الإعلام الحزبي وغياب المحاسبة يفاقمان أزمات تركيا

واجهت تركيا أزمة جديدة الأسبوع الماضي، كان مصدرها هذه المرة أطباق السبانخ في مدينة إسطنبول. فقد نُقل أكثر من 100 من سكان المدينة إلى المستشفيات، بعد أن تناولوا سبانخ ملوثة.

وقالت سلطات المدينة إن حالات التسمم نتجت عن تناول نوع من النباتات كان مخلوطاً بالسبانخ؛ لكن صحيفة (قرار) اليومية الإسلامية نقلت عن خبراء وسياسيين من المعارضة قولهم إن هذا التفسير لا يبدو منطقياً.

وأياً ما كان السبب الحقيقي لحالات التسمم تلك، فإن هناك سبباً جيداً لأن نرى في هذه الواقعة نذيراً لتركيا. فقد حدثت واقعة التسمم بالسبانخ بعد أيام من تسمم أسرة مكونة من ستة أفراد بسبب تناول غِذاء في مدينة قيصري وسط تركيا. وقد توفت ابنتهم صالحة، ذات الأربع سنوات.

في الأسبوع ذاته، نُقل 50 من عمال أحد مصانع حيّ إسانيورت في إسطنبول بسبب تسمم غذائي، ثم تكرر الأمر ذاته في اليوم التالي، بتسمم 30 شخصاً.

وفي الثالث من نوفمبر، ذكرت مؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية (تي.آر.تي) أن 67 شخصاً نُقلوا إلى المستشفيات بسبب التسمم الغذائي في مدينة أفيون قرّه حصار، الواقعة غربي البلاد.

وتلقى 15 شخصاً العلاج من التسمم الغذائي في مدينة كيريكال وسط تركيا في الثاني من نوفمبر، بعد أن تناولوا وجبات في أحد المطاعم.

وهناك تقارير عن حالات تسمم غذائي لعدد كبير من الضحايا، تعود إلى الصيف في مدن إزمير، وسفرنبلو، وكارابوك، ومانيسا، وأكثر من مدينة في تركيا، بينما أصيب 143 جنديّاً بالتسمم الغذائي دفعة واحدة في مدينة سكاريا في شهر سبتمبر.

وبالعودة إلى ما قبل ذلك، شملت الحالات الأكثر خطورة العام الماضي نقل ألفين و600 عامل في أحد مصانع إزمير إلى المستشفى بسبب شبهة تسمم غذائي وإصابات بالجمرة الخبيثة أدت إلى فرض الحجر الصحي في مدن في أنحاء تركيا.

وهذه ليست قائمة شاملة، لكنها تُظهر وجود مشكلة مستمرة تتعلق بمعايير سلامة الغذاء. ويبدو أن المتهم في الكثير من هذه الحالات هو شركات التوريدات الغذائية، التي تورّد الطعام إلى أماكن العمل. في المقابل، ذكرت تقارير أن الجمرة الخبيثة جاءت إلى تركيا بسبب ماشية مستوردة لم تخضع لفحوصات السلامة الكافية.

ومثل هذه التقارير هي إشارة تُنذر بالحاجة إلى رقابة أشد على الأمور المتعلقة بالصحة العامة. لكن غياب المحاسبة في مثل هذه الحالات، وغيرها من أمور الصحة العامة المهمة، تجعل الأرجح هو استمرار حدوث مثل تلك الحالات، خاصة في بلد يمكن أن تتبنى فيه وسائل الإعلام رواية الحكومة لتنفي أي مسؤولية عنها، خشية التعرض لأي مضايقات أو التأذي من نشر أي أخبار سلبية.

وعلى الرغم من أن باعة السوق بالتأكيد ليست عليهم أي مسؤولية في التسمم الذي نتج عن تناول السبانخ، فإن الإعلان عن أن أطراف متآمرة كانت تلعب "لعبة" من خلال السبانخ هو دليل على هذا.

ويلعب الإعلام دوراً كبيراً في هذا، حيث تم تذكيرنا من جديد بحالة تسمم أخرى، كانت هذه المرة أكثر مأساوية.

