الإجماع التركي على معاداة الغرب أعمق من صفقة إس-400

يتركّز الكثير من النقاش الدائر بشأن شراء تركيا صواريخ إس-400 الروسية الصنع على ما إذا كانت تلك الصفقة ستتسبب في شقاق مع الغرب. ولا شك في أن تسليم نظام الدفاع الجوي، الذي بدأ الأسبوع الماضي، ستكون له تكلفة سياسية واقتصادية. لكن هناك نقطة كثيراً ما يتم إغفالها، وهي أن هناك إجماعاً وطنياً في تركيا على ضرورة فك ارتباط البلاد بالغرب.

ويتبنى حزب العدالة والتنمية الحاكم، بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان، موقفاً واضحاً تجاه الغرب؛ فالفكر الإسلامي التقليدي الذي يتبناه الحزب يقود إلى معادة الغرب في قضايا مهمة في السياسة الدولية. فضلاً عن ذلك، فإن الإسلاميين الأتراك يرون أيضاً أن الغرب يشكّل تهديداً لوجودهم.

وحزب الحركة القومية اليميني المتطرف، الشريك الأصغر في تحالف مع حزب العدالة والتنمية، له تاريخ مع معاداة الغرب. وينظر حزب الحركة القومية إلى الغرب كعدو للأتراك، والمنظمات الغربية – مثل الاتحاد الأوروبي – على أنها معادية، لأسباب كثيرة، الجزء الأكبر منها يتعلق بقناعة الحزب بأن هذا التكتل يدعم حزب العمال الكردستاني، الذي يقاتل من أجل الحكم الذاتي في جنوب شرقي تركيا منذ عام 1984.

وهناك ديناميكية أخرى جديدة تدفع تحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية نحو مزيد من العدوانية في سياسته تجاه الغرب، وهي الإفلاس الاقتصادي. ففي ظل عدم وجود برنامج اقتصادي فعّال لدى التحالف الذي يضم حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، يستعين التحالف بوسائل استبدادية. وفي ظل الحقيقة التي تقول إن الأزمة من غير المرجح أن تتبدد، فإن التحالف يتمتع بما يكفي من الذكاء الذي يجعله يُدرك أن حُكم تركيا بالوسائل الاستبدادية والاقتصاديات الدولانية، يستلزم توجهّاً جديداً للسياسة الخارجية. ويحلم تحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية بحليف دولي بديل، مُمنّياً نفسه بأن يسمح له ذلك الحليف الجديد بالتزامٍ أقل تجاه القضايا المعقدة، مثل سيادة القانون، والسوق الحرة، والديمقراطية.

ولا تختلف المعارضة عن هذا؛ فعندما تسلّمت تركيا الشحنة الأولى من مكونات نظام إس-400، قالت صحيفة (سوزجو) اليومية ذات التوجهات الأتاتوركية في أحد عناوينها الرئيسية "لم نرضخ للتهديدات". وتُشير كلمة "نحن" إلى أن المعارضة العلمانية تتبنى وجهة النظر ذاتها التي يتبناها حزب العدالة والتنمية. وليس هناك ثمة خلاف بين القوميين والإسلاميين والعلمانيين عندما يتعلق الأمر بتحدي الغرب ورفضه.

وقد أعلن حزب المعارضة العلماني الرئيس، حزب الشعب الجمهوري، دعمه للحكومة في قضية إس-400. ولا يبدو أن حزب الشعب الجمهوري، ولا الحزب الصالح القومي الوسطي المعارض، يستشعران خطر انسلاخ تركيا عن عباءة الغرب.

فلماذا لا تستشعر الجماعات العلمانية واليسارية هذا الخطر؟ الإجابة تظهر في التحول الفكري الذي شهده اليسار التركي منذ الستينيات. فلم تكن هناك في السابق أجندة يسارية محددة للفكر الأتاتوركي، وهو الفكر العلماني الرسمي لمؤسس تركيا مصطفى كمال أتاتورك. لكن منذ الستينيات، أعلن حزب أتاتورك، حزب الشعب الجمهوري، نفسه يسارياً، وصار أكثر انتقاداً للغرب ودَعَم توجهاً قومياً خرج من رحم العلمانية والحداثة.

أما اليوم، فيبدو أن الكثير من الصحفيين والمفكرين اليساريين والقوميين الأتراك يوافقون على انحراف الحكومة بعيداً عن الغرب، على الرغم من انتقادهم الشديد للإسلاميين في كل مجال من مجالات السياسة الأخرى.

وتشيع المشاعر المعادية للغرب بين العامة. ويُظهر مسحٌ أجرته جامعة قادر هاس أن معظم الأتراك ينظرون إلى دول مثل أذربيجان، وتركمانستان، وقطر، وفنزويلا، وإيران وروسيا، والهند، والصين، على أنها دول صديقة. ووفقاً للدراسة ذاتها، فإن الأتراك ينظرون إلى دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا على أنها مصدر خطر.

ويشير استطلاع الرأي إلى عداوة تجاه الغرب. ومن ثم فإن ما يثار حول الثمن المحتمل أن تدفعة تركيا بسبب صفقة إس-400 يفوته نقطة مهمة. وينبغي أن يكون السؤال هو: هل من الممكن إبقاء تركيا في موضعها التقليدي كبلد موالٍ للغرب اليوم، في الوقت الذي صار فيه العَوَام والنُخَب والدولة شديدي العداء للغرب؟

وهناك بالفعل حقيقة جديدة في تركيا تزداد وضوحاً ببساطة بفعل أزمة الصواريخ إس-400 الروسية. وتركيا مهيأة لتحول في النموذج الذي تتبعه في سياستها الخارجية؛ إذن، فإن هذا الواقع كان سيظهر على السطح بسبب أي قضية أو واقعة أخرى، حتى لو لم يكن لأزمة إس-400 أي وجود.

ومنذ تأسيس الجمهورية التركية في عام 1923، هيمنت قضايا كُبرى بعينها على السياسة. والصراع بين الإسلام والعلمانية هو أكثر القضايا التي خضعت للبحث والدراسة؛ لكن دائماً كان يتم غض الطرف عن قضيتي القومية والتغريب. المفارقة أنه عندما يتعلق الأمر بصدام بين القومية والتغريب، تكون القومية قادرة على توحيد صف العلمانيين والإسلاميين، على الرغم من خلافهما المرير بشأن دور الدين في السياسة والحياة العامة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/justice-and-development-party/beyond-s-400s-turkish-consensus-against-west
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.