الإعلام التركي يضعف قوة أردوغان والبدائل بدون مصداقية

انخرطت الحكومة التركية في حملة قمع انتقادات شديدة لوسائل الإعلام في البلاد في السنوات الأخيرة حيث سعت للسيطرة على الرأي العام ولزيادة شعبيتها.

ردا على ذلك، لجأ الأتراك إلى شبكات التواصل الاجتماعي، وهو اتجاه يقوض جهود أردوغان الاستبدادية. ولكنه بديل يسبب مشاكل في الوصول إلى معلومات موثوقة، وهي قضية طرحها مركز التقدم الأميركي.

وقال المدير المساعد للأمن القومي والسياسة الدولية في المركز، ماكس هوفمان، إن الرقابة المتفشية دفعت المواطنين الأتراك إلى المزيد من المنافذ الإلكترونية المستقلة والمنصات الاجتماعية بحثا عن الأخبار، لكن هذه المصادر غالبا ما تكون مليئة بالمعلومات المضللة. وأشار إلى أن هذه التغييرات ستخلّف آثارا عميقة في السياسة الداخلية التركية، حيث يظهر التقرير أن أولئك الذين ينشرون أخبارهم على الإنترنت أكثر انتقادا للرئيس أردوغان، ويمكن اعتبارهم خطرا حقيقيا على قبضته على السلطة.

وسجّلت بعض المواقع الإخبارية مثل ديكن وتي 24، التي تعد جديدة بالنسبة إلى المشهد الإعلامي في تركيا، ارتفاعا في شعبيتها خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يهدد الهيمنة التقليدية التي تتمتع بها الصحف القومية مثل حرييت وصباح التي يمتلكها رجال أعمال مقربون من أردوغان. كما ظهرت وسائل إعلام أخرى أصغر حجما، نشرت معلومات مشكوك في مصادرها، موجهة إلى النخبة الحاكمة في تركيا.

قال مركز التقدم الأميركي أن انعدام الثقة في وسائل الإعلام التركية وصل الآن إلى ما يمكن اعتباره أزمة. وأشار إلى مسح أجرته مؤسسة "متروبول" التركية للأبحاث في أنقرة، يفيد أن 70 في المئة من الأتراك لا ينظرون إلى وسائل الإعلام على أنها مصدر موثوق للأخبار.

وأشار مركز التقدم الأميركي إلى فحص مفصل للمشهد الإعلامي التركي، مؤكدا أن الهيئات التركية والدولية يجب أن تركز الآن على ثلاثة مجالات رئيسية لدعم الحكم الديمقراطي وترسيخ تركيا أنسب للحلف الأطلسي.

وقالت المؤسسة التي تتخذ من واشنطن مقرا لها إن برامج تقديم المنح يجب أن تركز على تمويل الصحف المحلية التركية، حيث تقدم فرصة يتم تجاهلها بشكل متكرر لتشجيع الصحافة المستقلة.

وقال المركز إن الخطوات الأخرى يجب أن تتضمن إجراءات لمواجهة التضليل الإعلامي دون تشجيع الرقابة الحكومية. وأشار إلى أن التمويل يمكن أن يركز على إعداد التقارير بدلا من التعليق عليها.

كما أكّد أن تعرض الأتراك المتزايد للمعلومات غير الموثوقة يتركهم عرضة للأطراف الأجنبية الخبيثة بطرق يمكن أن تهدد حياتهم إذا تعلقت بمعلومات حول فيروس كورونا المستجد على سبيل المثال، حيث يرى البعض أن ناقدي تباطؤ الحكومة في اتخاذ الإجراءات الضرورية للسيطرة على الفيروس الذي انتشر في مارس يمكن أن يشكلوا فريسة محتملة.

وقال هوفمان في التقرير الذي شارك في تأليفه مع أندرو أودونوهو (الزميل الباحث في مركز إسطنبول للسياسات)، و آلن ماكوفسكي (زميل أقدم في مركز التقدم الأميركي)، إن الاتجاهات الحالية في وسائل الإعلام الإلكترونية والتقليدية ستعزز قدرة الحزبيين والفاعلين الأجانب على نشر المعلومات الخاطئة، وزيادة تقسيم الرأي العام وإضعاف المساءلة السياسية.