فيوم الأربعاء، اكتشفت الشرطة في إسطنبول جثث أربع أشخاص تتراوح أعمارهم بين 40 و60 عاماً، يُعتقد أنهم تسمموا بالسيانيد. وقد وُضعت إشارة تحذير على الباب الخارجي لمنزلهم في حي فاتح في إسطنبول. ويُعتقد أن الشقيقين وشقيقتيهما انتحروا.

وأفاد الجيران بأن الأشخاص الأربعة كانوا يعانون من مشاكل مالية. وأكد هذه الرواية وصول أحد موظفي شركة الكهرباء بعد وفاتهم لقطع التيار عن منزلهم بسبب عدم سداد الفواتير.

لكن وسائل الإعلام الموالية للحكومة بدت غير راغبة في الكشف عن التفسير الأوضح لهذه الواقعة، التي تعطي مثالاً واضحاً على الأزمات الاقتصادية التي يواجهها الكثير من الناس.

وبدلاً من ذلك، تساءلت (سي.إن.إن ترك) في عنوان الخبر عمّا إذا كان الأربعة انتحروا أم إن أحدهم قتل الآخرين قبل أن ينتحر. على الرغم من ذلك، فإن ضابط الشرطة الذي استشهدت به (سي.إن.إن ترك) قال إن جميع الملابسات تشير إلى حالة انتحار وليس أي سيناريو آخر. وطرح الصحفي قائمة من الأسئلة الأخرى كان في مقدمتها أيضاً ما إذا كان تم العثور على أي نوع من المشروبات الكحولية في المنزل.

في الوقت ذاته، أنحت صحيفة (يني آكيت) باللائمة على وجود كتاب عن الإلحاد لريتشارد دوكينز.

ذهبت صحيفة (صباح) المقربة من وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق إلى أبعد من ذلك، حيث ذكرت أن التقارير التي تتحدث عن معاناة الأربعة من ضائقة مالية تأتي في إطار حملة تشويه.

لكن بعد ذلك بأربعة أيّام، عُثر على أسرة أخرى مكونة من أربعة أشخاص ماتوا جميعاً، هذه المرة في مدينة أنطاليا جنوبي البلاد. ومن جديد كان التسمم هو السبب المشتبه به في حالات الوفاة تلك، وكان الفقر هو الدافع المشتبه وراء ذلك. وترك الأب رسالة، قال فيها إنه "لم يعد هناك ما يمكن فعله". وقد اكتُشفت جثث زوجته وطفليهما في ساعة مبكرة من يوم السبت، ويُشتبه في أنهم ماتوا نتيجة للتسمم.

وعلى الرغم من أن أسلوب الحادثين كان مروّعاً، فإنهما ليس بعيدين عن بعضهما البعض؛ فقد سلّطت وسائل الإعلام الضوء على معدلات حالات الانتحار في تركيا وقالت إنها مثيرة للقلق منذ عام 2015 على الأقل، عندما كان الفقر هو السبب في 18.1 في المئة على الأقل – وربما أكثر من ذلك بكثير – من حالات الانتحار. وبلغ عدد حالات الانتحار في ذلك العام ثلاثة آلاف و189 حالة، وما زال المعدل فوق ثلاثة آلاف.

ساءت الأحوال الاقتصادية، ووصلت إلى وضع سيء للغاية نتجت عنه سلسلة من حالات الانتحار منذ العام الماضي، خاصة بين العاطلين عن العمل، بسبب الشعور باليأس والإحباط.

الأمر المثير للاشمئزاز أيضاً هو أن وسائل الإعلام، التي ما زالت تستقطب أكبر عدد من المشاهدات في تركيا، تتجاهل الحقائق – أو تعتّم عليها – إذا كانت تضع الحكومة في موقف سيء. فمن يشير بإصبع الاتهام إلى الحكومة، قد يُعتبر أحد المتآمرين في لعبة كبيرة تستهدف تركيا.
 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/media-roundup/partisan-media-and-lack-accountability-fuels-turkeys-health-and-economic-crises
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.