الإعلام التركي يشنّ هجوماً شديداً على الدور الإنساني للإمارات

إسطنبول – شنّت وكالة أنباء الأناضول التركية الرسمية هجوماً حادّاً على الدور المُتصاعد لدولة الإمارات في تقديم المُساعدات والدعم الإنساني لمُختلف الدول التي تواجه أزمة انتشار فيروس كورونا العدو المشترك لجميع الحكومات والشعوب في العالم اليوم.
وفي حين تواصل الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي مع العشرات من قادة العالم حتى في الدول المتقدمة للإعراب عن التضامن ودعم بلاده والعمل سويّة على وضع استراتيجية موحدة لحماية الإنسان في كلّ مكان، أعرب الإعلام التركي التابع في غالبيته العظمى للرئيس رجب طيّب أردوغان، عن الاستياء من الاتصال الهاتفي الذي أجراه ولي عهد أبوظبي، منذ أيام، مع الرئيس السوري بشار الأسد، وتأكيده على أنّ "سوريا البلد العربي الشقيق لن يكون وحده في هذه الظروف الدقيقة والحرجة".
سوريا، الدولة المُنهكة اقتصادياً والتي تُحاول الخروج من حرب داخلية طاحنة، كان أردوغان نفسه أحد أبرز المُشاركين فيها بالتحريض والدعم للدواعش والإرهابيين والمساهمة في القتل المباشر للسوريين عبر 4 عمليات عسكرية شنّها الجيش التركي شمال سوريا منذ العام 2015، ليلقى هزيمة مُدوّية مطلع مارس 2020 من قبل القوات السورية بدعم من موسكو في محافظة إدلب.
الأناضول، لسان حال حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم الذي يرأسه أردوغان، تحدثت في تقرير موسّع لها نشرته اليوم بعنوان "الإمارات.. بين التقارب مع الأسد والشقاق مع تركيا"، عمّا أسمته تواصل العلاقات الإماراتية-السورية مُنذ العام 2011، مُتجاهلة أنّ الإمارات تُعدّ إحدى أكبر الدول المانحة للمساعدات الإنسانية والتنموية للاجئين السوريين داخل سوريا والدول المحيطة، إذ وصل إجمالي المساعدات الإماراتية، منذ بداية الصراع في سوريا إلى أكثر من 5 مليارات درهم إماراتي.
وزعمت وكالة الأنباء التركية الحكومية أنّ "حكومة أبو ظبي تأمل أن ترى عودة سريعة لحكومة النظام السوري إلى الجامعة العربية، واستعادة دورها في المحيط العربي، لتشكيل ما يشبه جبهة مناهضة لتركيا ودورها الإقليمي.. قد تضم كلًا من السعودية ومصر والبحرين إلى جانب سوريا، لتجاوز حالة الانقسام العربي في مواجهة تركيا".
وكانت الإمارات أولى الدول التي تنبهت للمخاطر المتعاظمة ضد سوريا الدولة والشعب، وحذّرت مُبكراً من تبعات ذلك على العرب جميعاً. وتعكس الخطوة الإماراتية الأخيرة مع دمشق مبادئ السياسة الخارجية للدولة، والتي تقوم على فصل الخلافات السياسية بشأن أيّ ملف عن البعد الإنساني.
وأكد خبراء ومحللون سياسيون في سوريا، أن الإمارات اتخذت دور الداعم والمساند للشعب السوري بمختلف مكوناته وأطيافه دون تمييز، مع تأكيدها الدائم على حق الشعب السوري في تقرير مصيره بعيداً عن التدخلات الخارجية.
وقالت الأناضول في تقريرها الهجومي إنّه، وبعد اندلاع الثورة السورية ضمن موجة "الربيع العربي"، أغلقت دولة الإمارات سفارتها في دمشق عام 2012، لتُعيد افتتاحها بعد ست سنوات، في ديسمبر 2018، رغم تعليق عضوية سوريا في جامعة الدول العربية، في خطوة زعمت أنّ خبراء اعتبروها تمثل خروجًا على الإجماع العربي.
ورأت أنّ "الاتصال الثنائي بين ولي عهد أبو ظبي، ورئيس النظام السوري، بشار الأسد، يؤكد استمرار الإمارات في خياراتها السياسية المعروفة بالعداء لثورات الربيع العربي"، في إشارة منها للثورة الشعبية التي أطاحت العام 2013 بالرئيس المصري الراحل محمد مرسي التابع لتنظيم الإخوان المسلمين الدولي بقيادة أردوغان، متهمة الإمارات بأنها وراء ذلك، وبدعم الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر ضد ميليشيات حكومة الوفاق الوطني المُتطرفة في طرابلس والتابعة لأنقرة.
ونقلت الأناضول عن مراقبين لم تُسمّهم أن مساعدة الشعب السوري يمكن أن تكون عبر بوابات أخرى، غير البوابة التي اختارتها الإمارات.
وأشارت إلى أن الإمارات لم تعترض على التدخل العسكري الروسي الداعم لنظام الأسد في سوريا منذ عام 2015، زاعمة أنّ الإمارات لم تكن مُصرة على إسقاط أو تغيير النظام السوري خلافًا للموقف الواضح للدول العربية والمجتمع الدولي ضد انتهاكات النظام السوري.
