أحوال تركية
يوليو 17 2019

الأبعاد الأمنية للمساعدات المالية التركية لتونس

تونس – تتعامل تركيا مع الدول العربية كمنطقة نفوذ مباشر لها، لذلك فإنّها تحرص على الإبقاء على وجودها بشتّى السبل فيها، من أجل تعزيز نفوذها وإدامته عبر تقديم مساعدات، أو إنشاء مشاريع مشتركة تضمن لها الحضور الدائم على أراضيها.

وجدت تركيا في "الربيع العربي" فرصة مناسبة لها حاولت انتهازها لتتوغّل في الدول العربية التي اجتاحتها موجة الثورات، ووسّعت نطاق نفوذها وتواجدها فيها، من خلال دعم جماعات سياسية مقرّبة منها، ولاسيّما تنظيمات الإسلام السياسي، كتنظيم الإخوان المسلمين وتفرّعاته المختلفة بالاسم.

وتُعدّ تونس من بين الدول التي تحظى باهتمام تركيّ لافت، وتسعى الحكومة التركية لاستمالة التونسيين عبر تقديم مساعدات مالية، وتحديد سبل التصرّف بتلك المساعدات، من خلال التأكيد على دعم القطّاع الأمنيّ والاستثمار في تونس.

وكان البلدان وقعا ثلاث اتفاقيات تعاون في مجالات مختلفة، وبروتوكولاً في مجال التدريب العسكري، على هامش زيارة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان لتونس، في ديسمبر 2017.

وأعلن السفير التركي في تونس عمر فاروق دوغان، الاثنين، تقديم بلاده قرضا ماليا بقيمة 300 مليون دولار، لدعم الأمن والاستثمار في تونس. وقال إن القرض يتوزع بواقع 200 مليون دولار لتدعيم القطاع الأمني، إضافة إلى 100 مليون دولار لتمويل المشاريع، وتسعى إلى التغلغل في تونس، وجعلها مرتكزاً لها ومنطلقاً نحو القارة السمراء، علاوة على اعتبارها إحدى أهمّ بوّاباتها إلى العالم العربي والإسلامي.

وتعمل أنقرة على تكريس فكرة أن تونس تواجه تحديات أمنية، وأنّها شهدت على إثرها عدة تفجيرات خلال السنوات الماضية، راح ضحيتها مواطنون وعناصر أمن. وأنّ هناك أهمية كبيرة للتعاون الثنائي بين تركيا وتونس على جميع الأصعدة، خاصة الاقتصادي منها.

وتستثمر تركيا في الأمن بتونس، مشيرة أنّها تكترث للأمن التونسيّ، في حين أنّها تعمل على تعزيز نفوذها في القطّاع الأمني، وصياغته وفق التصوّر التركي، ولا يستبعد مراقبون للشؤون التركية، أن يفضي دعم القطاع الأمنيّ التونسيّ إلى فقدانه استقلاليته لصالح التدخّلات التركية، ومن ثمّ تمرير المصالح التركية على حساب المصالح الوطنية لاحقاً من خلال عناصر تدين بالولاء لتركيا، أو للتنظيمات الإسلامية الموالية لها بتونس.

وكان السفير دوغان شدّد في تصريح سابق على أن مواجهة مخاطر الإرهاب والتدخل الخارجي والصعوبات الاقتصادية تتطلب تعاونًا بين شعوب المنطقة. وأن "2019 هو عام مهم في العلاقات الثنائية التركية التونسية، فتونس بلد عضو في الاتحاد الإفريقي (54 بلدا) وتتمتع بموقع استراتيجي، وترتبط باتفاقيات ثنائية وجماعية في المنطقة تؤمن لها إمكانات كبيرة للاستثمارات والتجارة الخارجية".

ولا يوفّر السفير التركي بتونس فرصة إلّا ويحاول التدخّل في الشؤون التونسية، من ذلك مثلاً ردّه بالأمس على تصريحات للسفير الأوروبي بتونس باتريس برغاميني قال فيها قبل أسبوع إن هناك لوبيات عائلية في تونس تمنع محاولات إرساء الشفافية والحوكمة بالمجال الاقتصادي، وتفتح الباب أمام الفساد والمكافآت والسوق السوداء في ممارسات أشار أنها "تعود إلى الإمبراطورية العثمانية". ورأى السفير التركي في ربط أسباب رفض بعض التونسيين لاتفاق التبادل الحر بين بلادهم والاتحاد الأوروبي بما كان يحدث في العهد العثماني، "ظلما كبيرا".

تركيا تعمل على تعزيز نفوذها في القطّاع الأمني
تركيا تعمل على تعزيز نفوذها في القطّاع الأمني

جاء ذلك ردا على تصريحات للسفير الأوروبي بتونس باتريس برغاميني، في مقابلة مع صحيفة "لو موند" الفرنسية قبل أسبوع، تطرق خلالها، - من بين أمور أخرى-، في معرض رده عن سؤال حول الدور الذي يمكن للتكتل الاوروبي أن يلعبه لحماية تونس، إلى اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق، المعروف اختصارا باسم "أليكا". وقال السفير التركي، إن "الإمبراطورية العثمانية لم تعد موجودة منذ أكثر من قرن، وربط فشل التوقيع على اتفاق الأليكا بين تونس والاتحاد الأوروبي، بسلطة لم تعد موجودة، هو ظلم كبير". وأضاف: "يجب أن نكون أكثر موضوعيّة، واحتراما وأن نتعامل وفق مقاربة مهنيّة".

