط من خلال شخص طبيعي أو اعتباري.

وقال أوتكو تشاكيروزر، النائب في البرلمان عن حزب الشعب الجمهوري، في مارس إن عطاءات عامة بقيمة 30 مليار ليرة تقررت في تركيا خلال عام 2018 عبر إجراءات لا تتسم بالشفافية، بينما طُرحت عطاءات بقيمة إجمالية بلغت 33 مليار ليرة تركية على أنها مستثناة من قانون المشتريات العامة. وبينما بلغ إجمالي حجم المشتريات العامة 175 مليار ليرة في 2018، فإن عطاءات بقيمة 37 مليار ليرة فقط تقررت في إطار إجراءات طرح عطاءات تتمتع بالشفافية.

وفي عام 2018 وحده، جنّبت بلدية إسطنبول الخاضعة لسيطرة حزب العدالة والتنمية أكثر من 16 مليار ليرة للاستثمار، ومن ثم فقد تم توجيه حجم كبير من الأموال إلى الشركات المرتبطة بالحكومة.

وبالنظر إلى حجم ميزانية بلدية إسطنبول، وحجم الاستثمارات التي تحتاج أن تنفذها، فإن تطبيق الإجراءات المفتوحة على العطاءات العامة من الممكن أن يُحدث اختلافاً كبيراً في مستويات الفساد من خلال المزيد من الشفافية والمساءلة.

وإذا كان إمام أوغلو يُريد أن يُحدث تغييراً حقيقياً بالفعل، فيتعين عليه أن يُعلن أنه لن يلجأ إلى الإجراءات الاستثنائية التي يسمح بها قانون المشتريات.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-economy/turkish-oppositions-imamoglu-needs-real-changes-tackle-corruption
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.