وتابع أنه "من المحتمل أن تزايد المعلومات المضللة والحزبية في وسائل الإعلام الإخبارية هي التي ساهمت في استجابة الحكومة التركية البطيئة للوباء".

وسلّط مركز التقدم الأميركي الأضواء على تأثير تدهور البيئة الإعلامية في تركيا على السياسة الخارجية، قائلا إنه منح الرئيس فرصة العمل على تحقيق مصالحه الخاصة، إذ أن "تلاعب الحكومة بوسائل الإعلام قد أدى إلى تقييد المحاسبة وبالتالي إلى خفض الثمن الواجب تقديمه على المستوى الوطني مقابل القرارات السياسية الخطيرة ".

وأشار التقرير إلى تراجع شعبية الصحف التركية حيث قمعت الحكومة الحريات الصحفية بشدّة غير مسبوقة. وتراجع توزيعها بنسبة 44 في المئة بين 2013 و2018، ووجهت لها الأزمة الصحية ضربة أخرى قللت النسبة بين 22 و 60 في المئة من مارس إلى مايو.

وفي الوقت نفسه، انخفضت نسبة الأتراك الذين قالوا إن التلفزيون هو مصدرهم الرئيسي للأخبار إلى 72 في المئة في 2018 من 87 في المئة في 2015. وأضاف مركز التقدم الأميركي أن الرقم انخفض أكثر بين مؤيدي حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد وحزب الشعب الجمهوري المعارض.

وقال إن هذه الاختلافات بين الأحزاب تشير إلى تعطّش المعارضة للحصول على مصادر إخبارية مستقلة، وهو ما قد يكون السبب الذي دفعها إلى الإنترنت. وحسب الإحصائيات، إذا دعم الفرد برنامج حزب الشعوب الديمقراطي سنة 2018، فيمكن الجزم، بنسبة 95 في المئة، من أنه يعتمد على الإنترنت للإطلاع على الأخبار عوضا عن التلفزيون.

وفي المقابل، تمتعت الصحف المحلية بنهضة إلى حد ما. فعلى الرغم من أنها لم تزدهر بأي حال من الأحوال، إلا أنها لم تعان مثل الصحف الوطنية التي أنهكتها تبعات تراجع التوزيع.

وقال مركز التقدم الأميركي إن نسبة قراء الصحف الوطنية السنوية انخفضت بنسبة 45 في المئة بين 2013 و2018، بينما انخفضت بنسبة 33 في المئة بالنسبة للمحلية. وأضاف أن هذا يعني أن الصحف المحلية أصبحت تسيطر على أعلى حصة في السوق منذ أن بدأ جمع هذه البيانات الرسمية في 2005.

وحسب المركز الأميركي، يشير كل هذا إلى أن العديد من المواطنين متعطشون للحصول على معلومات مستقلة وأن جيوب الاستقلال لا تزال قائمة.

ومع ذلك، لن تؤثر تداعيات تدهور وسائل الإعلام التركية على تركيا فقط، ولكن على حلفائها الغربيين أيضا. وقال مركز التقدم الأميركي: "في الواقع، فإن هذه التحديات نفسها، بما في ذلك عدم الثقة في وسائل الإعلام والاستقطاب السياسي الشديد، تصيب العديد من دول الناتو الأخرى، من بولندا إلى الولايات المتحدة. إن تزايد انتشار المعلومات المضللة قد يزيد من تفاقم الانقسامات الحزبية ويضعف المساءلة". كما أشار التقرير إلى أن إسكات الحكومة التركية لوسائل الإعلام أضر أيضا بأمن البلاد من خلال إضعاف الرقابة العامة على عملية صنع القرار في السياسة الخارجية وخلق أرض خصبة للعمليات الروسية الهادفة لتوجيه الرأي العام.