كما قال إنه "توجد إمكانيات كبيرة للصناعات في مجال المواد المنزلية والصناعة الدفاعية، وهي الأكثر إفادة وحساسية في المنطقة، حيث ثمة حاجة للحماية من الإرهاب". وشدد على أن الشراكة التونسية التركية في ذلك المجال "مهمة جدا، ووثيقة العمل جاهزة في هذا الإطار، و41 سفارة تركية في أفريقيا ملتزمة بإنجاح وتدعيم تلك الشراكة".

وإلى جانب أنّ تونس بوّابة لتركيا إلى القارة الإفريقية، التي تعدّ مجالاً حيوياً ومتنفساً للمناورة الاستراتيجية، فهي لا تتنازل عنها كمنطقة نفوذ مباشر، وتلجأ إلى المناورات السياسية والمبادرات التحفيزية للحفاظ على نفوذها ومكتسباتها هناك، كما أنّ المجال الثاني للشراكات الاستراتيجية بين تونس وتركيا هو المنطقة العربية، بحسب السفير دوغان الذي قال "أنشأنا مجالا جديدا للتعاون التركي التونسي العربي في إسطنبول، وعقدنا المنتدى الأول الاقتصادي التونسي التركي، مايو الماضي، بمشاركة كاتب الدولة للشؤون الخارجية المكلف بالدبلوماسية الاقتصادية (حاتم الفرجاني)، حيث تمكن القطاع الخاص من إنجاز قاعدة عمل مشتركة".

وتحاول تركيا التأكيد أنّها تكترث لشؤون العالم العربي على عكس العالم الغربي الذي لا يهتّم بقضية الديمقراطية والتقدم في العالمين العربي والإسلامي، وفي هذا السياق لفت السفير التركي على أنه "يجب أن نكون واعين، فلا يمكن أن نحصل مستقبلا على مستوى عيش راقٍ وعلى الحرية كهدية من جهة أخرى". وشدّد على أنّ "الشراكة التركية التونسية الإفريقية، والشراكة التركية التونسية العربية، هي السبيل للدفاع عن مصالح المنطقة، وضمان حق شعوبها في الحرية والاستقلال والعيش الكريم العادل".

وسعت تركيا لتعزيز علاقاتها السياسية والاقتصادية مع البلدان الإفريقية، منذ 2003، عبر وضع استراتيجية تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية مع البلدان الإفريقية، ومن خلال تقديم الهبات والمساعدات الإنسانية، وخلق بيئة مناسبة للاستثمار لشركاتها التجارية. وتراها تؤكّد على أنّ إفريقيا أصبحت تمثل اليوم سوقا لا تقدر بثمن، خاصة في مجالات التكنولوجيا الحديثة، وترغب أنقرة أن تكون تونس مصدّرأً رئيساً لإنتاجاتها لإفريقيا.

وخلال زيارة وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو لتونس، عام 2018، تحدث عن استراتيجية بين البلدين لدخول الأسواق، وقال إنّه ستكون عندهم، خلال الفترة القادمة، خطط وجلسات واجتماعات لإعداد خارطة طريق لتحقيق مصلحة الشعبين. وأكد جاويش أوغلو، دعم بلاده لجهود تونس في تحقيق التنمية الاقتصادية، وحرصها على تكثيف التعاون في كافة المجالات، لاسيما من خلال حث رجال الأعمال والمستثمرين الأتراك على استكشاف فرص التعاون والشراكة مع تونس كوجهة اقتصادية واعدة في المنطقة.

وهناك عجز في ميزان التبادل التجاري لصالح تركيا، وبلغت قيمة التبادل التجاري بين البلدين مليار و250 مليون دولار، وتسعى أنقرة إلى زيادته إلى ملياري دولار، وقال العلاقة بين تونس وتركيا ارتقت إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية. وقال نائب وزير التجارة التركي، رضا طونا طورغاي، إن بلاده سترتقي أكثر مع تونس وتنفتح معها على إفريقيا، كما دعا إلى رفع حجم التبادل التجاري وتحقيق توازن يصب في مصلحة الجانبين. وأردف: "تونس بوابتنا المفتوحة على إفريقيا، وهدفنا تحقيق تجارة متوازنة معها، بحيث نربح سويا وتتضافر جهودنا لننفتح على إفريقيا".

وقبل أيّام أشاد رئيس حركة "النهضة" التونسية، راشد الغنوشي، ببما وصفه بالديموقراطية في تركيا، معتبرا أن نتائج انتخابات الإعادة على رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى دليل على المناخ الديموقراطي الذي يتمتع به هذا البلد. ووصف الغنوشي، تركيا بأنها "دولة صديقة" لتونس، لافتا إلى أنها من أبرز الداعمين للثورة الشعبية التونسية التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي عام 2011. وقال: "تركيا وقفت مع ثورتنا وأعطتنا مساعدات وقروضاً كبيرة، وتركيا دولة صديقة، لماذا نعمم الخصومة الداخلية على العالم، ويصبح التيار الإسلامي، وهو تيار صاعد في العالم، خصما لتونس".