وأوردت آراء لخبراء مجهولين أنّ الإمارات تجد نفسها أنها مستعدة لإعادة القبول بشرعية رئيس النظام السوري، الذي تنظر إليه كقوة حاسمة في مواجهة حركات الإسلام السياسي، التي تعاديها الإمارات.
ونقلت عن مراقبين، لم تُعرف طبيعتهم أو جنسيتهم أو حتى مجال تخصّصهم، أن الإمارات تقود ما بات يعرف باسم "الثورة المضادة" لإجهاض ثورات الربيع العربي، في سياق سياساتها المعادية لحركات الإسلام السياسي، التي اضطلعت بالدور الأكبر في قيادة وتوجيه تلك "الثورات" التي شملت تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا. وبالإضافة إلى ذلك، تتبنى الإمارات سياسات إقليمية "مناهضة" للسياسات التركية والقطرية في ليبيا وسوريا وغيرهما، من خلال دعم قوى "الثورة المضادة"، وتجنيد المرتزقة، ودعم التدخل العسكري الروسي بجانب قوات النظام السوري، يقول المراقبون المجهولون.
ورأت أنباء الأناضول، التي لا يُمكن لها كتابة حرف واحد دون موافقة مُستشاري أردوغان واستخباراته، أنّ "العلاقات بين تركيا والإمارات تشهد توترات عميقة، بسبب الملفات الخلافية المتعلقة بالموقف التركي من الأزمة الخليجية، والسياسات الإماراتية في ليبيا وسوريا المناهضة للعمليات العسكرية التركية في سوريا، ووقوف تركيا بجانب حكومة الوفاق الليبية، إضافة إلى الاتهامات التي توجهها تركيا إلى الإمارات بالتدخل في شؤونها الداخلية ومحاولة زعزعة الأمن والاستقرار، والدور التخريبي في القطاع الاقتصادي، خاصة تلك الحملة المنظمة التي استهدفت الليرة التركية، وأدت إلى هبوط أسعار صرفها مقابل العملات الأجنبية"، وذلك في تجاهل تام من قبل الإعلام التركي الرسمي لحقائق الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تُعاني منها تركيا بسبب الأخطاء الفادحة لسياسات أردوغان الداخلية والخارجية، والعداء مع دول الجوار الإقليمي بشكل خاص.
وزعمت وكالة الأنباء الحكومية التركية أنّ "الإمارات تلعب دورًا في الدعاية المُضادة الموجهة ضد تركيا والدور التركي المُرحب به شعبيًا ورسميًا في عدد من الدول العربية، التي تشهد نزاعات مسلحة وأزمات إنسانية، حيث تساهم الجهات التركية المعنية في مدّ يد المساعدة لشعوب تلك الدول".
وتابعت الأناضول نشر بعضٍ من خيالاتها الواسعة لتصل لدرجة القول "شكل التدخل الإماراتي المباشر عبر الدعم المالي لمنظمة غولن الإرهابية لتنفيذ انقلاب (15 يوليو) على حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، محطة فارقة في العلاقات الثنائية بين البلدين".
وتابعت القول إنّه "كثيرًا ما أشارت تقارير غربية إلى دور إماراتي ما في المحاولة الانقلابية الفاشلة، التي شهدتها تركيا في 2016، وتحدثت تقارير أخرى عن دور مباشر لرجل الأمن الفلسطيني، محمد دحلان، الذي يعمل مستشارًا لدى ولي عهد أبو ظبي".
وأضافت أنباء الأناضول أنّ "المحطة الأخرى، التي لا تقل أهمية عن محاولة الانقلاب الفاشلة، والتي زادت من حدة التوترات في العلاقات بين البلدين، هي وقوف تركيا، بعد الأزمة الخليجية في 5 يونيو 2017، بجانب دولة قطر، لمواجهة الحصار الاقتصادي والدبلوماسي، الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين ومصر، إضافة إلى الدعم التركي العسكري للدوحة، الذي يُنظر إليه على أنه العامل الأهم في تراجع الدول الأربعة عن تنفيذ عمل عسكري ضد قطر، أشار إليه أمير الكويت خلال زيارته للولايات المتحدة، في يوليو 2018".
بالتأكيد فإنّ مبادرة أبوظبي اللافتة لتقديم الدعم الإنساني، والتي حازت تقديراً داخل وخارج سوريا، كما في الداخل الإماراتي، لم تسلم من تفسيرات سياسية ذات أبعاد جغرافية، بالتزامن مع صعود أوراق جديدة على الصعيدين الإقليمي والدولي، خاصة وأنّ الكشف علناً عن الاتصال الهاتفي جاء تتويجاً للتحوّلات الجذرية التي شهدتها العلاقات بين سوريا والإمارات، والانفتاح العربي عموماً على دمشق، في العام الأخير بشكل خاص، الأمر الذي تمّ تفسيره أيضاً على أنّه قرار خليجي نهائي بعودة العلاقات مع سوريا وإعادة عضويتها لجامعة الدول العربية.
وسبق أن أكدت دولة الإمارات في مناسبات كثيرة على دور عربي في سورية سواء سياسيا أو أمنيا، مُشيرة إلى أنّ قرار إعادة فتح السفارة في دمشق نهاية ديسمبر العام 2018، إنما هو "لإعادة سورية إلى حضنها العربي"، وأعقب ذلك تبادل واسع لزيارات رجال الأعمال بين البلدين.