الإعلام التركي يرد على شراء إس-400

وصلت أنظمة الدفاع الصاروخي إس-400 الأسبوع الماضي إلى أنقرة قادمة من روسيا، ليتحول بذلك الخلاف التركي مع حلف شمال الأطلسي إلى واقع ملموس، بعد أن ظل لفترة طويلة محل الكثير من النقاش والتنظير.

وواجه المسؤولون الأميركيون انتقادات بسبب إصرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الدائم على المضي قدماً في شراء الصواريخ إس-400، وبغض النظر عن التداعيات، منذ توقيع الاتفاق مع روسيا في ديسمبر 2017.

ومع وصول مكونات إس-400 جواً الأسبوع الماضي، دق ناقوس الإنذار في واشنطن. ولم تتأثر الحكومة التركية بالتلويح بفرض عقوبات عليها، وأبدت استعدادها للتخلي عن مكانها في برنامج إنتاج الطائرات المقاتلة من طراز إف-35 من أجل شراء أنظمة الدفاع الصاروخي التي تختارها بنفسها.

وقبل أسابيع على وصول الأنظمة الصاروخية، سلّط مقالٌ نشره موقع أحوال تركية الضوء على الكيفية التي طرحت بها المنابرُ الإعلامية المرتبطة بالحكومة العقوبات التي ستواجهها تركيا جراء شراء إس-400 على أنها شرٌ لابد منه في سعي تركيا وراء تحقيق مصالحها في سياستها الخارجية وتطوير صناعة دفاعية قومية مستقلة.

وعبر أردوغان عن المشاعر ذاتها خلال مؤتمر حاشد في إسطنبول يوم الاثنين بمناسبة ذكرى مرور ثلاث سنوات على إفلات حزب العدالة والتنمية من محاولة انقلاب وقعت عام 2016.

وتحدث الرئيس عن نمو صناعة الدفاع في تركيا تحت إدارته، قائلاً إن القطاع صار يوفّر 70 في المئة من احتياجات الدفاع المحلية التي تشتريها تركيا، مقارنة مع 20 في المئة فقط في السابق.

وهذا الرقم مضلِّل، نظراً لأن المعدات التي يتم شراؤها من السوق المحلية تعتمد على سلع وسيطة مهمة تُشتَرى من الخارج، والجزء الكبير منها من الولايات المتحدة. وبالتالي، فإن احتمال فرض عقوبات تستهدف قطاع الدفاع التركي – وهو احتمال كبير، بالنظر إلى اتفاق الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الكونغرس بشأن هذا الموضوع – قد تكون له تداعيات تعطّل القطاع.

لكن حزب العدالة والتنمية يُعوّل على الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مواجهة رغبة الكونغرس في فرض عقوبات على تركيا. وترامب ورقة لعب غير مضمونة – فقد أدلى بتصريحين متضاربين بشأن العقوبات يوم الخميس خلال ساعتين فقط. وأبلغ ترامب الصحفيين في تصريحه الأول بأنه لا يفكر في فرض عقوبات على تركيا، ثم ما لبث أن قال إن إدارته "تبحث" فرض عقوبات.

وتسببت تصريحات ترامب ودوافعه غير الواضحة أكثر من مرة في خروج تفسيرات متفائلة في الصحافة التركية. وعلى الرغم من التحذير لشهور من أن تركيا لن تحصل على الطائرات المقاتلة إف-35، إذا ما مضت قدماً في صفقة شراء إس-400، فإن الصحافة التركية فسّرت تصريحات أدلى بها ترامب هذا الأسبوع على أنها تعني أن تركيا ستحصل على 100 طائرة من طراز إف-35 كانت قد طلبتها في الأصل، لكن ليس أكثر من ذلك.

وأعلن البنتاغون تعليق مشاركة تركيا في البرنامج وبداية عملية الاستبعاد يوم الأربعاء.

وسواء كانت هناك عقوبات أم لا، فإن شراء أنظمة إس-400 يُنظر إليه على أنه تطور كبير في قدرات تركيا في المنطقة.

ولا تقتصر هذه النظرة على المصفقين للحكومة في وسائل الإعلام. فالقوميون اليساريون وأنصار الأوروآسيوية في الصحافة التركية من أمثال محمد علي غولر، الكاتب في صحيفة (جمهورييت) أيّدوا صفقة الشراء من البداية. ووصف غولر الصفقة بأنها تحرك نحو إنهاء اعتماد تركيا على الولايات المتحدة، وقال إن الصفقة ستكون مفيدة لتركيا في الأجلين المتوسط والطويل، على الرغم من الأضرار التي ستتحملها البلاد في البداية جرّاء العقوبات.

وأبدى سرتاج إيش، الكاتب المتخصص في شؤون الدفاع في صحيفة (جمهورييت)، تفاؤله أيضاً بشأن قدرة الأنظمة على "تغيير موازين القوة" في العلاقات في محيط تركيا، في الوقت الذي تستمر فيه التوترات بشأن الخلافات ذات الصلة بالطاقة في منطقة شرق المتوسط.

وانتقدت صحيفة (بيرغون) اليومية اليسارية في افتتاحيتها حول صواريخ إس-400 بشكل عام الصفقة، لأنها زادت الاعتماد على روسيا بدلاً من حلف شمال الأطلسي، ورفضت فكرة أن الصفقة ترقى إلى أن تكون بمثابة تحول تركي بعيداً عن "الإمبريالية". ومع ذلك، فإن من الممكن قراءة موافقة ضمنية مثيرة للضحك على هذه الخطوة في افتتاحية كرّست مساحة كبيرة لانتقاد النفوذ الغربي على تركيا.

وبدت الصحف الموالية للحكومة مبتهجة بوصول الأنظمة الجديدة، ولم تدّخر جهداً للتهكم على التقييمات المتشائمة بشأن الأثر المحتمل للعقوبات الأميركية على الاقتصاد التركي.

وبالتأكيد فإنه لم يكن هناك نقص في هذه التقييمات خلال العام الماضي، الذي شهد جولةً سابقةً من العقوبات الأميركية كانت تُنذر بخروج الاقتصاد التركي عن السيطرة.

وتعافت العملة التركية، في الوقت الذي تُثبت فيه مؤشرات اقتصادية أخرى إلى الآن خطأ المعلّقين الأكثر تشاؤماً. وتماسكت الليرة التركية أيضاً على الرغم من الإعلان عن استبعاد تركيا من برنامج إف-35، والإعلان عن عدد من الإجراءات البسيطة من جانب أوروبا رداً على عمليات التنقيب عن الغاز التي تُنفّذها تركيا حول قبرص.

وتناولت ديليك غونغور، الكاتبة في صحيفة (صباح) هذا الموضوع في مقال نشرته هذا الأسبوع، حيث قالت إن استقرار الاقتصاد التركي في مواجهة التحدّيات التي فرضت نفسها في الآونة الأخيرة، أثبت أن الموضوع أبسط من "السيناريوهات الكارثية" التي نسجها البعض حول الاقتصاد.

ويجب أن نأمل في أن تكون غونغور مُحقّة، على الرغم من أن الولايات المتحدة لم تتخذ بعد أي خطوة قوية بشأن العقوبات. ومن السابق لأوانه أن نقول بثقة إن "السيناريوهات الكارثية" كانت مبنية على أساس سليم أم لا. فضلاً عن ذلك فإن الكثيرين يتوقعون أن يواجه الاقتصاد اختباراً قاسياً في وقت لاحق من الشهر الجاري إذا رضخ محافظ البنك المركزي الجديد لرغبة أردوغان وخفّض أسعار الفائدة.

وظهر أثر كبير لصفقة شراء إس-400 يوم الجمعة، عندما ألغت وكالة (سبوتنيك) الروسية الممولة من الدولة برنامجاً حوارياً يقدمه صحفي تركي، بعد أن أجرى مقابلة مع أحمد داوود أوغلو، وهو أحد رموز حزب العدالة التنمية ومن الشخصيات التي انتقدت أردوغان بشدة هذا العام.

وقال مراد بوزتيبيه، رئيس تحرير سبوتنيك تركيا، بعد ذلك إن داوود أوغلو – الذي شغل من قبل منصبي وزير الخارجية ورئيس الوزراء، والذي يُعتقد أنه على وشك الانشقاق عن الحزب الحاكم – ليس بالشخصية المهمة في عالم الأخبار.

وينظر الكثيرون إلى هذا الأمر على أنه تنازل قدمته الوكالة الممولة من الحكومة الروسية لأردوغان، بعد أن أصرّ الرئيس التركي على شراء الأسلحة الروسية. ويشار إلى أن سبوتنيك تركيا كانت محل إشادة كأحد الأصوات القليلة جداً الناقدة لوسائل الإعلام التي تهيمن عليها الحكومة في تركيا. لكن يبدو أن هذا الصوت الناقد قد خفت الآن.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/us-turkey/turkish-media-responds-s-400-purchase
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.